الرئيسية / صوت الوطن / الشباب بين التهميش والعزوف عن الشأن العام // علي البعزاوي
الشباب بين التهميش والعزوف عن الشأن العام // علي البعزاوي

الشباب بين التهميش والعزوف عن الشأن العام // علي البعزاوي

يعيش الشباب في تونس حالة من القلق واليأس بعد مرور ستّ سنوات على اندلاع ثورة الحرية والكرامة التي انخرط فيها منذ بداياتها الأولى في الصخيرة وجبنيانة وبن قردان والحوض المنجمي ولاحقا في كامل أرجاء البلاد على أمل التخلص من البطالة والفقر والاستبداد. وقدّم من أجل ذلك عشرات الضحايا. لكن حكومات ما بعد 17 ديسمبر 14 جانفي لم تحقّق له الأدنى من المطالب ولم تخطّط لمعالجة أوضاعه المتردّية منذ عهدي بورقيبة والمخلوع.

لقد فرضت الحريات السياسية وضُمِّنت في الدستور الجديد وتغيّرت وجوه الحكم مع استمرار نفس الخيارات والبرامج فجاءت الأزمة أكثر عمقا وشمولا وزادها تنامي الظّاهرة الإرهابية استفحالا وتهديدا للأمن والاستقرار.

الشباب طاقة قد تُهدر في غير مكانها Untitled-2

الشباب الذي لعب دورا في إسقاط الدكتاتور إلى جانب باقي الطبقات والفئات الشعبية والنساء والمثقّفين والنقابيين والحقوقيين …لم “يُلقِ السّلاح ” مثلما يقول المثل الشعبي، وهو يتحرّك اليوم في أكثر من جهة وقطاع ويناضل بلا هوادة من أجل تحقيق مطالبه.

جذوة النضال لم تنطفئ لدى جزء كبير آمن بأنّ المسار الثوري مازال مفتوحا وأنّ تحقيق الأهداف ليس مستحيلا وأن الحل يكمن في مواصلة النضال وتوسيع نطاقه ليشمل عموم الشباب وكل جهات البلاد تحت شعار “الشغل والحرية والكرامة الوطنية”.

لكن فئات أخرى من الشباب خيّرت الانتظار والفرجة وربّما أصابها اليأس من إمكانية تغيير الواقع خاصة وأن مختلف الحكومات التي مرّت منذ 2011 على القصبة متشابهة لأنها لم تقدّم الحلول الدنيا المطلوبة رغم الوعود التي أطلقتها أحزابها خلال الحملات الانتخابية والنّدوات الشعبية وغيرها.

البعض الآخر خيّر “الحرقة” والالتحاق ببؤر الإرهاب بحثا عن المال الوفير والجواري مثلما وعده بذلك مجنِّدوه ومُسفِّروه ليلاقي الموت والهزائم والخيبات وليجد نفسه لعبة بين أيدي بارونات الإرهاب التكفيري المرتبطة بالأجندات الإقليمية والدولية والخادمة لها.

وهناك جموع خيّرت الحلول المشبوهة فانخرطت في شبكات الجريمة المنظّمة (سرقة، دعارة، مخدرات…) التي أصبحت تجند الآلاف من الشباب بما في ذلك التلمذي.

أغلب هذه الفئات على اختلاف مواقفها ومسلكياتها هي بمثابة القنابل الموقوتة القابلة للانفجار في أي لحظة، وجزء هام منها سيلتحق بالتأكيد بخيار النضال ليعزّز صفوف من آمنوا بإمكانية تغيير الواقع وفرض التنازلات على الحكام المتآمرين على الثورة.

لقد أكّدت تجارب الثورات في العالم أن الاحتجاجات تنطلق بأعداد متواضعة ومحدودة جغرافيًّا لتتوسّع وتنتشر فيما بعد إذا التقى الاستعداد والجاهزية للنضال بالشروط الموضوعية (فقر وبطالة وتردّي الخدمات الأساسية وتدهور مستوى العيش…)

الشباب يهجر الشأن العام

تردّي أوضاع الشباب دفعت به إلى العزوف عن كلّ ما هو شأن عام بعد أن تحمّل المسؤوليات صلب منظمات المجتمع المدني والأحزاب وبعد أن لعب دورا في تأثيث ندواتها واجتماعاتها العامة خلال السنوات الأولى من الثورة.

فئات واسعة من الشباب لم تعد ترى في الأحزاب سوى منظمات “متآمرة على الشعب” وعلى الشباب أساسا هدفها الكراسي والامتيازات وخدمة المصالح الشخصية والعائلية والحزبية الضيقة.

هذه النظرة أصبحت متفشّية في الأوساط الشّبابية لأسباب ذاتية تتعلّق بمحدودية الوعي وقصر التجربة السّياسية لأن التونسيين لم ينخرطوا بصورة جدّية في الشأن العام إلا خلال الثورة، التي وفرت للجميع إمكانية النشاط والتعبير. كما يُعزى هذا العزوف لأسباب موضوعية بالنّظر إلى الدور الذي لعبته أحزاب الحكم على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية، والتي منيت بالفشل وسعت في نفس الوقت إلى محاولة تعميم هذا الفشل وتوزيعه على كل الأحزاب، بما فيها التي لم تخض غمار الحكم، بحثا منها عن التنصّل من المسؤولية.

النضال المنظَّم طريق الخلاص

من البديهي والمتعارف عليه أن من يحكم ويقود المجتمعات في مختلف بلدان العالم هي الأحزاب والجبهات المُشكَّلة بدورها من الأحزاب، وأنه مهما قاطع الشباب وهجر الشأن العام فإن من سيحكم ويطبّق برامجه ويكرّس خياراته المجتمعية هي الأحزاب والجبهات والائتلافات السياسيّة أيضا. وبالتالي فإن مصائر الشعوب عموما والشباب تحديدا مرتبطة بمن هم في الحكم. هؤلاء يخطّطون ويدبّجون الميزانيات ويضبطون السياسات ويتصرّفون في المال العام والثروات الوطنية ويوزّعونها على المجتمع وفق رؤاهم.

فحزب النهضة خدم أتباعه وعائلاتهم على حساب عموم الشعب وعمل على دعم قاعدته الاجتماعية من كبار الرأسماليين والتجار والمهرّبين. وحزب نداء تونس الفائز الأول في انتخابات 2014 خدم ويخدم كبرى الشركات الرأسمالية الأجنبية والأقلية الثرية المحلّية على حساب الشعب والوطن. وتشهد البلاد تحت حكم الثنائي المذكور حاليا أزمة شاملة تزداد مع مرور الوقت استفحالا وستؤدّي في غياب المعالجات الجدّية والعميقة إلى كوارث حقيقية.

ما ينبعي أن يدركه الشباب الرافض للأحزاب هو أن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والبرامج تختلف إلى حد التناقض أحيانا من حزب لآخر وأن كل حزب يعبّر بالضرورة عن مصالح طبقية محددة. وبالتالي فإن الأحزاب مختلفة ومتناقضة وليست سواسية مثلما يتبادر إلى الاذهان. هذه الاختلافات يقع التعبير عنها من خلال المواقف من مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإزاء القوانين والإجراءات والمعالجات لمختلف الملفات.

شباب تونس مطالب منطقيا بمعرفة الأحزاب معرفة دقيقة، معرفة بدائلها وخياراتها الاستراتيجية وبرامجها وسياساتها وتكتيكاتها وتحالفاتها والهدف من وراء هذه التحالفات وإذا كانت هذه التكتيكات مبدئية وخادمة للاستراتيجيا أم انتهازية… وهو مطالب في نفس الوقت بالانخراط في الشأن العام من خلال الأطراف التي تعبّر عن طموحاته ومصالحه وقادرة على خدمة مطالبه المباشرة والبعيدة.

أمّا الوقوف على الرّبوة وهجر الشأن العام فهي خدمة جليلة ومجانية للأغلبية الحاكمة المتسبّبة في أزمة الشباب، والتي لها مصلحة في مثل هذه المواقف السلبية، وتسعى في هكذا أوضاع لاستدامة الأزمة وتعميقها ومزيد خدمة أغراضها الخاصّة والحزبية الضيقة.

بقلم علي البعزاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى