الرئيسية / منظمات / حقيقة التّعذيب في تونس: متى يقع إنهاء “مهنة” الجلاّد؟
حقيقة التّعذيب في تونس: متى يقع إنهاء “مهنة” الجلاّد؟

حقيقة التّعذيب في تونس: متى يقع إنهاء “مهنة” الجلاّد؟

قراءة في تقرير أعدّه أحمد مولهي

تضمّن التقرير الإحصائي السنوي لبرنامج المساعدة القانونية لضحايا التعذيب للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب لسنة 2016 عديد المعطيات الموثّقة التي تثبت تمادي الأجهزة الأمنية في ممارسة التعذيب بطريقة تكاد تكون ممنهجة، كما تضمّن التّقرير العديد من التوصيات الموجّهة إلى السلط القضائية والتشريعية والتنفيذية الكفيلة بخلق المناخ الملائم للإقلاع عن مثل هذه الممارسات المنافية لحقوق الإنسان والمهينة للذّات البشرية.

المناخ الأمني والقانوني والسّياسي أرضيّة خصبة لانتشار الانتهاكات

قامت المنظمة بإحصاء 153 حالة من الانتهاكات الخطيرة التي تمّ تسجيلها في الفترة الممتدّة من جانفي 2016 إلى موفّى نوفمبر من نفس السنة وفي كامل البلاد. وتتراوح هذه الانتهاكات بين ممارسة التعذيب والعنف وسوء المعاملة، كلّها موثّقة بواسطة استمارات كتابية ومرفقة بمؤيّدات طبية وفيديوهات وشكاوي مقدّمة لجهاز النّيابة العموميّة ومحاضر قضائيّة وغيرها من الوثائق التي تثبت حصول هذه الانتهاكات. وتتنزّل مجمل هذه الانتهاكات في ظل: 02

مناخ أمني يتّسم بعدم الاستقرار المتأتّي من صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعديد الشرائح الاجتماعية المهمشة الى التحركات الاحتجاجية والإضرابات. أمّا رهان مكافحة الإرهاب فكثيرا ما ترافقه تجاوزات خطيرة تضرّ بحقوق الإنسان وتشجّع على نموّ خطاب تحريضي موجّه ضد المنظمات الحقوقية إلى درجة أنّ بعض الإعلاميّين والسياسيّين يرفضون الحديث عن حقوق الإنسان بتعلّة أنّ البلاد منشغلة بمواجهة الإرهاب، فيما يشدّد البعض الآخر على نجاعة الحلّ الأمني في مقاومة تلك الآفة وعلى القبول الاضطراري باعتماد التّعذيب كأيسر طريق للحصول على الاعترافات، دون اعتبار واقع المؤسّستين الأمنية والسّجنية اللّتين لم يطرأ عليهما أيّ إصلاح يذكر، ممّا يؤدّي إلى تواصل الانتهاكات التي تنتهي أحيانا بحالات موت “مسترابة” وإلى تأبيد ظاهرة الإفلات من العقاب.

منظومة قانونيّة تشكو التأخّر في إدخال التعديلات الضرورية على أحكام المرسوم 106، الصادر في أكتوبر 2011 والمتعلّق بتجريم وعقاب جريمة التعذيب، لملاءمته مع الاتفاقيات والمعايير الدوليّين وبعدم إقرار الدولة التونسيّة باختصاص المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في قبول الشّكاوي الفردية المتعلّقة بحقوق الإنسان وبعدم تفعيل دور الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب التي تمّ تركيزها سنة 2016 دون أن تخصّص لها التّمويلات الكافية للانطلاق في عملها. وفي المقابل فإنّ صدور القانون عدد 05 في أكتوبر 2011، المتعلّق بتعديل بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائيّة، يمنح ضمانات دنيا للمحتفظ بهم بإعطائهم الحق في الاستعانة بمحام أمام الشّرطة القضائية.

ومناخ سياسي في حاجة إلى الاستقرار والمأسسة، رغم مضيّ ثلاث سنوات عن الانتخابات العامة والرئاسية دون أن تتقدّم التحقيقات في انتهاكات التعذيب ودون أن تقع أدنى إحالة على القضاء بهذا الشأن وهو ما يوحي بغياب الإرادة السياسية الفعلية في مقاومة آفة التعذيب لدى السلط الحاكمة ولدى بعض الأحزاب السّياسية وبعض الإعلاميّين الذين لا يتوانون عن شنّ الحملات ضد المنظّمات الإنسانية والوجوه الحقوقيّة المناهضة للتعذيب.

لقد ساهم المناخ الأمني السائد والفراغ التشريعي وغياب الإرادة السّياسية في اتّساع رقعة الانتهاكات وانتشار آفة التعذيب، خاصة في الجهات الداخلية التي تحظى بالقسط الأوفر من الانتهاكات والممارسات المذلّة للذات البشرية التي أصبحت تمثّل خطرا على حياة العديد من المواطنين.

أمّا في ما يخصّ الانتشار الجغرافي لتلك الانتهاكات، فإنّ الجهات الداخلية تمثّل الفضاء الأرحب لممارسة شتّى أنواع العنف والتعذيب مثلما بيّنه الاستبيان التالي: 01

تصنيف الانتهاكات حسب الفئة العمريّة والجنس وأسباب الاحتجاز والّسلط المسؤولة عنها

مقارنة بسنة 2015، حافظت معدّلات ممارسات التعذيب وسوء المعاملة على نفس مستوياتها وتصدّرت الشرطة قائمة الأجهزة الأمنية التي ترتكب الانتهاكات مقارنة بالسجون والحرس الوطني، باعتبار أنّ جهاز الشرطة يعمل في المدن والمناطق الحضرية الأكثر كثافة سكانية والتي تشهد معدّلات تدخّل أرفع، مع ما يرافق بعض هذه التدخّلات من عنف وانتهاكات يمكن حصرها تحت عناوين التعذيب وسوء المعاملة والموت المستراب والتّهديد ومحاولات الاغتصاب والاعتقال التعسّفي الذي ارتفع في الفترة الأخيرة. وتقع هذه الانتهاكات عادة بدافع اقتلاع الاعترافات أو العقاب أو التّمييز أو التّخويف ضدّ المشتبه بهم في ارتكاب جرائم.

أمّا في ما يخصّ ضحايا الانتهاكات، فإنّها تكاد لا تستثني أحدا، حيث تطال تلك الممارسات نسبة مهمّة من شريحة الـ19- 40 سنة، وهي الفئة الأكثر نشاطا في المجتمع والمعرّضة تباعا لاحتمالات مخالفة القوانين الجاري بها العمل. ومقارنة بالرجال فإنّ نسبة تعرّض النساء إلى الانتهاكات تبقى ضعيفة ومرتبطة خاصة بعمليات احتجاز الأبناء أو الأزواج في مراكز الأمن لأسباب مختلفة لخّصها تقرير المنظمة في الجدول التالي:00

يبدو حسب التقرير والإحصائيات والأرقام المقدّمة فيه، أنّ الشباب والمرأة وأبناء الأحياء الشعبية وأبناء الجهات الداخلية المهمّشة، يشكّلون الفريسة الأولى لآفة التعذيب والعنف وسوء المعاملة بحكم هشاشة أوضاعهم الاجتماعية التي كثيرا ما تضعهم في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن بكلّ أصنافها.

  1. تعاطي الجهات الإدارية مع الشّكاوى المقدّمة ضدّ مرتكبي الانتهاكات

رغم تخصيص سجلٍّ خاص بشكاوي التعذيب على مستوى كل محكمة ابتدائية وتخصيص عضو من النيابة العمومية للنظر في تلك الشكاوي وتقرير مآلها، ظلّت 82 % من تلك الشكاوي في مستوى البحث الابتدائي ولم تقع إحالة إلّا 18 % منها إلى قضاة التحقيق ولم يقع إحالة أيّ ملف على المحاكمة، علاوة على طول إجراءات البحث والتّحقيق بما يفتح المجال أمام ممارسة الضّغوط على الضحايا للتّراجع عن شكاويهم، وهو ما يعكس حالة الإفلات من العقاب في مثل هذه القضايا، علاوة على تعرّض العديد من مقدّمي الشكاوي إلى الانتقام وإلى تلفيق القضايا والتّضييق عليهم في حياتهم اليومية. 03

وأمام الانتهاكات المتكرّرة، سعت المنظمة إلى تقديم المساعدة القانونية، عبر شبكة المحامين التّابعة لها وتوفير المساعدة النفسية الملحّة، خاصة في غياب المراكز الطبية النفسية العمومية لتأهيل ضحايا التعذيب، إلى جانب المساعدات الاجتماعية والتدخّلات ومرافقة بعض الحالات لفضّ بعض الإشكاليات القائمة مع السّلطات الأمنية والإدارية. إلاّ أنّ ذلك العمل يبقى منقوصا وفي حاجة إلى التدعيم والتّقنين وهو ما يدعو إلى التّفاعل مع جملة التّوصيات التي ترفعها المنظّمة.

3- التوصيات

يخلص تقرير المنظّمة التونسية لمناهضة التعذيب إلى رفع عديد التوصيات تجاه السلطات الثلاث، القضائية والتشريعية والتنفيذية التي من شأنها محاصرة آفة التعذيب التي ذهب ضحيتها العديد من المواطنين، ومن أهمّها:

ضرورة تحمّل القضاء مسؤوليته في معاينة آثار التعذيب ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات

  • فتح تحقيقات جدّية في جميع حالات الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا

  • عدم اعتماد القضاء على محاضر بحث أمضى عليها المشتبه فيهم تحت التعذيب

  • تولّي النيابة العمومية إعادة الأبحاث في القضايا التي تحوم حولها شبهة الانتقام

  • الإشراف المكثّف للنيابة العمومية على تطبيق القانون الجديد المعلّق بحضور المحامي بمراكز الأمن

  • الإسراع بإصلاح منظومة التّأديب داخل السّجون ونظام العقوبات وخاصة نظام السّجن الانفرادي

  • تمتيع ضحايا التّعذيب والعنف الأمني بمجانيّة العلاج في المؤسّسات الصحّية العمومية

  • التّحقيق في أسباب محاولات الانتحار التي يُقدِم عليها بعض الموقوفين

  • مساعدة ضحايا التعذيب عبر توفير الرّعاية الصّحية والنّفسية لهم

  • تحسين معاملة عائلات المحتفظ بهم

  • تحمّل الهياكل الصحّية مسؤوليّتها في معالجة ضحايا التعذيب ومعاينة حالاتهم وتمكينهم من الشّهائد الطبية الضرورية

  • ضرورة حماية الجهاز الطبي وشبه الطبي من أيّ ضغوط كانت

  • تحسيس الأطبّاء بوجوب إعلام النيابة العمومية بحالات العنف التي وقعت معاينتها

  • الكفّ عن أساليب الضغط والتخويف ضدّ ضحايا الانتهاكات ومحاسبة مرتكبي تلك الأعمال

  • عدم استغلال أوضاع مكافحة الإرهاب ومحاولة توريط أبرياء في هذا المجال انتقاما منهم

  • الكفّ عن استعمال حالة الطوارئ لاتّخاذ إجراءات غير قانونية

  • سدّ الفراغات القانونية التي تشجّع على الإفلات من العقاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى