الرئيسية / صوت الوطن / 8 مارس بين التّاريخ والحاضر… وأفق التّحرّر
8 مارس بين التّاريخ والحاضر… وأفق التّحرّر

8 مارس بين التّاريخ والحاضر… وأفق التّحرّر

تحيي نساء تونس كما نساء العالم وأحراره ذكرى 8 مارس «اليوم العالمي للدفاع عن حقوق المرأة”. وقد استمد هذا التاريخ Sans titre-3رمزيته من نضالات عاملات النسيج اللاّتي بدأ مشوارهن النضالي منذ منتصف القرن الـ19 بالخروج في مظاهرات حاشدة للمطالبة بالتخفيض من ساعات العمل وترفيع الأجور وتحسين ظروف الشغل. وقد كان إقرار يوم 8 مارس يوما عالميا للمرأة تتويجا لنضال مرير خاضته آلاف العاملات في مناطق عدة من العالم تزامنا مع تنامي الأفكار الثورية المنادية بالمساواة وتحرير المرأة من الاستغلال والاضطهاد الناتج عن تصاعد القوى الرأسمالية.

رغم التّشويهات، نضالات المرأة متواصلة

ورغم التّشويهات التي حاولت قوى الرجعية والاستغلال إلحاقها بهذا التاريخ، فقد كان حافزا للمناضلات الاشتراكيات للعب دور مهمّ في تأطير النساء ودعم انخراطهنّ في الصراع الطبقي الواسع عبر المشاركة في الإضرابات وتنظيم المسيرات والانخراط حتى في العمل السري بهدف تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية ومن أجل الحرية والعدالة الاجتماعية وفي مقدّمتهن المناضلة “كلارا زتكين” التي كانت أول من طالب، في الندوة الأممية الثانية للنساء الاشتراكيات (8 مارس 1910)، بإقرار يوم 8 مارس يوما أمميّا للدفاع عن حقوق النساء، وهو ما أقرّه لينين في 8 مارس 1918 دعما منه للنساء البروليتاريات، قبل أن تعتمده الأمم المتحدة في 1977 يوما عالميا للمرأة. ومنذ ذلك الوقت، تتالت نضالات المرأة من أجل فرض قوانين تضمن المساواة وتمنع استغلال المرأة وممارسة العنف ضدّها ومن أجل رفض كلّ أشكال التّمييز بينها وبين الرجل فيما يتعلّق بالعمل والحياة العامة وبالحق في التصويت والعمل السياسي.

المرأة هي الضّحيّة الأكبر لاستفحال الأزمة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّةSans titre-4

لم تكن المرأة التونسية استثناء. فقد كانت السبّاقة في التأكيد على أنها شريك فاعل في النضال وفي تحديد مصير البلاد منذ انطلاق حركة التحرير الوطنية ضدّ الاستعمار وإلى حدود اليوم. ولقد خاضت المرأة التونسية، منذ انطلاق المسار الثوري في 17 ديسمبر2010، محطّات نضالية مهمة مكّنتها من فرض دسترة حقوق النساء والتصدّي لمشاريع العنف والإرهاب ومقاومة قوى الردة والظلامية. غير أنّ المرأة تبقى الضحية الأكبر لاستفحال الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس بالرجوع إلى المعطيات المتعلقة بـ”تأنيث” الفقر باعتبار ارتفاع نسبه في صفوف النساء، إضافة إلى ارتفاع نسب البطالة والأميّة واستفحال ظاهرة الانقطاع المبكّر عن التعليم  وتزويج الفتيات في سنّ مبكّرة خاصة في الأوساط الريفية، إلى جانب ارتفاع منسوب العنف ضدّ النساء بكلّ أشكاله وتنامي ظاهرة العنف الاقتصادي خاصة وتعرّض النساء العاملات  في القطاعين الصناعي والفلاحي إلى شتّى أنواع التمييز من حيث الأجر وعدد ساعات العمل  وظروف النقل والطرد التعسّفي وغياب التغطية الاجتماعية، إضافة إلى ارتفاع عدد النساء المستغلاّت في أشكال التشغيل الهش والاقتصاد غير المنظّم. ومن الأكيد أنّ الأزمة ستزداد خطورة مادام الائتلاف الحاكم ينتهج نفس الخيارات السياسية والاقتصادية ويسرّع في تطبيق الإجراءات اللاّشعبية واللاّوطنية ويمعن في بيع البلاد ورهنها للدوائر المالية الامبريالية.

قوانين وتشريعات لا تتلاءم مع الدّستور والمعاهدات الدّوليّة

رغم أهمية المكاسب التي يضمنها الدستور التونسي للمرأة، فإنّ ترسانة القوانين والتشريعات ذات الصلة ماتزال على حالها (مجلة الأحوال الشخصية، المجلة الجزائية، مجلة الشغل، قانون الوظيفة العمومية…) ولا تسمح بتفعيل مبدأ المساواة التامة والفعلية بما يتلاءم مع الدستور (الفصلين 21 و42) ومع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. ولا دليل أكبر على ذلك من تلكؤ مجلس نواب الشعب في إصدار قانون القضاء على العنف ضد المرأة وإصدار اتفاقية إطارية تحمي حقوق العاملات الفلاحيات وفي المصادقة على الاتفاقية 183 لحماية الأمومة.

إنه من الأكيد أنّ نضال المرأة في تونس ليس بمعزل عن نضالات المرأة في الوطن العربي وفي العالم كله من أجل إيقاف سلسة الجرائم التي تنتهك كرامتها وتكرّس دونيّتها وتسلبها إنسانيتها وهو ما يطرح علينا اليوم، بوصفنا حاملات للفكر التقدمي النيّر ولمشروع ثوري يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية، الإصرار على النضال، لا من أجل تحرّر المرأة فحسب، بل من أجل تحرّر الفئات الشعبية والكادحة من الاستغلال والاضطهاد الاجتماعي. ففي ذلك انعتاق للمرأة وللمجتمع ككل.

ضحى قلالي عضوة منظمة “مساواة”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×