الرئيسية / صوت الوطن / بين النّقابات ووزير التّربية: حان الوقت لنقول لهذا الوزير: “كفى”
بين النّقابات ووزير التّربية:  حان الوقت لنقول لهذا الوزير: “كفى”

بين النّقابات ووزير التّربية: حان الوقت لنقول لهذا الوزير: “كفى”

كثر اللّغط في المدّة الأخيرة بمناسبة دخول قطاع التّعليم الثّانوي في سلسلة نضالات انتهت منذ مدّة إلى المطالبة بإقالة وزير التّربية لجملة من الدّواعي والأسباب التي تراها نقابة الثّانوي وجيهة ومعقولة.Sans titre-2

هذا اللغط يتأجّج بمناسبة كلّ حركة نضالية تقوم بها قطاعات التعليم وذلك بحكم التأثير المباشر للمرفق التربوي على تفاصيل الحياة العامة في بلادنا. ويُعدّ انشغال عامة الناس بشأن التعليم له أوجه إيجابية تعكس بهذا القدر أو ذاك اهتمام العموم بجانبٍ يُعتبر شرطا أساسيا من شروط التقدم والنهوض. إلاّ أنّ ما يلاحظ في هذا الصدد أنّ متابعة جزء غير يسير من الرأي العام إنما يتمّ من زاوية سلبية، زاوية النظر إلى الحراك النقابي في قطاعات التعليم باعتباره حراكا مرفوضا بحكم خصوصية المرفق التربوي المطالب أن يكون دائما وأبدا على ذمّة الأولياء والتلاميذ الذين “يصير فيهم ما يصير”، بمناسبة كلّ إضراب. وقد خلقت حول هذه الفكرة جوقات من الإعلاميين وأشباه المثقفين يأتمرون بأوامر وزير التربية ويبيّضون وجهه وينظّمون الحملات الغوغائية والشعبوية ذات المحتوى الخطير بحكم العداء للعمل النقابي والنضال الاجتماعي، وذلك في إطار خدمة مصالح الطبقات الرجعية والطفيلية السائدة. وفي هذا الإطار يُعتبر وزير التربية أحد رموز الهجوم المنظّم على النقابات الذي اشتدّ سعيره في عهده السّعيد وعهد حكم حزبه المعادي للأُجراء وللنضال النقابي.

إنّ اهتمام الناس بالشأن التربوي يمكن أن يكون مفيدا ومهمّا إذا ارتبط بتحوّل في وعي هؤلاء أن لا تقدّم ولا حداثة ولا تنوير دون تثوير لوضع التعليم ونهوض بأوضاع القائمين عليه. إنّ تحوّلا ضروريّا في فهم شعبنا ووعيه يجب أن يحصل حتى نضع الإصبع على أحد أهم عوائقنا، وأحد أهم شروط تقدمنا.

وعلى هامش الجدل الاجتماعي الواسع طُرح ملفّ تعدّدت بصدده المقاربات، وهو هل للنقابات الحق في المطالبة بإقالة وزير؟

حول مطلب إقالة الوزيرSans titre-3

اشتدّ الجدل حول هذه النقطة بالذات بين قابل لها ورافض، وانتظمت في الصّدد حملة شعواء ينشّطها خاصة رموز العداء للعمل النقابي وذلك بداعي اختصاص الواجهة النقابية بالجوانب المطلبية التريدنيونية، وأنّ إقالة وزير هو مطلب سياسي لا حقّ للنقابات في طرحه أصلا وإلّا انحرفت عن دورها الأصلي. هذا وقد انتشر هذا الموقف حتى في بعض الأوساط النقابية بما فيها المنسوبة إلى اليسار، ونحن نعتقد أنّ هذا الموقف متهافت وينهل من معين الفكر الإصلاحي والتّجربة النقابيّة الصفراء.

وبعودتنا إلى الإرث النقابي الثّوري والتقدّمي العالمي والوطني نتأكّد أنّ الموقف السليم كان منحازا إلى رؤية نضالية لا تحصر النشاط النقابي في المطلبيّة البحتة. فمحمد علي وحشّاد دافعا عن مقاربة شموليّة تجمع المطلبي/الاجتماعي مع العام/السياسي، وهذا العام طال حتى المسألة الوطنية مع حشاد ورفاقه الذين ربطوا النضال النقابي بالمهمّات المطروحة في تونس وهي مهمّة تحرير البلاد ودحر المحتلّ، لذلك انخرطت النقابات في العمل الوطني بما فيه الكفاح المسلّح. كما كانت للحركة النقابية وخاصة فصائلها الأكثر تقدّما وأساسا في قطاعات التعليم، مطالب سياسيّة، والجميع يتذكّر إضرابات قطاعات التعليم من أجل إسقاط حكومة الغنوشي الثانية (وليس إسقاط وزير)، كما لم ينسَ النقابيون نضال قطاع الصحة ونقابات الأئمة من أجل إسقاط وزيري الإشراف وهو ما تمّ فعلا بمناسبة إبدال الحكومة. كما أنّ الحركة الطلاّبيّة رفعت أواسط السبعينات شعار “إسقاط المشروع وصاحب المشروع” والأمر يهمّ مشروع إصلاح التّعليم الذي طرحه آنذاك الوزير سيّء الذكر بن ضياء، وهو ما تحقّق.

إنّ مطالبة قطاعي الثانوي والأساسي بإقالة ناجي جلول ليس بدعة، بل هو من صميم المهمات النضالية للنقابات التي من حقها، بل من واجبها المطالبة والنضال من أجل تغيير طاقم التفاوض إن تجاوز حدود/ضوابط الصراع، وهذا متوقّف على موازين القوة بين النقابة والطرف المقابل حكومة أو خواص.

إننا كمنحازين إلى النقابات وإلى النضال الاجتماعي لا يمكن أن نكون إلاّ في صفّ هذه الأخيرة، خاصّة حين يتعلّق الأمر بوزير تجاوز كلّ الضوابط وأعراف التحفظ المحمولة خاصة على مسؤولي الدولة. لقد دأب هذا الوزير المعادي للنقابات على إهانة المربّين وشحذ الرأي العام ضد النقابات، لذلك يكون من أوكد مهمّات هذه الأخيرة اتّخاذ كلّ الإجراءات لإعفائه من مهامه، وفي انتظار ذلك مقاطعته وخلق رأي عام معارض له. إنّ النقابة المناضلة لها سقف عال في مطالبها، وتحتلّ المطالب المرتبطة بكرامة المنظورين مرتبة الأولوية حتى على حساب المطالب المادية والمهنية، ونقابة التعليم الثانوي هي نقابة رائدة في هذا الصدد.

إنّ نقابيّي الثانوي هم مواطنون أحرار ودافعي ضرائب، وهم مربّون في المقام الأوّل، لذلك من صميم مهامهم النضال من أجل تغيير وزير أصبح يشكّل خطرا جدّيا على المناخ التربوي، وحتى على السِّلم الأهلي من خلال “طلعاته” الشعبوية مثل تدريس مادة التاريخ حسب خصوصيات كلّ جهة.

إنّ طرح مطلب الإقالة هو مطلب صحيح وعادل للنقابات المناضلة التي تخوض المعارك في شموليّتها لا في جزئيّتها، علما وأنّ عديد النقابات في العالم فرضت على الحكومات نوعا من الرأي المسموع في علاقة بعديد الملفّات بما فيها تسمية وزراء القطاعات الحسّاسة بما يساهم في التحكّم في أسباب التوتر، ولا نعتقد أنه ثمة قطاع حسّاس أكثر من قطاع التعليم.

نضال النّقابات جزء من نضال المجتمع

يعبّر المجتمع عن نفسه، عن مطالبه وتطلّعاته من خلال الفعاليات السياسية والاجتماعية والمدنيّة، وتعتبر النقابات من أهم وسائل الدفاع الذاتي التي خلقتها الطّبقة العاملة للدفاع عن مطالبها الحيويّة المباشرة والاستراتيجيّة، ويُعتبر النشاط النّقابي متأصّلا في تربة بلادنا منذ بداية القرن الماضي، حيث لعبت الحركة النقابيّة التونسيّة دورا محوريّا في الحركة الوطنية وفي النّضال ضدّ حكم حزب الدستور في مختلف حقبه. وقد كان لها معارك خالدة في مقارعة رأس المال، والحكومة، فضلا عن خوض صراع لا هوادة فيه ضد البيروقراطية النقابية منذ عهد عاشور ولاحقيه دفاعا عن استقلالية ونضالية وديمقراطية العمل النقابي.

ولئن لعبت الحركة النقابية دورا محوريّا في الثورة ممثّلة في القطاعات المناضلة وفي مقدّمتها قطاعات التعليم، فإنّ نضالها اليوم ضدّ حكومة صندوق النقد الدولي يُعتبر أساسيّا وجزءً من نضال شعبنا ضد خيارات التبعيّة والتفقير والفساد، وما نضالات قطاعات التعليم إلاّ رافدا من حركة النضال الاجتماعي المتصاعد ضدّ حكومة اليمين التي لم توفّر لشعبنا إلاّ مزيدا من الفاقة والبؤس.

ويُعتبر الدفاع عن عمومية التعليم وديمقراطيته وشعبيته ضد الخوصصة والسلعية والتّمييع، معركة تخوضها نقابات التعليم نيابة عن كل المجتمع، لذلك فإنّه على المجتمع وفعالياته التقدمية إسناد هذه النضالات وشدّ أزرها والاعتزاز بها، وبصورة مباشرة تفويت الفرصة على الخدم والحشم من المرتزقة ومزوّري الوعي بإفشال مساعيهم في تشويه شرفاء هذا الشّعب ورمز فطنته وتوثّبه.

علي جلّولي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى