الرئيسية / صوت الوطن / أقلام قاعدية: الجبهة الشعبية… سطور نحو العمق (الجزء 1)
أقلام قاعدية:  الجبهة الشعبية… سطور نحو العمق (الجزء 1)

أقلام قاعدية: الجبهة الشعبية… سطور نحو العمق (الجزء 1)

عزيز بن جمعة 


مقدمة
:

صدر عن الرفيق وليد سلامة عضو اللجنة المركزية بحزب الوطد الموحد نص بعنوان “الفرز بين الاستراتيجي والتكتيكي: محور الخلاف بين حزب الوطد الموحد وحزب العمال .”وقبل المرور إلى تحليله كمدخل لتحرير سطور في موضوع الخلاف المشار إليه، من واجبنا أن نسجّل الوضوح الذي طرح به وليد سلامة أفكاره، والذي ربما لو توفر لدى غيره لكانت المآلات، غير المآلات…

 

حوصلة للأفكار الواردة في النص:

الفكرة الرئيسية التي تمحور حولها النص هي أنّ الخلاف المركزي والحقيقي يتعلق “بالفرز بين التكتيكي والاستراتيجي” ولئن حصر القيادي في الوطد الموحد الخلاف بين حزبه وحزب العمال فلا بدّ من ملاحظة أنّ الخلاف يشمل بقية المكونات التي يعارض معظمها الرؤية التكتيكية لوليد سلامة ورفاقه. ينطلق صاحب النص من طرح رؤيته حول علاقة – طلائع ثورية – جماهير – حيث يقسم هذه العملية إلى ثلاث مراحل كبرى ينتهي بعدها إلى كوننا اليوم في المرحلة الثالثة وهي مرحلة “خيبة الأمل الشعبية” و”تخوّف الجماهير من الطلائع الثورية”.

ويُرجع وليد سلامة تخوّف الجماهير هذا، إلى “الدعوة للمواجهة المباشرة وغير المحسوبة مع صندوق النقد الدوليّ” و”تعبئة الشوارع لمنازلة ومواجهة النظام دون دراسة علمية لموازين القوى” و”الإطناب في مساندة الإضرابات العشوائية”… وللوصول إلى هذا الاستنتاج، اعتمد على مؤشّري الانتخابات ومدى الاستجابة إلى دعوات التحركات. ثم بعد “تلقٌف الرسائل من الشعب” والتحليل، يقدّم الكاتب رؤية حزبه المتمثلة في “العمل على تحديد المهام المرحلية التي باستطاعة شعبنا إنجازها معنا” وضرورة “تحقيق المهام بطريقة متأنية لكن تصاعدية”.

وينهي بأنّ ما يراه حزب الوطد الموحد صالحا لإنجاح المسار الثوريّ هو اعتماد “التمييز الفصيح بين ما هو مطلوب تحقيقه على المدى البعيد وما هو مطلوب تكتيكيّا – مرحليّا من مهام قابلة للتنفيذ وقادرة على تحويل الواقع نحو الأفضل تصاعديّا بما يوفّره الممكن. ”

الفرز بين التكتيكي والاستراتيجي:

إنّ الاختلاف في الفرز يكمن في منطلقات التحليل على ما يبدو. فوليد سلامة استعمل بكثافة مصطلحات مثل “التصاعد”، “التصاعدية”، “التأنّي” و”التدرّج” في النضال وفي إنجاز المهام. إنّ هذا الفهم للمسائل هو فهم ذو طابع تطوّري، يرى الأشياء من زاوية مرحلية صارمة (rigide)، أي تدرجا وانتقالا وتسلسلا (تصاعديا أو تنازليا) من مرحلة إلى أخرى حسب خط مستقيم وهو بهذا الشكل ميتافيزيقي وغير جدلي.

إنّ تحليل المسار الثوري انطلاقا من فهم تراكمي تطوّري، بالزيادة أو بالنقصان، يجعل نهج “التصاعدية في إنجاز المهام” مُبرَّرا لأصحابه. إلاّ أنه غير مُبرَّر البتّه بالنسبة إلى الثوريين… فالاتجاه التطوري يهمل القوانين الداخلية التي تحكم المرحلة والعوامل الخارجية المؤثرة فيها وطبيعة التناقضات وطبيعة أطرافها، كما يهمل تفاعلها الجدلي واتجاهات الصراع والنفي التي تحكم حركتها.

هذا في الحقل النظري والفلسفي، أمّا في الحقل السياسي، فإنّ الفهم التطوري يلغي ديالكتيك ثورة- ثورة مضادة بما يحمله من مضامين وتفاعلات جدلية بين مختلف العناصر المكونة له ويعوّضه بانتقال تنازلي من مرحلة “مد ثوري” إلى مرحلة “استعراض العضلات الثوريّة” وصولا إلى مرحلة “خيبة أمل شعبية” ومحرك هذا الانتقال هو علاقة سيكولوجية عاطفية بين المناضلين والمواطنين انتقلت من “الانبهار” إلى “الإحراج المتبادل” إلى “النفور” حسب كلمات صاحب المقال وبالتالي فإنّ القوى الثورية مطالبة بالنضال تصاعديا بما يوفره الممكن لتدارك هذا.

في الحقيقة إنّ الـ”تصاعدية” كنهج هي استبدال السياسة الثورية بنوع من العمل النقابي الإصلاحي على مستوى شعبي. وهي صرخة فزع النقابي المذعور من انفضاض منظوريه عنه ونفورهم منه. وهو لذلك مطالب بالعودة من الأسفل وترتيب الأمور تدريجيا وربح المنظورين بمهام بسيطة في ظل الممكن وتجنّب الملفات الكبرى أحيانا.

إذن سياسيا، وبما أنّ الدعوة المتواصلة لمنازلة ومواجهة النظام تخيف الجماهير وتُنفّرها، يرى أصحاب هذا الطرح أنّ على الثوري أن يلعب دور النقابي البيروقراطي الذي يفاوض النظام بـ”قوة الاقتراح” من أجل تحقيق مكاسب مضمونة ويعتمد التدرج في النضال والتصعيد حسب قدرة منظوريه على إنجازها  (أي حسب خط تصاعدي). إنّ النقابي البيروقراطي يلوم الثوري على “تعلية سقف المهام” ويطالبه بالتهدئة… هكذا أرى المسألة.

 

حول الموقف من النظام الحالي:

سياسيا، يحق لنا توصيف المواقف الواردة في نص عضو اللجنة المركزية لحزب الوطد الموحد باليمينية فهو حرفيا: “فمسائل مثل الدعوة للمواجهة المباشرة وغير المحسوبة مع صندوق النقد الدوليّ وتعبئة الشوارع لمنازلة ومواجهة النظام دون دراسة علمية لموازين القوى في المكان والوقت والإطناب في مساندة الإضرابات العشوائية والإمعان في شتم الخصوم شكّلت أسبابا جديّة لخوف الناس من الجبهة الشعبيّة والنفور منها.”

إنّ هذه الكلمات الجميلة تبدو في الظاهر عقلانية ومنطقية، إلاّ أنها تحمل في داخلها ألغاما سياسية خطيرة… ففي هذا التحليل، العامل المحدّد في المهام المباشرة والمواقف والتكتيكات هو مزاج الجماهير) أي خوفهم أو شجاعتهم، انبهارهم أو نفورهم، تفاؤلهم أو إحباطهم(..، وليس جملة المبادئ التي يتبناها الحزب أو جبهة الأحزاب ولا البرنامج العام أو البرنامج المشترك.

إنّ حكومة “الشاهد-النهضة-مشروع تونس” هي من أخطر الحكومات المتعاقبة على تونس، فهي وحسب مختلف المؤشرات الكمية والنوعية، فاشلة في كل المستويات والقطاعات ومجرمة في حق الشعب وهي عابثه بقوته وبسيادة بلاده وخيراتها وإمكاناتها وبمستقبل الأجيال القادمة وهي أكثر الحكومات تطبيعا مع الكيان الصهيوني وارتهانا للقوى الإمبريالية والمؤسسات المالية الدولية.

بالنسبة إلى “حزب الوطد الموحد”، يجب أن تكون تكتيكاتنا ومواقفنا في شكل دعوة إلى الجماهير لإزالة متتالية ومتصاعدة لقطع الحجر في قلعة النظام العملاقة، وليس في شكل دعاية وتحريض على هجوم مركّز من أجل إسقاطها وهدمها.

والمطلوب منا حسب الرفيق وليد سلامة، ولكي لا نزعج شريحة واسعة من الجماهير (رغم أنّ المزاج الجماهيري متقلّب وليس ثابتا)، هو عدم المواجهة المباشرة المستمرة مع النظام وعدم تأييد كل النضالات الشعبية والحركات الاحتجاجية ضده… ويعود المنطق النقابي الإصلاحي في السياسة لدى “الوطد الموحد” بتصنيف الاحتجاجات حسب معايير وشروط إذ يرفض التحركات العفوية و”العشوائية” كما يرفض النقابي الإضرابات غير القانونية، ويحبّذ التحركات الرسمية كما يحبّذ النقابي الإضرابات القانونية التي يشرف هو عليها، وهذه سمات البيروقراطية النقابية، التي تطبّع بها الموحد من “الركشه” في اتحاد الشغل..

ثم إذا كانت التكتيكات المباشرة للجبهة الشعبية (المشاركة في الانتخابات، مساندة التحركات السلمية، تقديم المبادرات السياسية، تقديم المبادرات التشريعية…الخ) تكتيكات قُصووية وترفع سقف المهام الممكنة حسب “الوطد الموحد” فكيف يرون السقف الأدنى؟

وإذا كانت هذه الحكومة من أخطر الحكومات على الشعب التونسي وأكثرها ارتهانا وتطبيعا واصطفافا في محاور دولية رجعية فكيف يجب أن يكون خطاب الجبهة تجاهها؟ هل يجب أن تكون الجبهة “أكثر لينا” معها بدواعي “عدم السقوط في شتم الخصوم”؟ وكيف ذلك بالضبط؟ بالنقد البنّاء والمشاركة النقدية والإصلاح إقتداءًا بالسيد عبيد البريكي مثلا؟

إنّ ما يمكن أن يُعاب على القوى الثورية، ليس في أنها ترفع “سقف المهام” أو تتمركز في موقع المواجهة المباشرة مع النظام وصندوق النقد الدولي والقوى الأجنبية المهيمنة على بلادنا، بل في أنها لم تبذل جهدا كبيرا في الوصول إلى عمق الجماهير والانغراس وسطها وفي المثابرة والصبر والنفس الطويل في شرح أفكارها ومطالبها ومواقفها. فلو كانت القوى الثورية متمكنة ومقتدرة، لو كانت مرتبطة عضويا بالجماهير لكانت شعاراتها تترجم إلى فعل ملموس وجماهيري على الأرض. وهنا مربط الفرس فالمثقف البورجوازي الصغير لا ينقد نفسه بل يسعى دائما إلى تبرير نفسه الانهزامي “بواقع الجماهير ومزاجها”.

حول التعامل مع الجماهير:

يتعامل صاحب المقال بمثالية مع الجماهير، وذلك بتحويل مزاج الجماهير كما أسلفنا الذكر، إلى عامل محدِّد في تحديد المهام المباشرة والتكتيكات المرحلية ويستعيض به عن المبادئ العامة والبرنامج، ناسيا أنّ هذا المزاج هو متقلّب ومتغير وأنه في نهاية المطاف رهين واقع موضوعي محدّد.

إنّ واجب الثوري ليس الهبوط إلى مستوى وعي الجماهير (وخاصة الشرائح المتأخرة منها) في لحظات الجزر والتراجع، بل في رفع مستواها السياسي والتنظيمي وطرح كل التكتيكات الموجهة للإطاحة بأعدائها، وتسليحها ببدائل برنامجية وتوعيتها بمصالحها التاريخية وقيادتها في كل تحركاتها ونضالاتها.

إنّ الدخول في “حكومة الوحدة الوطنية” اليمينية، الرجعية، بدعوى محاولة التغيير من “الداخل” كان تكتيكا “معقولا” و”ممكنا” في نظر شريحة واسعة من الجماهير (فئات وسطى خاصة) بعد مبادرة الباجي قايد السبسي في 2016، لا بل إنّ العديد من العناصر البورجوازية الصغيرة الإصلاحية وجّهت إلينا لوما و”نفرت” منا بسبب رفضنا الانخراط في محادثات قرطاج 2 التي مجّدها وشارك فيها بعض قادة الوطد الموحد. فهل كان دخول الحكومة تحت قيادة يوسف الشاهد آنذاك في 2016 تكتيكا صحيحا؟ بالطبع لا ويكفي أن ننظر إلى نتائج سياسات هذه الحكومة، ولكن هل تجرّأ الوطد الموحد على العودة بالنقد إلى تردده السياسي وإلى ممارسات بعض قادته؟ بالطبع لا، لأنّ الأمر يتعلق بسلوك ومنهج تفكير كما بيّنّا وليس بمجرد خطأ في التقدير.

إنّ صاحب المقال (ومعه حزب الوطد) الموحد يخطئ في جانب آخر متعلق بدراسة موازين القوى إذ أنه يستعيض عن الماركسية اللينينية الثورية بنوع من التحليل البرجوازي الليبرالي. فهو يحدّد اختلال موازين القوى “سياسيا”، بين القوى الثورية والقوى الرجعية  بشكل “انتخابي” أي بناء على نتائج الانتخابات، دون النظر إلى موازين القوى الطبقية، الواقعية، بين عموم الشعب المضطهد والمفقّر الذي يناضل كل يوم وفي كل قطاع وبين القوى الرجعية ونظام حكمها، وبالطبع فإنّ تحديد موازين القوى بهذا الشكل، أي على غرار ما فعل صاحب المقال، يجعله يخلص إلى خلاصات خاطئة.

لقد سجلت البلاد أكثر من 3000 تحرك احتجاجي في الأشهر الثلاثة الأولى من 2019 وهي تستمر منذ ذاك الحين وحتى حدود هذه اللحظة (التحركات المطالبة بالمياه الصالحة للشرب في ڤفصه والمظيلة ومختلف مناطق الحوض المنجمي، التحركات من أجل التنمية والشغل في مناطق أخرى). ولم تلتفت الجماهير المحتجه قيد أُنملة في نضالاتها إلى رغبات “الوطد الموحد” ولا إلى دعوات البرجوازية الكبيره الحاكمة بالتأني وتخفيف حدة الحراك الاحتجاجي.

تكتيكان متخالفان هنا أيضا: إمّا الالتحام بالجماهير الشعبية أكثر فأكثر والمساهمة في تأطير نضالها وقيادته وتوسيع أفقه والمراكمة للإطاحه بالمنظومة الحالية وهي وجهة نظرنا، وإما “الركشة” والبحث عن تحالفات واسعة مع “القوى الديمقراطية” بدعوى الحفاظ على “الحد الأدنى من مكاسب الثورة المهددة كالحريات…” وهي وجهة نظر “الوطد الموحد”.

 

خلاف على هامش الخلاف:

وفي الحقيقية، حتى ولو اعتمدنا منهجية صاحب المقال وزاوية نظره في التحليل، سنجد أنه يخطئ فيما يتعلق بالمؤشرات التي استند إليها لـ”تلقف الرسائل من الشعب” وتعديل الخط السياسي للجبهة الشعبية. فحتى بمعيار الانتخابات، فإنّ الجبهة الشعبية هي القوة السياسية الرابعة في البرلمان في 2014 بفارق مقعد عن حزب سليم الرياحي، وقد تحوّلت فيما بعد إلى القوة الثالثة بعد النداء وتفريخاته والنهضة، والقوة المعارضة الأولى في البلاد. زد على هذا أنها القوة السياسية الثالثة بعد النهضة والنداء في الانتخابات البلدية رغم أنها لم تتقدم إلاّ في 120 بلدية. وقياسا بالمشاكل الداخلية للجبهة من ضعف التنسيق والهيكلة والانتشار ومن تقاعس في النشاط ومن صراعات وانقسامات في القطاعات الطلابية والنقابية والشبابية وغيرها، يمكن اعتبار هذه النتائج إلى حد ما مشجّعة. وبعبارة أخرى فهل تمّ العمل على استغلال هذه النتائج الانتخابية لتطوير المسار الثوري؟ هذا السؤال لا يجيب عنه صاحب المقال وحزبه الذي لم يدّخر جهدا لتعطيل عمل الجبهة الشعبية وعرقلة كل نشاط لها.

وأمّا معيار الاستجابة إلى الدعوات للتحرك، كمؤشر للتدليل على خطأ التكتيك والشعار السياسي، فهذا عين الخطأ. لقد كان حزب العمال ومناضلوه في أحلك فترات الدكتاتورية ينادون بإسقاط بن علي ونظامه المافيوزي القمعي البوليسي كمهمة للإنجاز، وكان حجم المستجيبين ضعيفا نسبيا. فهل كانت هذه المهمة خاطئة وفوق سقف قدرات الشعب؟ طبعا لا، فـ2010 / 2011 خير إجابة على هذا.

 

خاتمة الجزء الأول:

إنّ نص الرفيق وليد سلامة، عضو اللجنة المركزية لحزب الوطد الموحد، كان على قدر كبير من الوضوح في طرح الأفكار والخلافات على الطاولة، عوض طمسها بالسب والشتم والتخوين والتشويه مثلما فعل عدد من رفاقه القياديين ظنّا أنّ ذلك هو الأسلوب الذي سيحجبون به حقيقة مواقفهم وخلافهم ليس مع حزب العمال فحسب بل مع غالبية مكونات الجبهة الشعبية. إنّ جوهر الخلاف سياسي كما ذكرنا وكما ذكر وليد سلامة وقد تناولنا في هذا الجزء الأول من النص بعض أوجه هذا الخلاف في انتظار الجزء الثاني الذي سنتناول فيه بقية الأوجه الأخرى.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى