الرئيسية / الورقية / السودان: شعب ينحت الحاضر والمستقبل

السودان: شعب ينحت الحاضر والمستقبل

يشدّ الشعب السوداني الشقيق أنظار العالم منذ شهر ديسمبر حين خرج بصدور عارية، لكن بعزم وإصرار لتحدّي الآلة العسكرية البطشيّة لنظام حسن البشير، خرج محتجّا على أوضاعه المعاشيّة التي وصلت حدّ عدم تمكّن الناس بمن فيهم التلاميذ اليافعين في العاصمة الخرطوم، من رغيف الخبز الأسمر، إصرار تجلّى من خلال التدرّج في الانتقال من مطلب الرّغيف إلى مطلب الحرية إلى مطلب إسقاط نظام القهر كشرط لتحقّق الحقوق. وقد انعكس هذا التدرّج في مسار ثوري شعبي واسع وغير مسبوق انتهى إلى إسقاط رأس النظام، نظام الطاغيّة البشير الذي ظلّ متربّعا على الحكم منذ 1989 حين وصله على ظهر دبابة مسنودا من عتاة الرجعية العربية ومن “الجماعة الإسلامية” بزعامة حسن الترابي، لقد استمر نظام الحسنين ثلاثة عقود عرف فيها شعب السودان أبشع منظومة للفساد والاستبداد، منظومة قسّمت البلاد إلى شمال وجنوب، وقسّمت الشعب إلى اثنيّات وعرقيّات متحاربة ومتقاتلة، حروب أهليّة على طول البلاد وعرضها، ومجاعات متتالية وتصاعد لكل مظاهر البؤس والتعاسة والفاقة في بلد يُعدّ الأثرى من جهة مقدراته خاصة الزراعيّة، وهو القادر على إطعام كل العرب وكل إفريقيا، لهذا كان قرار الشعب مشروعا وحاز تعاطف كل الأحرار في الوطن العربي وإفريقيا والعالم. وأيضا لهذه الأسباب كان الهجوم الرّجعي (المحلّي المسنود إقليميا) قويا وعنيفا وعرف ذروته يوم 3جوان الجاري بالهجوم الغادر من قبل قوات/عصابات “الجنجويد” والعسكر على معتصمي ميدان قيادة الأركان والذي خلّف أكثر من مائتي شهيد ومآت الجرحى. وان كان هدف الثورة المضادّة هو وئد الثورة، فان العكس هو الذي حدث، وها هو الإضراب العام السياسي والعصيان المدني يستقطب الملايين على طول السودان وعرضها وفي كل أقاليمها.

ثورة من طراز سوداني.

رغم أوجه التّشابه بين ثورتي تونس والسودان من جهة الطّابع المدني والديمقراطي، ومن جهة القدرة على التحوّل من المطالب الاجتماعية الجزئية إلى المطالب السياسيّة الكليّة، فان ثورة شعب السودان العظيم حاولت وتحاول تلافي كل الأخطاء والنقائص التي طبعت المسارات الثورية التي انطلقت نهاية 2010 في بلدان عربية كثيرة وانتهى أغلبها نهايات مأساوية (سوريا، اليمن، ليبيا، مصر…) رغم مشروعية مطالبها وسلامة انطلاقاتها. وأهمّ شرط انتبه إليه السودانيون هو شرط التّنظيم، فمجمل الحراك هو حراك منظّم له قيادة سياسية وتنظيمية وميدانية، والقيادة السياسية ممثلة في “قوى الحرية والتغيير” هي إطار سياسي/تنظيمي يجمع أهمّ القوى الحزبيّة والمدنيّة والاجتماعية التي ناضلت مع بعضها منذ سنوات ضدّ نظام البشير، والتي التقت على برنامج سياسي هو برنامج الحرية والتّغيير (ومن هنا جاءت التسمية).

هذا الإطار الجبهوي الائتلافي متّفق على برنامج عام لا يشمل فقط تشخيص الأوضاع وتحديد المطالب والشعارات، بل ضبط أيضا حتى برنامج وآليّات الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية وحدّد ملامح الفترة الانتقالية ومدّتها والمهمّات التي يجب تحقيقها، وطبعا حدّد القوى المعنية بقيادة التّغيير الديمقراطي وهي مجمل القوى المناضلة التي تعبّر عن كلّ أطياف الشعوب السودانية، أي مراعاة مظاهر التعدّد في المجتمع السوداني الذي عمل النظام البائد على محاولة تفكيكه رغم إصرار الناس على الوحدة والتعايش والسلام. كما أن قوى الحرية والسلام تحتكم في تسيير شؤونها وفي صياغة سلوكها السياسي إلى التدبير الديمقراطي والجماعي. ان وضوح الرؤية السياسية جعل مجمل الحراك منظّما وقادرا على تفكيك كل المناورات، وخاصة مناورات العسكر الذي يعبّر سياسيا وطبقيا على مصالح الدولة العميقة التي تريد الالتفاف على الثورة وتفويت الفرصة على السودان كي لا يدخل نادي البلدان الديمقراطية. وقد أثبتت “قوى الحرية والتغيير” (رغم التّنوع والاختلاف الذي يشقّها)، بمعيّة “تجمّع المهنيين” الذي يشكّل الذّراع الاجتماعي/النقابي للثورة، أثبتت قدرة سياسيّة وعمليّة جيدة تتجلّى من خلال المحافظة على التعبئة المتصاعدة، خاصة في اللّحظات الصّعبة التي أراد فيها المجلس العسكري الالتجاء للقمع أو تفكيك الاعتصام المركزي أمام مقرّ قيادة الأركان.

لقد نجح الحراك في التّماسك كما نجح في لجم الانفلاتات التي كان يمكن أن تعطي ل”الحكّام الجدد” تعلّة لقمع الحركة ونسفها والانحراف بمسارها ومطالبها، لقد نجحت التعبئة واستمرّت رغم طول المدّة ورغم عوامل المناخ ورغم شهر الصيام…، علما وان الاعتصامات والتّظاهرات والإضراب السياسي والعصيان العام بالعاصمة والولايات والأقاليم تشكّل اليوم  تكريسا فعليا لوضعية ازدواجية السلطة (العسكر والدولة العميقة والطبقات الطفيلية من ورائه، والشعب في الجهة المقابلة) وهو وضع يجب على الثوار تطويره مثلا بإعلان الحكومة الثورية الشعبية مقابل حكم الدولة العميقة، وهي خطوة آن أوانها. علما وأن مجمل الفعاليات الشعبية هي مناسبات للنقاش والحوار والتنشيط الفني والثقافي، وأيضا لبلورة الخطط، فمثلا حين دعت “قوى الحرية والتغيير” إلى الإضراب السياسي العام والعصيان المدني، كان ذلك حصيلة لنقاش واسع انتظم في الميادين والساحات، وقد دعت القيادة السياسية الجماهير المعتصمة إلى إبداء رأيها، فكان القرار بإضراب عام ليومي 28و29 ماي، وذلك ك”بروفة” للأشكال النضالية اللاّحقة، وفي ذلك أكثر من مغزى، فإضافة إلى ارتباط القيادة بجماهيرها، هناك أيضا بعد تربوي/تكويني، فالجماهير يجب أن تتعلّم تدريجيا وتصاعديا وتطوّر وعيها من خلال تجربتها الملموسة دون إسقاط “من فوق” رغم المشروعيّة الواسعة التي تحوزها القيادة.

ثورة تفكك الألغام وتجهض المؤامرات.

لقد نجحت الثورة السودانية في فرض عديد التحوّلات وخاصة ما يهمّ مسألة انتقال السلطة التي تعتبر اليوم القضية الأساسية بالنسبة للجماهير، وهذا في حدّ ذاته نقلة نوعيّة مهمّة في ممارسة الثورة، إن الوعي الحاصل اليوم في الشارع السوداني هو ضرورة انتقال السلطة من العسكر إلى المدنيين ممثلين في” قوى الحرية والتغيير”. لقد حاول قادة المجلس العسكري إقناع الناس لكنهم فشلوا، فالمؤسسة العسكرية عند المواطن السوداني هي سبب كل مآسي السودان منذ استقلاله سنة 1956، فالجيش هو رمز الانقلابات والاستبداد والفساد، فكل طغاة السودان هم من العسكريين. لقد نجحت الثورة في إزاحة جزء من الرّموز الأكثر فسادا من المجلس مثل وزير الدفاع السابق، علما وأن قبول قوى الثورة بتمثيل للعسكر يمثّل تنازلا ذكيّا نظرا لموازين القوى وخاصة لوطأة الوضع الإقليمي وضغط الجارة الشمالية مصر التي ترتعد فرائص عسكرها الحاكم خوفا من مصير مشابه. ويعتبر اعتماد قوى الثورة على ورقة قرار الاتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة بضرورة تحويل الحكم إلى المدنيين في أجل قريب، تعاطيا ناجعا مع مسألة مصير الحكم لأنّه بصدد إرباك المجلس العسكري، علما وان أخطر تهديد للثورة هو التدخّل الخارجي والإقليمي (الخليجي/المصري/الصهيوني).

لقد حاول المجلس العسكري لعب أخطر ورقة في الصّراع السياسي في السودان وهي ورقة “الشريعة” التي دمّر بها البشير السودان، لقد كان هدف العسكر من بيان “تمسّكه بالشريعة مصدرا للتشريع” هو تأليب الشعب على قيادته الثورية والعودة إلى مربع أن “من يخرج عن الحاكم هو مرتدّ وكافر وجب تطبيق حدود الشريعة عليه”، وأنّ الثّوار “يريدون التخلّي عن الشريعة”، لكن هذه الحيلة لم تنطلي ولم تسقط قيادة الثورة في نقاش إيديولوجي/عقائدي عقيم كان يمكن أن يربك فعل الجماهير ويدخلها في متاهات لن تفيد إلا القوى المتربّصة، وبهذا النجاح  فقد فكّكت لغما خطيرا وفخّا خبيثا، علما وأن هذه هي نفس الورقة التي حاولت “الجماعة الإسلامية” المطاح بها لعبها حين خرجت مرّتين إلى الشارع رافعة شعارات” الشريعة هي الحلّ”، لكنها رُدّت على أعقابها خائبة ومهزومة. وها هو المجلس العسكري يلعب اليوم ورقة “الأحزاب والمنظمات والطرق” الموازية التي كانت خادمة للدكتاتورية ورافضة للثورة، والتي يُدفع بها اليوم لتشكيل “حكومة انتقالية” من أجل سحب البساط من تحت أقدام قوى الثورة التي قبلت بالمبادرة الاثيوبية (على عيوبها) وأوقفت العصيان المدني والإضراب السياسي العام لإعطاء فرصة للتحوّل السلمي للحكم.

ثورة في قيادتها النساء والشيوعيون.

لقد نظر الأحرار في كل أصقاع العالم بإعجاب وتقدير للدور المتميّز والنّشيط والمبدع للمرأة السودانية التي كانت جنبا إلى جنب وكتفا إلى كتف ويدا بيد إلى جانب رفيقها الرجل. لقد حازت الصور القادمة من الخرطوم اعتزاز كل التّقدميين، صور المرأة التي تقود وتأطّر وتناقش وتتظاهر وتعتقل وتستشهد، مرأة مبدعة وفاعلة في مجتمع تقليدي تخرج أغلب مظاهراته من المساجد، كما أعجب العالم بصور الرجال يثردون الطعام في ميدان قيادة الأركان. انه سودان جديد يولد من أحشاء الثورة، سودان متنوّر وتقدّمي ومتساوي على أنقاض “سودان الشريعة” سودان تعدّد الزوجات وقطع الأطراف والجلد…سودان الحسنين (حسن البشير وحسن الترابي). كما برز في الثورة منذ لحظاتها البكر وطيلة مسارها وإلى حدود اللّحظة الدّور النشيط والقيادي للحزب الشيوعي الذي لم يتأخّر مناضلاته ومناضلوه لحظة عن القيام بواجبهم منصهرين وملتحمين بشعبهم، ولا غرابة في الأمر فهذا الحزب يعكس في تفاصيل راياته مجمل تاريخ السودان المعاصر بتضحياته وقوافل شهدائه وآلاف معتقليه ومهجريه. فما أروعهم هؤلاء السودانيين، إنهم يناطحون السماء وينحتون في الصّخر ملامح الفجر الجديد لإفريقيا وللوطن العربي والعالم.

علي جلولي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى