الرئيسية / منظمات / أخبار / مواجهة وباء “الكورونا” بجدّيّة ونجاعة أمر ممكن  
مواجهة وباء “الكورونا” بجدّيّة ونجاعة أمر ممكن   

مواجهة وباء “الكورونا” بجدّيّة ونجاعة أمر ممكن  

 

أعلن رئيس الحكومة ليلة السبت حزمة من الإجراءات بعنوان مواجهة وباء “كورونا” الآخذ في الانتشار في بلادنا. وقد شملت هذه الإجراءات المجالات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. ويهمّ حزب العمال أن يتوجّه إلى الشعب التونسي للإدلاء برأيه بخصوص الإجراءات المتّخذة وتقديم ما يراه مناسبا للتصدي لهذا الوباء.

إنّ حزب العمال يعتبر، مثلما شدّد على ذلك أكثر من مرّة خلال الأيام الأخيرة، أنّ بلادنا تواجه خطرا جسيما، مثلها مثل العديد من بلدان العالم، يهدّد حياة الملايين من البشر خاصة إذا لم تُتّخذ الإجراءات الكفيلة بمواجهته في الوقت وبالأسلوب المناسبين. وقد بيّنت مختلف تجارب البلدان التي حلّ بها “الكورونا”، أنّ “أنصاف الحلول” لا تجدي نفعا مع هذا الوباء وأنّ التكلفة البشرية وحتى الاقتصادية لكل تأخير أو تردد في اتخاذ الإجراءات الصارمة والجذرية تكون باهظة. ومن هذا المنطلق فإنّ حزب العمال يعتبر أنّ حزمة الإجراءات التي أعلنها رئيس الحكومة، علاوة على أنها جاءت متأخرة، فهي تبقى محدودة وجزئية وغير كافية ولا تخدم غالبية الشعب.

ففي المستوى الصحي فإنّ إجراء الحجر العام وما صاحبه من استثناءات ومن غموض في التطبيق وغياب للصرامة لا يمكّن من محاصرة الوباء. كما أنّ الإجراءات الصحية غير واضحة. فرئيس الحكومة لم يوضح كيف ستتم الاختبارات وهل سيقع توسيعها وتشجيع المبادرة المحلية لتوفير مستلزماتها؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه لا حديث عن القطاع الصحي الخاص وعن ضرورة خضوعه للدولة لتحقيق مواجهة مركزية للوباء في مثل هذا الظرف ولا حديث عن توفير المستلزمات الصحية لكافة المواطنين والمواطنات إنتاجا وتوزيعا مجانا حتى لا نترك الوقاية رهينة إمكانات كل عائلة أو فرد. وفوق ذلك كله فإنّ رئيس الحكومة لم يتوجه بكلامه إلى العاملين في القطاع الصحي ولم يخصّص لهم أيّ إجراء بما يسهّل قيامهم بعملهم ويحميهم ويحقق لهم الإحاطة النفسية عند الاقتضاء.  

إنّ حزب العمال يجدد تأكيده على أنّ العزل التام وتقنين تنفيذه بصرامة وتوسيع دائرة الاختبارات وإنشاء مراكز صحية ميدانية هو الإجراء الوحيد الناجع لكبح انتشار وباء “الكورونا” في بلد مثل بلدنا ضعيف الإمكانات وقطاعه الصحي منهك جرّاء تدمير ممنهج على مدى عقود.

إنّ مواجهة وباء “الكورونا” يتطلب من الدولة توفير الاعتمادات الضرورية أولا لتوفير المستلزمات الصحية وثانيا لتوفير الغذاء للشعب. فهاتان المسألتان، الوقاية والعلاج من جهة والغذاء من جهة ثانية، هما الأولوية القصوى في هذا الظرف. ومن هذا المنطلق فإنّ ما أعلنه رئيس الحكومة من اعتمادات لا تتجاوز الـ2150 مليون دينار هو غير كاف من جهة أولى وموزع توزيعا غير عادل من جهة ثانية (450 مليون دينار منها 300 مليون دينار للمحالين على البطالة الفنية و150 مليون دينار للفئات الهشة وغالبا ما تبقى لأصحاب المؤسسات) ولا نصيب فيها، على ما يبدو، للعاملين في القطاع غير المهيكل ولمئات الآلاف من الفقراء غير المسجلين في قائمات وزارة الشؤون الاجتماعية من جهة ثالثة. أمّا بقية الإجراءات فقد سيطرت عليها نفس العقلية: القليل للعمال والأجراء والكثير لغيرهم.

ففي الوقت الذي حُصر فيه التمتع بتأجيل دفع أقساط القروض البنكية لمدة ستة أشهر على من دخلهم أقل من 1000 دينار (وكأن باقي الفئات الوسطى (موظفون، أساتذة، معلمون…) تكفيهم رواتبهم لمواجهة مستلزمات هذه المحنة) فإنّ الإجراءات الخاصة بأصحاب المؤسسات كانت عامّة ولا نستثني فئة معينة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ بعض الإجراءات تثير الرّيبة والشك في نيّة استغلال الأزمة لتمرير إجراءات لفائدة اللصوص والمتحيّلين والمتهرّبين من دفع الضرائب وبعض المتنفّذين. وإلاّ ما علاقة ما ورد في بعض النقاط من إجراءات (“تمكين الشركات من إعادة تقييم العقارات المبنية وغير المبنية والمضمّنة بموازناتها حسب قيمتها الحقيقية أو “إقرار عفو جبائي وديواني لفائدة المطالبين بالأداءات المتخلدة” أو “تعليق وقتي للتتبّعات في الجرائم المالية”) بمواجهة وباء “الكورونا”؟

يضاف إلى كل ذلك غياب الإجراءات الملموسة الواضحة والرادعة للمحتكرين والمستثمرين في الموت والاكتفاء بتهديدهم كغياب توضيح كيفية إدارة مسالك توزيع الأغذية والمستلزمات الصحية.

إنّ بلادنا في حاجة إلى إجراءات جدية وحازمة وقادرة على مواجهة المحنة. وهذه الإجراءات موجودة وممكنة وقابلة للتطبيق لكنها تتطلّب الإرادة السياسيّة والروح الوطنية والانحياز التام لمصالح الشعب التونسي وتقديمها على أيّ اعتبارات مصلحية أخرى. وإذا كان رئيس الحكومة لم يقدّم الإجراءات اللازمة فلأنه يفكّر بمصالح الأقلية الثرية واللوبيات والعائلات المتنفذة وبمصالح الرأسمال الأجنبي، دولا وشركات احتكارية، ولا يريد المساس بها رغم خطورة الظرف وما يتطلّبه من إجراءات استثنائية وجدّية.

إنّ حزب العمال يعتبر أنّ إجراءات الخلاص العاجلة موجودة. وهي إجراءات من شأنها تمكين وطننا وشعبنا من مواجهة الوباء ثم مواجهة المرحلة اللاحقة التي تتطلب استخلاص الدروس والقطع نهائيا مع منوال تنمية رأسمالي ليبرالي متوحش قائم على تدمير كلّ ما هو خدمات عامة ومن بينها الصحة وتحويلها إلى بضاعة ومصدر للربح. وهو ما جعل بلادنا اليوم في موضع حرج في مواجهة وباء فتّاك لا تتمتع بمستلزمات محاصرته والحد من آثاره الخطيرة على حياة التونسيّين والتونسيّات. وفي هذا السياق فإنّ حزب العمال يقترح حزمة الإجراءات التالية للتصدي لوباء الكورونا:

أوّلا: تعليق تسديد المديونية، وهو ما سيوفّر للبلاد حوالي 11200 مليون دينار. وهذا القرار هو قرار سيادي، اضطراري يحقّ لتونس اتخاذه لإنقاذ شعبها. وإذا كانت الحكومة اللبنانية أقدمت على مثل هذا القرار قبل انتشار وباء “الكورونا” ولأسباب أخرى فمن باب أولى وأحرى أن تتخذه تونس في هذا الظرف الاستثنائي بالذات ليس لتوفير العيش بل لإنقاذ حياة التونسيات والتونسيين.

ثانيا: مطالبة الشركات الأجنبية المنتصبة (بنوك، شركات الاتصالات، مصانع الإسمنت، شركات التأمين الخ…)  في تونس بتعليق تحويل مرابيحها لسنة 2019 إلى الخارج وإبقائها في تونس، وهو ما سيوفّر للبلاد حوالي 3500 مليون دينار. إنّ هذا المبلغ مضاف إلى المبلغ الأوّل يمكن أن يوفّر للبلاد حوالي 15000 مليون دينار ممّا يسمح بمواجهة الأزمة وعدم اللجوء إلى التداين هذه السنة وفق ما هو مبرمج في الميزانية.

ثالثا: ترشيد التوريد بشكل صارم وحصره أساسا في المرحلة الحالية في الحاجات الضرورية كالغذاء والمستلزمات الصحية ومستلزمات تشغيل المؤسسات والطاقة. وهو ما سيوفّر للبلاد مبالغ مهمّة من العملة الصعبة ويخفّف من عجز الميزان التجاري الذي بلغ في الشهرين الأولين من هذا العام حوالي 4500 مليون دينار وهو في نفس مستوى نفس الفترة من العام الماضي.

رابعا: اتّخاذ إجراءات عاجلة لإنعاش الموسم الفلاحي وإنقاذه ممّا يقتضي توفير مستلزمات الإنتاج للفلاّحين وتعليق سداد ديونهم وإلغاء مديونية الصغار منهم. بما يوفّر للشعب الضروريات الدنيا من الغذاء.

خامسا: اتّخاذ إجراءات لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة وصغار المهنيّين والصناعات التقليدية وإنقاذها من الإفلاس.

سادسا: تركيز الإنتاج على المواد الضرورية الغذائية والصحية التي تتطلّبها المرحلة بما يعني تعبئة العديد من المؤسسات لخدمة هذا الهدف (إنتاج الكمامات والسوائل المعقّمة…)

سابعا: مركزة الدولة في الوقت الحاضر لتجارة الجملة ومراقبة مسالك التوزيع واتّخاذ قرارات صارمة ضدّ المحتكرين وضدّ الذين يعتبرون هذه المحنة فرصة للاستثراء على حساب الشعب والمجتمع. إنّ حالة الحرب على الوباء تقضي أن تضع السلطة يدها على المواد الصحية والغذائية وتتولّى تأمين التصرّف فيها وتوزيعها بعقلانية.

ثامنا: مراجعة توزيع القروض البنكية، التي يذهب معظمها اليوم (53%) لعدد قليل من العائلات المتنفذة، وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة وردّ الاعتبار للقطاع العمومي عبر منحه القدرات المالية التي تمكّنه من التطور واستعادة نشاطه.

تاسعا: فرض ضريبة استثنائية على الشركات الكبرى التي تحقّق أرباحا كبيرة (البنوك وشركات التأمين، الفضاءات التجارية الكبرى، الشركات البترولية، شركات الاتصال الخ…) مساهمة في مقاومة الوباء.

عاشرا: تعميم إجراء تأجيل تسديد القروض خلال الثلاثة أشهر القادمة على كافة عمّال وأجراء القطاعين العام والخاص، وإدماج عمّال القطاع الموازي وكافة ذوي الحاجة ضمن المنتفعين بمساعدات الدولة مع مراجعتها والترفيع فيها بما يضمن الحد من متطلبات العيش الكريم.

إنّ مثل هذه الإجراءات هي وحدها الكفيلة أوّلا بتمكين تونس من مواجهة الوباء والحدّ من انتشاره ومن تكلفته البشرية وثانيا من وضع بلادنا على سكة مراجعة منوال تنميتها والسير بعد التغلب على وباء “الكورونا” في اتجاه وضع أسس اقتصاد وطني منتج يوفّر للشعب أهم مستلزمات الحياة من غذاء وصحة وتعليم وملبس وسكن لائق ونقل راق كما يوفر لبلادنا الإمكانات لتطوير قطاع البحث العلمي بما يسمح باستعادة الكفاءات التونسية التي هاجرت لتساهم في بناء تونس الجديدة.

إنّ المسؤوليّة هي مسؤوليّة الشعب وقواه الحيّة في فرض هذه التوجّهات القادرة على إنقاذ بلادنا. وإنّ المطروح اليوم هو الخيار بين طريقين: طريق من يريد استثمار الوباء لمراكمة الأرباح على حساب الشعب وطريق من يريد إنقاذ التونسيين من الموت وإعادة بناء تونس على أسس جديدة محورها الإنسان أغلى رأس مال.

حزب العمّال

23 مارس 2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى