قوادة

قوادة

نصر بوسعادي

ضربت الأرض بساقيها وقد أتمّت انتعال حذاءها الرياضي الأبيض الرّخيص .. هكذا هي دائما تحبّ الزي الرياضي الخفيف لكل الفصول بنطال من الحينز الأسود وصدار أحمر خفيف، ولئن زادت عليهما شتاء فمعطفا أسود يكسر ظلامه بريق نجمة ذهبية لامعة عند صدرها من جهة اليسار.

حملت حقيبتها الثقيلة وألقت نظرة على الطريق من خلال الشّرفة وغادرت إلى الشارع الكبير تجدُّ في المشي دون أن تفكّر في انتظار حافلة ففي الحافلات مفاجآت قد تعطل أمرها كما أنها لا تحبّ سيارات الأجرة لأسباب حين ترويها لك تستظرف رأيها وتحجم عن مناقشتها: سوّاقها وُشاة وأثمانها خسارة وألوانها صفراء بلا ذوق…

شارفت حديقة الحبيب ثامر والناس جلوس حولها، مرّت بخطى ثابتة حتى نهج روما حيث الحركة أكثر هدوء ليتناهى إلى مسمعها وقع خطى تأتي منتظمة رتيبة من ورائها.. شقت الطريق إلى الجهة المقابلة وتخلّصت من ذاك الصوت الذي يأتيها من حذاء ثقيل يئن تحت وطئ جسم ثقيل.. انعطفت إلى الشارع الكبير، وعند الكنيسة عادت ذات الخطى وراءها وهي لا تلتفت لكن جوارحها كلّها تتابع ما يحصل وراءها.. حاولت أن تسترق النظر من خلال واجهة قاعة الأخبار الزجاجية لكن الواجهة تضجّ بصور الرئيس والحاشية..: تبّا لهم ينتزعون منّا كلّ شيء.. حتى فرصة لنظرة إلى ذواتنا تصلح أمرنا!

انزاحت يسرة لتواصل على الجادّة الواسعة التي تقسم الشارع شارعين كبيريْن ومازالت تلك الخطى لا تكفّ عن ملاحقتها.. تأكّدت الآن أنّ أحدا ما يتبعها وأنه يريد إفساد أمرها وليس لها إلّا أن تتصرّف.

عادت مرّة أخرى إلى الجهة اليمنى ودلفت المقهى واتّجهت نحو بيت الراحة المخصّصة للنساء ومازالت تطرق أذنيها تلك الخطى وحين كف صوتها أخرجت من حقيبتها إصبع أحمر شفاه رخيص أدارته كيفما اتفق حول شفتيها ونظرت إلى المرآة، جرّبت أن تبتسم كالغانيات وأن تلوك علكتها كالعاهرات ثم غادرت إلى القاعة لتنادي النادل وتطلب بيرّة وهي تتمايل وتطلق الضّحكات هنا وهناك.. جاءها النادل بما طلبت فأشارت إليه بإصبعين في حركة مقصيّة فناولها سيجارة وأشعلها لها ..سعلت فجرى إليها بالماء وهو يدعو لها باللطف والسّلامة وقد أغرتْه حركاتها ليتحرّش بها ويلاطفها ويسترق بين الحين والآخر لمسة من يديها أو يمرّر يده الخشنة على شعرها الليلي المتسربل حريرا على كتفيها وهي تطلق ضحكات مصطنعة موغلة في الابتذال فتبلغ آخر القاعة يلتفت إليها السّكارى مبتسمين أو مستنكرين ليعودوا إلى كؤوسهم وحكاياتهم وصاحب الحذاء يرقب كلّ شيء وقد تسمّر عند باب الحانة.. والنادل نزع زيّ العمل وأخذ حذوها مكانا لينادمها.. تحادثا ضحكا عربدا لكن فات صاحبنا أن يسألها لما لم تشرب بيرّتها ولما تنطفئ سيجارتها كلّ مرّة وقد أعاد إشعالها مرّات؟ وفي الأثناء دخل أحدهم فصعق بما رأى وهاله أن تتجاهله كأنها لا ترى فغادر وصاحب الخطى تقدّم من الطاولة وأمر معاونين بوضع الأغلال بيديها وهي مبتسمة للنادل الذي يقف مشدوها يلعن حظّه ولم يفتها وقتذاك أن تغافل سجّانها لتشير إلى النادل حتى يحفظ حقيبتها تحت الطاولة…

انطلقت بها السيارة حيث لا تدري وانطلقت حمم الاسئلة وقصفت رعود الامتهان فهنا لا يبقى الإنسان إنسانا فتحوّل صخرة صمّاء بلا لسان صلدة بطاقة قصوى للاحتمال فكان لها من جلّاديها ما كان وانتصبت المحكمة بعد إيقاف دام ما دام من الزمن… بحثت في القاعة عمّن تعرف أو عمّن يعرفها فلم تجد غير النادل يحمل حقيبتها تحت إبطه فارغة.. كان النادل يشير إليها برأسه مطمئنا ثم يرفع إليها بيديه بشارة النصر.. لم يجد قاضيهم تهمة يلفّقها رغم تعليماتهم سوى الّسكر الواضح والتّجاهر بما ينافي الأخلاق وحكم بالسجن مدّة الإيقاف، فغادرت الحبس إلى حبس أضيق.

رافقها النادل إلى أقرب مقهى وهو يحمد الله لسلامتها ويمدح المحامي الذي انتدبه للدفاع عنها فهو صديقه وحريف وفيّ للحانة كان يتحدّث ويتحدث وهي تبحث بين الرّائحين والغادين عن رفيق يحتفل معها فيرفع شارة النصر ويغني لحريتها .. لكن لا أحد غير النادل يروي ويروي وهي لا تسمع ..حتى انتبهت في لحظة عودة إلى الـ”هُنا والآن” وسألته: كيف تفعل كل هذا مع من لا تعرفها ولا صلة لك بها؟ ابتسم وعبّ من سيجارته نفسا وقال: إنك استأمنتني حقيبة قرأت ما فيها فقاسمتك الحلم وأتممت المهمّة فوزّعت المنشور بين الناس وانتظرتك لأنخرط في ثورتك وأشكرك لأنّكِ أعطيتِ لحياتي معنى .. واسمحي لي أن أدعوك رفيقتي .. بكت واحتضنته طويلا واستأذنته لتعود إلى بيتها كي تنال نصيبا من الراحة فرافقها حتى اطمأنّ لوصولها.. دخلت باب العمارة فانتبهت إلى متاعها مبعثرا تحت الدّرج فأسرعت إلى الشقة فلم يلج المفتاح موقعه فحاولت وحاولت حتى أطلّ عليها المالك قائلا: لقد غيّرت المزلاج فليس لبنات الليل مكان بيننا. تحاملت حنقها وسارت في الطريق بلا هدف تبحث لها عن نقطة انطلاق لتفكّر.. فلم تهتد إلّا إلى رقم تطلبه من هاتف عمومي بما قدّمه لها النادل من مال. اتّفقت مع مخاطبها ليلتقيا فجاءها ليقابلها وقد غابت عنه ابتسامة العادة وحرارة العادة ودعابة العادة.. لقد قابلها صارما كالزّمن ومدّها بعد السلام بمظروف فضّت غلافه سريعا وانطلقت تقرأ: بناء على التّقرير الذي بلغنا من الرفيق ن حول استهتار الرفيقة ب التي أخلفت موعدها المتّفق عليه لإيصال مناشير الحزب وتوزيعها دون موجب قاهر ليضبطها في حالة سكر وعربدة بإحدى الخمّارات تقرّر طردها واعتبارها قوادة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى