الرئيسية / صوت المرأة / وفاءً لسلوى العياشي: إلى السّيّدة الأبيّة A SALOUA l’INSOUMISE
وفاءً لسلوى العياشي:  إلى السّيّدة الأبيّة A SALOUA l’INSOUMISE

وفاءً لسلوى العياشي: إلى السّيّدة الأبيّة A SALOUA l’INSOUMISE

حمّه الهمَّامي

غادرتنا، في صمت، هذه الأيّام، المناضلة اليسارية، والمربّية، السيدة سلوى العياشي. لم أرها منذ سنوات عديدة. ولكنّ المرّات القليلة التي رأيتها فيها خلال الأربعين سنة المنقضية، خاصة في فترة ثمانينات القرن الماضي بعد خروجي من السجن، ظلّت راسخة في ذاكرتي. كانت كلّما التقينا إلاّ وذكّرتني بذلك اليوم “المشؤوم” (من باب المزاح) من أيام سبتمبر/أيلول 1974 الذي تقابلنا فيه في جهة باردو، ليس بعيدا عن مقرّ مجلس النوّاب، لتكون خاتمة لقائنا في محلات بوليس أمن الدولة بوزارة الداخلية… كُنّا في كلّ مرّة نضحك من تلك الأجوبة التي أجبنا بها البوليس حول كيّفية التقائنا “صدفة” دون أن تكون لنا “معرفة سابقة ببعضنا”. وهي نوع من الأجوبة التي تعلّمناها في منظمة “برسبكتيف – العامل التونسي” لنردّ بها على أسئلة البوليس السياسي رافضين إفادته بأية معلومة، مهما كانت قسوة التعذيب الذي نتعرّض له، من شأنها الإضرار بالتنظيم أو برفيقاتنا ورفاقنا. وكان أحمد بن عثمان الردّاوي (ABO) أحد الذين يلهموننا الصمود والمقاومة وهو صاحب النص الشهير: “من تكلّم خان”، المكتوب بعامّيّة تونسية بسيطة والذي جعل منه جيل كامل من المناضلات والمناضلين عقيدة (un crédo) في مواجهة البوليس السياسي.

سلوى العيّاشي، امرأة مُثقّفة، ملتزمة، وقورة، كتومة، رصينة، هادئة، صبورة، متواضعة، أبيّة،… في كَلِمة كل ما يلزم لتكون، عدا نشاطها السياسي العادي، بعد مغادرة الجامعة وصفوف الاتحاد العام لطلبة تونس، “عنصر ربط” (agent de liaison) في تنظيم سرّي مثل “برسبكتيف – العامل التونسي” وقتها. التقيتها عدّة مرّات في صائفة 1973، حين أصبحت بدوري أقوم، إلى جانب نشاطي التنظيمي العادي، بمهمة “الربط”، لأعطيها كلّ مرة “ورقة سكوتشي” (مراسلة في ورق شفّاف جدّا ملفوفة بالسكوتش) (papier scotché) ولتعطيني بدورها نفس الشيء ونتفارق بسرعة. كانت في مواعيدها “كالمنقالة”. وكانت مواعيدنا لا تدوم أكثر من ثوان. لا يتجاوز حديثنا أكثر من تبادل السلام وتبادل المراسلات السرية التي كنا لا نعلم شيئا عن محتوياتها ولا عن أصحابها. لم نكن، سلوى وأنا، نعرف هويّة بعضنا البعض. كان المطلوب منا في ذلك الوقت الذي كان فيه البوليس السياسي “يتلصّص” على الجميع لينقضّ على أيّ “مشبوه” بمعارضة نظام بورقيبة، أن نملك أقلّ ما يمكن من المعطيات التنظيميّة حتى لا تكون وزرا ثقيلا عند الإيقاف والتعذيب. كانت الثقة هي العملة الذهبية في ذلك الزمن. وكان عليّ في كلّ مرّة أن أراقب المكان قبل مجيئ سلوى وأتثبّت بعد انصرافها أنّها ليست مراقبة لأطمئنّ أنها غادرت بسلام. كنت أعرف خطورة المهمّة التي تقوم بها ودقّتها. وأدرك المخاطر التي تتهدّدها في صورة إلقاء القبض عليها.

ولكن ما لم أكن أعرفه وقتها أنها كانت على صلة تنظيمية بأحمد بن عثمان الرداوي (ABO) الذي يعيش في السرية منذ أن أطلق سراحه بعد حركة فيفري 1972. كان بن عثمان قبل إطلاق سراحه مقيما بمستشفى شارل نيكول للعلاج تحت مراقبة البوليس السياسي. ولكنّ هذا الأخير ظلّ يراقبه حتى بعد أن أذن حاكم التحقيق بإطلاق سراحه. كان البوليس ينوي وضعه في الإقامة الجبرية. لكنّ أحمد تسلّل من إحدى النوافذ، في غفلة من حرّاسه، وغادر المستشفى ليدخل مباشرة في السرّية متحوّلا إلى العدو رقم 1 للبوليس السياسي التونسي. وكان من الضروري إيجاد “عناصر” تتوفر فيهم عدة شروط (الانضباط والتكتّم وعدم الظهور في الأماكن والمناسبات التي تجلب انتباه البوليس السياسي والقدرة على التفطّن إلى المراقبة والملاحقة والتخلص بسرعة من المراسلات والوثائق والاستعداد للمقاومة والصمود في حالة الوقوع في مصيدة البوليس الخ…) لتأمين الربط بين من يعيش في السرية وبين قيادة التنظيم. وقد كانت سلوى العياشي واحدة من عناصر الربط التي كانت تؤمّن الاتصال بأحمد بن عثمان. وما كانت سلوى لتقوم بهذه المهمة لولا الخصال التي كانت تتميّز بها. إن المهمة لم تكن تقنية بحتة بل كانت تتطلب قناعة فكرية وسياسية وقوة شخصية أيضا.

في حملة الإيقافات التي “ضربت” “برسبكتيف – العامل التونسي” طوال خريف وبداية شتاء 1973، والتي كان أعطى إشارة انطلاقها بورقيبة نفسه في خطاب شهير ونفّذها وزير داخليته آنذاك الطاهر بلخوجة، شهر “الطاهر بوب”، تمكّن أحمد بن عثمان الرداوي من الإفلات أكثر من مرة، من قبضة البوليس السياسي الذي كان يبحث عنه بلا هوادة بهدف القضاء على المنظمة التي أوقف أغلب قياداتها العليا والوسطى. كان “أحمد” بارعا في أساليب العمل السري وخاصة التنكّر. ولكن على الرغم من ذلك ومع الأسف تمكّنوا من الحصول على معلومة من “عنصر ربط” كان على صلة في وقت من الأوقات بسلوى وعرف بحدسه أنّها قد تكون على علاقة بأحمد بن عثمان. انهار هذا العنصر تحت ضغط جلاّدي أمن الدولة وأعطى أوصاف سلوى التي لم يكن يعرف اسمها ولكنه كان يعرف مهنتها كأستاذة ومكان عملها. انتقل البوليس السياسي بسرعة إلى بنزرت ورابط أمام المعهد الثانوي الذي تدرّس فيه سلوى إلى حين خروجها وألقى عليها القبض.

كان البوليس مستعجلا. كان يعرف أنه في سباق مع الوقت لأنّ أحمد بن عثمان كان كثير التنقل. لم يكن أحمد مختبئا بمنزل سلوى بل كان مختبئا معي أنا والصادق بن مهني ورفيقة من رفيقاتنا بمنزل بضاحية قرطاج وتحديدا عند رفيقين لنا حديثي الزواج (هادية وحاجّي). خرج أحمد، رغم تحذيراتي أنا والصادق، للقيام ببعض الاتصالات وعرّج على منزل سلوى ليقضي فيه النهار عندما كانت هي تدرس بالمعهد ببنزرت ويعود إلينا ليلا. نقل فريق أمن الدولة سلوى إلى أحد مراكز البوليس ببنزرت وهناك جرّدها من ثيابها بالكامل وعذّبها تعذيبا وحشيا. كان يريد معرفة عنوان سكناها بتونس. لم يكن متأكّدا من وجود أحمد بمنزلها في ذلك اليوم ولكنه كان يريد أن يتثبّت علّه يعثر عليه. كان من عادة البوليس السياسي القيام “بمسح شامل” لمعارف أيّ مناضل/مناضلة يعيش/تعيش في السرية ويراقبهم فردا فردا أو يقتحم مقرات سكناهم ليلا عساه يحصل على “صيد ثمين”. رفضت سلوى إعطاء عنوانها. وهو ما عزّز شكوك البوليس السياسي في إمكانية وجود أحمد بمنزلها، فكثّف تعذيبه لها.

كانت سلوى “تربح في الوقت” آملة أن يغادر أحمد المنزل. من بين احتياطاتنا في ذلك الوقت أننا كنا في السرية، نعرف دائما أوقات خروج وعودة بعضنا البعض. وكنا نعطي بعضنا البعض هامشا صغيرا من الوقت لاحتمال حصول تعطيلٍ ما يؤخّر أحدنا عن موعد العودة، فإذا تجاوز المعني/المعنية الحدّ المتفق عليه يغادر الآخر أو الآخرون المكان دون تأخير. صمدت سلوى إلى أقصى حدّ بل إلى أن شارفت، حسب ما روت لي، على الموت. خارت قواها في النهاية ولم تعد تحتمل الآلام وقبلت بمرافقة البوليس إلى مقرّ سكناها بتونس. كان أعوان أمن الدولة على درجة من الاستعجال جعلتهم يلفّون سلوى “المدمدمة” المجرّدة من ثيابها، في “زَاوْرَة”، ويرمونها في سيارتهم (سيارة من نوع “فولسفاغن “هدية من ألمانيا الصديقة” للداخلية التونسية) ليعودوا بسرعة جنونية إلى العاصمة حيث كان في انتظارهم فريق من أعوان “التدخل” المدججين بالسلاح. اتجهوا رأسا إلى مدخل أريانة وهناك حاصروا منزل سلوى من كل الجهات وأوقفوا أحمد بن عثمان. كان إيقاف “ABO” عرسا بالنسبة إلى البوليس السياسي الذي دوّخه هذا المناضل لمدة طويلة ممّا جعله مطلوبا “حيّا أو ميّتا”.

تعرّض أحمد بن عثمان إلى أفظع أنواع التعذيب لمدة أيام ولم يقدم أي اعتراف بل صمد حتى النهاية مشرّفا جيلا من الشباب المناضل جرُؤَ على معارضة بورقيبة، ورفع في وجهه شعار: “لا مجاهد أكبر إلاّ الشّعب”. واعتقلت سلوى العيّاشي لفترة بمحلاّت أمْن الدّولة. ثم أطلق سراحها مؤقّتا. وحوكمت في صائفة 1974 بمعيّة رفيقاتها ورفاقها (قضية الـ 202). كان عندي معها موعد يوم صدور الحكم لتطلعني على الأحكام. كنت أعيش وقتها في السرية، بمنزل في جهة وادي قريانة، بولاية منوبة. خرجْتُ لمقابلتها بعد أن رتَّبتُ معها موعدا عن طريق إحدى رفيقاتنا المناضلة روضة الغربي، العضوة الحالية للهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. كان الموعد في جهة باردو قريبا من حي فطومة بورقيبة. وفي اللحظة التي أتممنا فيها اللقاء وهممنا بالافتراق لاحظت فجأة مسؤول أمن الدولة، حسن ع. في سيّارة من نوع بيجو 504 وهو يتثبّت في ملامح وجهي. كان حسن ع. الذي علمت لاحقا أنّه يسكن في باردو، مارّا بالصدفة في السيّارة مصحوبا بامرأة لابسة “سفساري”. هذا الجلاّد الكبير المشهور جلبت انتباهه سلوى التي جاءتني مباشرة من جلسة المحكمة ولم تأخذ احتياطاتها لتغيير هندامها مثل وضع “فولارة” على شعرها القصير (coupe garçon) كما كانت تفعل عادة. ذكَّرتُ سلوى، بسرعة، بالـ”alibi” (رواية نتفق عليها لتبرير وجودنا مع بعضنا): “التّصريح الوحيد أمام البوليس هو أننا التقينا صدفة”. وطلبت منها “الإفلات” حالا باعتبار أنّ حسن عبيد سيركّز عليّ أنا المبحوث عني منذ مدة طويلة. وهو ما تمّ فعلا.

حاولت بعد ذلك الإفْلَات. ولكن من سوء الحظّ كان في تلك اللّحظة عَوْنَا أمن مارّين في طريق العودة إلى مركز باردو وكذلك عسكري مارّ بالصدفة، فحاصروني بمساعدة من بعض المارة أمام مستشفى أبو القاسم الشابي وتمّ إيقافي. تعرّضت لما تعرّضت له من تعذيب… ولكن ما بقي لي من ذكريات حول ذلك الإيقاف بشأن سلوى هو أنّ لمّا سألوني “من هي المرأة” التي التقيتها، أجبت بأنني لا أعرفها وأنّني التقيتها صدفة وأنا خارج من “حانوت”، “شبّهت عليها… اللّي هي قرات في كلية 9 أفريل… خزرتلي وخزرتلها سلّمنا على بعضنا وكفى”… أجابني “رمضان بوكبوس” أحد أعوان أمن الدولة القدامى ساخرا: “خزرتلي، وخزرتلها، ضحكتْلي وضحكتلها…”… وبدأ “الرّسمي” بلغة بوليس أمن الدولة أي التعذيب ولكن دون أن يصل الجلاّد إلى نتيجة… بالطبع أوقفت سلوى أيضا وتصرّفت بذكاء… وأطلق سراحها دون توجيه الاتّهام إليها. أمّا أنا فقد عرفت طريقي إلى السّجن الذي قضّيت فيه حوالي ستّ سنوات مع رفاقٍ سأظلّ أعتزّ بهم إلى آخر رمق في حياتي… التقيت سلوى بعد مغادرة السجن في جهة المنزه.. استرجعنا الذكريات باعتزاز كبير… وضحكنا كثيرا على كلام “رمضان بوكبوس”: “خَزْرِتْلِي وخْزَرْتِلْهَا، ضحْكِتْلِي وضْحْكَتِلْهَا…”. التقينا بعد ذلك بضْع مرّات… وكنتُ، في كلّ مرّة، ألقاها، كعادتها، بشوشة، متواضعة، وفيّة لتجربة خاضتها مع جيل لم يعرف إلاّ النّضال والتّضحية.

يا لِسَلْوَى العيَّاشي من امْرَأَةٍ رائعةٍ من نساءِ تونس… من نساء اليسَار التّونُسِي العظيم اللّواتي قدّمن الكثير بلا حسابٍ لوطنهنّ وشعبهنّ… ناضَلْن وتعذّبن وسُجنّ من أجل حُلْمٍ… ولم يخطر ببالهنّ في يوم من الأيّام أن ينلن جزاء أو شكورا… يا لهنّ من رائعات… دليلة بن عثمان، ليلى بن عثمان، سيمون للّوش، عائشة بلعابد، فوزيّة الشّرفي، ليلى عدّة، سلوى فرّوخ، آمال بن عبا، زينب بن سعيد، دليلة محفوظ، عائشة قلّوز، ساسية الرويسي، فايزة محرز، آمال شلّوف، بهيجة الدريدي، روضة الغربي، عزيزة الرقيق، منيرة بكار، رجاء فنّيش، صديقة عبد الكافي، عائشة النيفر، سارة الماطري، سلوى الزلاوي، كاميليا بوغبّة، وغيرهن… لقد جمَعْن بين الوعي والعلم والمعرفة والالتزام والرّوح العمليّة والتضحية وحبّ الآخر، المظلوم/ـة والمضطهَد/ـة في تونس وفي كافة أنحاء المعمورة… إنهن من معدن استثنائي، يبدو اليوم نادرا في وضع تسوده الرداءة والخساسة، والفردانية والبحث عن التّموقع وخدمة المصالح الشخصيّة… ولنا فيما نرى ونسمع أدلّة كثيرة على ذلك.

يا لها من امرأة رائعةٍ تغادِرُنَا…لها كلُّ الحُبّ والتّقدير، ولعائلتها وصديقاتها وأصدقائها ولنا جميعا أحرّ التّعاَزِي.
مع تمنّياتي بطُولِ العُمْرِ لباقي الهامات العالية، للّواتي ساهَمْنَ في تعْبِيد طريقِ الحرّية لبناتِ جنسهنّ وشعبهنّ…

تونس في 2 جوان 2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×