أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الجهات / ڨفصة البيّة، المدينة المُتْعَبة
ڨفصة البيّة، المدينة المُتْعَبة

ڨفصة البيّة، المدينة المُتْعَبة

شوارع مكتظة. حَوارٍ متهالكة. بيوت تضيق على سكانها. حياة تغصّ بؤسا وفقرا وانسدادا. المدينة متعبة. لا شيء فيها يتماهى مع ما حلم به أبناؤها ذات يوم قريب. لا سيل ولا بساتين ولا رحلات إلى عيون مائها التي جفّت وصارت مكبّا لنفايات معامل المجمع الكميائي المستبيحة لأرض المدينة وهوائها. البساتين التي أعطت الثّمر شهيا لكل من مرّ بها قبل عقود قصيرة استحالت أرضا يبابا تلفح وجوه العابرين بجوارها بهواء ناشف ملوث مثقل بالغبار.

ڨفصة اليوم أنموذج لأسوأ ما يمكن أن ينتجه سوء التخطيط وغياب الرؤى وغفلة الحكومات عن احتياجات الناس وطموحاتهم. وليس سرا أنّ البيّة لم تحظ يوما بالاهتمام الذي تستحق، مصنع للكفاءات هي. تعدديتها ومكانتها بوتقة انصهر فيها كل التونسيين الذين نزلوها عسكرا وعمال مناجم أضعفتها في توازنات السياسة بدلا من أن تعززاها. كبرت المدينة من دون رعاية فكان ثمار النمو فوضى وتلوثا بيئيا وتراجعا اقتصاديا ومحاصرة لروح المكان.

ورغم الوعود المواسمية التي قطعتها الحكومات المتعاقبة لأهل المدينة ظلت البيّة محرومة من عوائد التنمية. لا أحد يلتفت إليها وهي تتقهقر أمام انهيار بنيتها البيئية والصحية والاقتصادية والاجتماعية… وها هي اليوم غريبة عن ماضيها تلد الإحباط لا الأمل، سيلها ملوث… هواؤها ملوث ومدارسها منهارة واقتصادها طارد لشباب لا يجد فرص عمل ولا يجرؤ على الحلم بمستقبل في مدينتهم.

أما الوعود الحكومية فهي ما تزال قرارات برسم التنفيذ. لا خطة إنقاذ البيئة نُفذت ولا مشاريع الإعمار وتنشيط الاقتصاد تبلورت. الكميائي ما يزال يلوّث السيل والهواء من دون رقيب والمرافق العامة لا تشهد تجديدا أو تطويرا والآفاق أمام أهلها تضيق.

ڨفصة السجن الكبير:

يبدو أنّ نظام الحكم لم يعد معنيّا بالشأن العام إلآ من زاوية وحيدة هي دون ريب “استمرار الهدوء والسلم الاجتماعية”، هذا الهدف الذي كثيرا ما يتحقّق بواسطة آليات يغلب عليها الطّابع الاستبدادي، بل القهري حتّى النهاية لطالبي الحقوق أيّا كانت مجالاتها ممّا حوّل كل البلاد وخاصة ولاية ڨفصة، في السنوات الماضية إلى سجن كبير تدار كلّ الجزئيات فيه إمّا بواسطة التعليمات التي يجهل مصدرها وأهدافها حتّى الساهرين على تطبيقها وإمّا بواسطة القوّة الأمنية الغاشمة.

أحياء ومدن منسيّة:

كان لا بدّ من التجوّل في أحياء مدينة ڨفصة “الحارة”، “المناڨع” “حي السرور”، “العسّالة و”الدوالي”الخ… أو زيارة مدن الحوض المنجمي “المظيلّة” و”أم العرائس” و”الرديّف” و”المتلوّي”، لنكتشف هول الكارثة التي عصفت بكامل الولاية من جنوبها إلى شمالها، حيث توقّف قطار الزمن في ستينيات القرن الماضي في أحياء ومدن رمادية كساها غبار الفقر وغبار المناجم المتراكم منذ سنين، أحياء ومدن تسجَّلُ فيها أعلى نسبٍ من الأمراض المزمنة منها مرض السرطان ولا يوجد مستشفى لعلاجها. كما تُسجّل فيها نسبة البطالة الأكبر في البلاد. فولاية ڨفصة كانت وماتزال منسيّة من الحكومات المتعاقبة منذ عشرات السنين وحتى بعد الثورة رغم أنّها تقدّم للبلاد سنويا مئات الملايين من فوسفاطها.

ڨفصة التوتر والاحتقان

كل هذه العوامل مجتمعة خلقت حالة من الاحتقان في الجهة. فالوضع في ڨفصة يزداد توترا واحتقانا يتصاعد يوميا قد لا يترجم بفعل ملموس يوثّق. لكن مؤشرات متعددة توحي بذلك. غير التحركات الاحتجاجية التي ترصد يوميا من قبيل ما يتمّ هذه الأيام بمعتمدية الڨصر وڨفصة المدينة وهناك في المتلوي وأم العرائس والمعطلين عن العمل .
بالمظيلة إلى حدّ اللّحظة ممّا سبّب اضطرابا في نشاط شركة فسفاط ڨفصة على خلفية حركة احتجاجية لعدد من الشباب (أثرها نسبي على نشاط الشركة).
فملف التشغيل في قفصة يطرح بقوة هذه الأيام وهو المطروح دائما في علاقة بالمناظرات المنتظرة سواء نتائج أو بلاغات…
فالأمر دون شك، يحتاج إلى تعجيل تلك الوعود للحد من منسوب الاحتقان.

ڨفصة على صفيح ساخن

إنّ البيّة على صفيح ساخن، فالاعتصامات تتوالد والمنخرطون في الأنشطة الاحتجاجيّة تتزايد أعدادهم وتشمل الذكور والإناث والشبّان والكهول. الجميع يطلب الشغل ولقمة العيش.
ونحن نعتقد أنّ الحراك الاجتماعي القائم اليوم بهذه الجهة هو مواصلة ضمن أوضاع جديدة وحتى أشكال جديدة لنضالات الأمس. وفي ذات الوقت، نحن على يقين بأنّ العوامل الموضوعية التي فجّرت “هدوء الأمس” هي نفسها التي تدفع الشباب إناثا وذكورا إلى الاحتجاج والنضال من أجل الحق في الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

رضا الجلولي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى