الرئيسية / صوت الوطن / العدالة الانتقالية: ملابسات اغتيال نبيل بركاتي ما تزال غامضة والقضاء في مأزق إجرائي
العدالة الانتقالية: ملابسات اغتيال نبيل بركاتي ما تزال غامضة والقضاء في مأزق إجرائي

العدالة الانتقالية: ملابسات اغتيال نبيل بركاتي ما تزال غامضة والقضاء في مأزق إجرائي

عقدت الدائرة الجنائية المتخصّصة في العدالة الانتقالية بالكاف جلستها يوم 03 جويلية للنظر في ملف قضية مناضل حزب العمال نبيل بركاتي الذي تم اعتقاله وتعذيبه وتصفيته برصاصة على مستوى الرأس يوم 9 ماي 1986 بمركز الشرطة بقعفور من ولاية سليانة.

وقد حضر من جهة لسان الدفاع كل من الأستاذ مختار الطريفي وأنور القوصري وحسان التوكابري والأستاذة سيدة الغزواني والأستاذ محمد المرواني والصويلحي والأستاذة رجا العباسي وضحى الكايدي. كما تلت هيئة المحكمة نيابة العشرات من المحامين الذين تقدموا بنياباتهم في القضية. أما من جهة المنسوب إليهم الانتهاك فلم يحضر أي منهم في حين حضر رضا بركاتي شقيق نبيل كقائم بالحق الشخصي باسم العائلة.

كما حضر العديد من المناضلات والمناضلين من مختلف الجهات والقطاعات من بينهم في مجال حقوق الإنسان الأستاذ حبيب الزيادي واحمد القلعي والطاهر شقروش. وحضر ممثلون عن جمعيات ومنظمات من بينهم الأمين العام لاتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل شريف الخرايفي وممثلون عن ” أفاق – العامل التونسي” وجمعية صوت الكرامة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب والمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب ومنظمة ذكرى ووفاء وغيرهم من مكونات المجتمع المدني ضمن قافلة الحقيقة التي وفرت لها المفوضية السّامية لحقوق الإنسان حافلة من تونس العاصمة إلى الكاف. أما الأحزاب السياسية فقد حضر ممثل حزب العمال منذر الخلفاوي والممثل الجهوي لنفس الحزب توفيق اليحياوي وعدد مهم من نشطاء الجهة.

لائحة الاتهام : عمل جدّي لكنه منقوض

وفقا لأوراق الملف ما تزال حقيقة التصفية السياسية للشهيد نبيل بركاتي غامضة في العديد من النقاط الأساسية والتي تهم من ناحية الأحداث ومجريات الاغتيال ومن ناحية الأطراف المتورطة في اعتقاله وتعذيبه لطيلة 11 يوما متتالية. ومن ناحية ثالثة الأطراف التي خططت وأمرت ونفذت طمس أدلة الجريمة ووضعت سيناريو للقضية.

ورغم المجهود الاستقصائي المهم الذي قامت به هيئة الحقيقة والكرامة وتمكنها من إدراج عدة وثائق مفصلية في القضية ضمن لائحة الاتهام المحررة بتاريخ 19 افريل 2018 من رئيس وحدة التحقيق في الملف المتعلق بنبيل البركاتي، ورغم أنّ تلك الوثائق تكشف عدة نقاط غامضة في ملف الاغتيال سواء فيما تعلق بالحيثيات أو الأشخاص المنسوب إليهم الانتهاك، ورغم أنّ لائحة الاتهام التي أعدتها قد شملت عدة أطراف نسبت لهم الانتهاك، إلاّ أنّ تلك الأعمال منقوصة ومحدودة سواء فيما تعلق بالاستنتاجات أو في حصر الأشخاص الذين شملتهم شبهة الضلوع في الجريمة وغيرها من العناصر المهمة لإنارة وكشف الحقيقة. ونتيجة لذلك فإن لسان الدفاع أشار أثناء الجلسة إلى المحكمة بتلك النقائص وقدم في شانها طلبات من أهمها توسيع دائرة الاستماع إلى الشهود والاستماع إلى الممثل القانوني لحزب العمال باعتباره متضررا أساسيا في عملية اغتيال احد مناضليه كما طلب لسان الدفاع من هيئة المحكمة توجيه استدعاء لعدة أشخاص حولهم شبهة ممارسة الانتهاك من مواقع التخطيط والتنفيذ والتمويه إلاّ أنّ أسماءهم لم ترد في لائحة الاتهام.

المنسوب إليهم الانتهاك: التمسك بعدم كشف الحقيقة

فيما يخص المنسوب إليهم الانتهاك من قبل لائحة الاتهام المعدة من قبل هيئة الحقيقة والكرامة وعددهم ثمانية (8) ثلاثة منهم يتجه الحفظ في حقهم لانقطاع الدعوى العمومية بموجب الوفاة عملا بأحكام الفصل 4 من مجلة الإجراءات الجزائية وهم كل من وزير الداخلية خلال تلك الفترة ورئيس مركز قعفور ورئيس مركز بوعرادة. ويعتقد أنّ هناك شخص رابع قد توفي حديثا. أما البقية فإن المحكمة ورغم أنها توجهت لهم باستدعاءات عدة مرات إلا انه لم يمثل منهم سوى اثنين خلال الجلسات الفارطة. وقد تمسكوا بأقوالهم الواردة في محاضر سنة الانتهاك أي 1986 والتمسك بإنكار ما نسب إليهم رغم وجود أدلة جديدة تدينهم، علما وأنهم رفضوا المثول أمام لجنة البحث والتقصى صلب هيئة الحقيقة والكرامة. وتجاهلت وزارة الداخلية طلب الهيئة في مدها بعناوينهم وإلى تاريخ جلسة يوم 3 جوان 2020 يستمر عدد هام من المنسوب إليهم الانتهاك في عدم الاستجابة إلى العدالة حيث تقف المحكمة أمام واقع عدم مثولهم.

وقد تطرق لسان الدفاع إلى الموضوع وقدم طلب جلبهم عبر إصدار بطاقات جلب ضدهم، ورغم تأكيد المحكمة على أنها قد وجهت الاستدعاءات وبطاقات الجلب إلا انه يظل المشكل متعلقا بالتنفيذ من قبل الجهات الساهرة على ذلك.

التوسع في الأبحاث وتوجيه الاتهام: خلل إجرائي فادح في قانون العدالة الانتقالية (قانون عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 متعلق بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها وكذلك الامر عدد 1382 لسنة 2016 المؤرخ في 19 ديسمبر 2016 المتعلق باحداث دوائر جنائية متخصصة في العدالة الانتقالية)

من بين اعقد الصعوبات التي تتعرض لها الدائرة القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بالكاف هي أنها منتصبة للحكم ولا يمكنها التوسع إلى من سيكشف عنهم التحقيق. حيث أنّ لائحة الاتهام التي أعدتها هيئة الحقيقة والكرامة وقائمة المنسوب إليهم الانتهاك تعتبرها المحكمة نهائية وان دورها يقتصر في السماع والحكم ولا يخول لها قانون العدالة الانتقالية وفقا لتصريحها توجيه اتهامات لأشخاص جدد يتم إثارة أسمائهم من قبل لسان الدفاع أو القائمين بالحق الشخصي أو ما يكشف عنه الاستنطاق خلال الجلسات. والمعضلة في قضية الحال أن هناك أشخاص حولهم شبهة ممارسة أو مشاركة في الانتهاك من ناحية ومن ناحية أخرى أن طلبات لسان الدفاع تضمنت طلبات موجهة إلى المحكمة تتمثل في توجيه اتهامات إلى أشخاص وإعادة تكييف الدعوة وتحويلها ضد بعضهم من اعتبارهم شهود إلى متهمين ولكن المحكمة غير قادرة على ذلك. والإشكال يكمن في أن توجيه الاتهام يقتضى إعادة الأبحاث إلى قاضي التحقيق وفي قضية الحال فإن قاضي التحقيق صلب هيئة الحقيقة والكرامة قد أنهى مهامه بموجب القانون.
وتعتبر هذه الصعوبة قاتلة في مسار العدالة الانتقالية باعتبارها تحول المحكمة المنتصبة إلى محكمة مقيدة وصورية لا يمكنها توسيع الاتهام إلى من سيكشف عنه البحث. في حين أن القضية جوهرها وعناصرها الأساسية تكمن في ضرورة توسيع الاتهام لكل من حوله شبهة ارتكاب الانتهاك مهما كان موقعه.

ومن الواضح أن هذا الإشكال يهم كافة الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية ونتيجة هذا المأزق ظلت الملفات مفتوحة وبات تأجيل النظر والتمديد هو السمة الأساسية.

درجات التقاضي

الإشكال الثاني المطروح مستقبلا بعد إشكال عدم قدرة المحكمة في التوسع هي درجات التقاضي غير المنسجمة وشروط المحاكمة العادلة وهي التقاضي على درجتين. حيث أن الدائرة القضائية المتخصصة تمثل درجة واحدة من التقاضي في غياب محكمة للاستئناف مما يضفي على الأحكام التي يمكن أن تصدر باتة ونهائية. ويمثل هذا الخلل حجة لدى عدة أطراف للطعن في تلك الأحكام باعتبارها لا ترتقي إلى شروط المحاكمة العادلة.

ومن الواضح أن تحقيق كشف الحقيقة وتكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب يستوجب طريقا واحدا وهو تمكين الدائرة الجنائية المتخصصة من توسيع دائرة الاتهام والقدرة على جلب المتهمين، دون ذلك لن تتمكن الدائرة المنتصبة من تحقيق العدالة وستكتفي بلائحة اتهام منقوصة على كافة المستويات. وهو الأمر الذي سيجعل من هذه المحاكمة صورية وعنوان أساسي لفشل العدالة الانتقالية.

لطفي الهمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى