الرئيسية / صوت الوطن / في مسرح المنظومة هذه الأيام
في مسرح المنظومة هذه الأيام

في مسرح المنظومة هذه الأيام

علي البعزاوي

تجري رياح المنظومة بما لا تشتهي سفن الشعب التونسي الذي انتظر طويلا الاستقرار والشغل والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة لكن انتظاراته ذهبت ادراج الرياح لأنّ أطراف الحكم الحالي بكلّ تلويناتهم لا حلول لديهم وعلاقتهم بالسلطة هي التنافس/الصراع من أجل خدمة كبار أثرياء البلاد ومشغليهم من القوى الاستعمارية والاقليمية التي تتنافس على تونس ليس من أجل تقدمها وازدهارها بل من أجل امتصاص عرق أجرائها ونهب ثرواتها واستغلال مقدراتها.

تتعاقب الحكومات على حكم البلاد وتتداول الشخصيات على رأسها وتشتد الصراعات إلى درجة التقاتل لكن النتيجة واحدة وهي التفقير والتهميش وتكريس الاستغلال وبيع البلاد.

مرحلة جديدة

نحن اليوم في مرحلة جديدة من هذا المسار المتعفن بوجه “جديد” من نفس المنظومة مرشح لتشكيل حكومة جديدة، ربما بوجوه جديدة في غالبيتها لكن وهذا الأهم من نفس الأحزاب وبنفس البرنامج والخيارات والسياسات التي لا يمكن أن تراجع لأنّ مصالح كبار السماسرة تقتضي المضيّ في نفس المنهاج المفروض من صناديق النهب الاستعماري مقابل القروض والاستثمارات المعدّة على القياس بشروط مكرسة للتبعية.

قد تخسر حركة التهضة بعض الحقائب في حكومة المشيشي ويتراجع تأثيرها. وقد يحصل كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب على حقائب جديدة إضافية وقد يعود المسار الديمقراطي الاجتماعي للتمثل في الحكومة باعتبار علاقة رئيس الحكومة المكلف المتميزة به مقابل خسارة التكتل لبعض المواقع التي فرضها الفخفاخ. ومن المنتظر أن يستفيد الرئيس قيس سعيد الذي اصبح طرفا في الصراع من أجل الهيمنة على السلطة مثله مثل حركة النهضة وباقي الكتل والأحزاب المتصارعة من أجل الانفراد بدفة القيادة والسيطرة على الحكم.

الواضح أنّ إعادة تشكيل الخارطة السياسية أصبح أمرا واقعا مفروغا منه لكن في إطار نفس الخيارات والتوجهات والسياسات. بـ”الفلاقي” الشعب التونسي لن يغنم من هذه التغييرات ولن يحصل على ما ينتظره حتى ولو غادرت النهضة الحكومة وأصبحت في المعارضة رغم أنه أمر مستبعد باعتباره الحزب صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر.

المنظومة الحاكمة دخلت مرحلة الاستنزاف وهي بصدد التعري تجاه الشعب باعتبار عجزها وفشلها في معالجة القضايا الجوهرية التي قامت من أجلها الثورة. فلا السيادة الوطنية تحققت ولا تشغيل الشباب وجد طريقه إلى الحل ولا التنمية الجهوية والمحلية وإنتاج الثروة تكرست كأمر واقع ولا العدالة بين الفئات والجهات أخذت طريق التنفيذ باعتبارها أحد مطالب الثورة.

تونس بحاجة إلى منظومة جديدة

لا نبالغ في شيء إذا أكدنا على سقوط المنظومة الحاكمة سياسيا وأخلاقيا ونهاية مشوارها في انتظار خروجها من الحكم، ليس لأننا نرغب في ذلك بصورة إرادية بل لأن الوقائع على الأرض تؤكد ذلك. ولعلّ الأرقام المتعلقة بنسب النمو والبطالة والميزان التجاري ونسبة المديونية بالقياس مع الناتج الداخلي الخام ومستوى المعيشة والفقر في تونس وتراجع قيمة العملة المحلية الخ خير دليل على ما آلت إليه الأوضاع ووصلت إليه الأزمة في بلادنا.
المسألة لا تقتصر على مخلفات النظام السابق مثلما تدّعي بعض الأطراف ولا على انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها على تونس التابعة والمتخلفة ولا على شح القروض والاستثمارات الخارجية مثلما تدّعي أطراف أخرى. المسألة ليست أيضا قضاء وقدرا بل تتعلق بجوهر الخيارات والسياسات النيوليبرالية المتوحشة التي كرستها الأحزاب المتعاقبة على الحكم وفي مقدمتها حركة النهضة خدمة لكبار السماسرة المحليين.

إنْ فشل هذه الخيارات هو من فشل الأحزاب التي تداولت على الحكم منذ 2011. ومهما تغيرت الوجوه القيادية (سعيد مكان السبسي-الفخفاخ مكان الشاهد والمشيشي مكان الفخفاخ…) فالنتيجة واحدة وهي استفحال الأزمة على كل الصعد اقتصاديا وماليا واجتماعيا وتوسع قطب الفقر والتهميش وتفشي الجريمة بمختلف أبعادها بما في ذلك الجريمة الإرهابية وضرب السيادة الوطنية.

لا حلول لتونس وشعبها ولا إمكانية للخروج من الأزمة الحالية في إطار نفس المنظومة حتى ولو غادرتها حركة النهضة والتحق بها الدستوري الحر سليل التجمع المنحل.

الحل هو في برنامج وطني ديمقراطي شعبي ومنظومة مكرسة لهذا الخيار وحزام شعبي واسع داعم لها. تونس يجب أن تدخل مرحلة جديدة في قطيعة مع القديمة: الديمقراطية الشعبية بديلا عن منظومة التبعية والاستغلال والفساد والتطبيع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى