الرئيسية / صوت العالم / حكام الإمارات وموعد جديد مع الأدوار القذرة
حكام الإمارات وموعد جديد مع الأدوار القذرة

حكام الإمارات وموعد جديد مع الأدوار القذرة

علي الجلولي

هبطت مساء اليوم الاثنين 31 أوت 2020 طائرة تجارية انطلقت من مطار بن غريون ومرّت على سماء المملكة السعودية وحطت في مطار عاصمة الإمارات. الطائرة تحمل على متنها وفدا رفيع المستوى من مسؤولين صهاينة وأمريكيين أتوا لإعطاء إشارة الانطلاق لانطلاق العلاقات العلنية بين “الدولتين الصديقتين”. وتمثل هذه الرحلة أول ثمار الإمضاء على اتفاق التطبيع الشامل الذي أمضاه الطرفان يوم 13 أوت المنقضي. جاءت هذه الخطوة ولم يجف بعد حبر الاتفاق الذي أٌعتبر أوليا في انتظار توقيع آخر في البيت الأبيض بداية سبتمبر بإشراف ترامب وحضور نتنياهو وزايد بن سلطان آل نهيان.

وقد خلّفت هذه الخطوة التطبيعية استياء وسخطا طال حتى سلطة رام الله التي اعتبرت هذه الخطوة طعنة في خاصرة فلسطين. ولئن لم يستغرب أغلب الناس هذه الخطوة من نظام لم يكن في يوم سوى دمية في يد الامبريالية وأداة من أدوات الهيمنة ووضع اليد على المنطقة ومقدراتها وإرادتها، بل إنّ هذا النظام وهذه الدويلة ليست سوى صنيعة من صنائع الامبريالية التي قسمت المنطقة وصنعت كيانات سياسية حول آبار النفط. ولم يكن هؤلاء الحكام إلاّ مجرد وكلاء، بل حرّاس على هذه الآبار. وتلتقي كل أقطار الخليج دون استثناء في طبيعتها وارتباطاتها وماهية أدوارها. ولم تكتف الامبريالية بذلك، بل خلقت في فترات كثيرة من السبعين سنة الماضية هي عمر أغلب هذه الدويلات، خلقت فيما بينها تنافسا وصراعا وصل مستويات عالية من التوتر وذلك لمزيد التحكم في المنطقة ومزيد اختبار درجة الولاء والطاعة من قبل أنظمة هذه الدويلات، وأساسا لمزيد بيع السلاح والخردة العسكرية لهؤلاء الحكام الذين لا هاجس لهم سوى حماية عروشهم، وبيع السلاح يدرّ أموالا ضخمة لكبريات الشركات العالمية التي يعتبر الخليج من أهم أسواقها، بل إنّ الخليج كان في كثير من المرات وخاصة في السنوات الأخيرة هو الجهة التي تنفّس أزمات الرأسمالية والشركات والمؤسسات الكبرى، فالسعودية هي ثالث دولة بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين في ترتيب الميزانيات الحربية التي وصلت في عام 2019 إلى 70 مليار دولار. ومجموع ميزانيات الدفاع في مجمل دول التعاون الخليجي يصل إلى قرابة خمس المصاريف العسكرية العالمية، ولقائل أن يقول، لماذا هذا الشطط في تكديس السلاح؟ ماهي غاياته وأهدافه؟ ماهي الحرب أو الحروب التي تعيشها هذه الدول وما هي الجهات التي تهددها؟

يعلم القاصي والداني أنّ الحرب الوحيدة التي تشغل بال هذه الأقطار هي حرب بالوكالة ضد إيران التي تعتبرها أغلب دول الخليج “العدو الأول” عوضا عن الكيان الصهيوني الذي يعتبر “صديقا وحليفا للتصدي للنوازع الفارسية الشيعية”، وهي كذلك حروب بينية كالتي شارفت على الاندلاع بين “دول التعاون” وقطر في إطار صراع على زعامة المحور الخليجي، وهو صراع قابل بين قطر من جهة والسعودية وحلفائها من جهة مقابلة، لذلك انقسم مجلس التعاون إلى محورين، المحور القطري المرتبط بتركيا والكيان الصهيوني والحركة الاخوانية إقليميا ودوليا بالامبريالية الأمريكية، والمحور السعودي الإماراتي وبقية دويلات الخليج والمرتبط بدوره بالكيان الصهيوني والامبريالية الأمريكية. وهاهو صراع آخر وحرب باردة أخرى بين السعودية زعيمة المحور الخليجي التقليدية من جهة والإمارات كقوة صاعدة ترى في نفسها الأجدر بقيادة المحور أوعلى الأقل تبوأ مكانة بارزة صلبه، وما المماحكات العسكرية لأكثر من مرة في اليمن إلآ دليل على ذلك، وهي ترى في نفسها اليوم لاعبا أساسيا في المنطقة من خلال حضورها في كل الأقطار العربية من ليبيا أين تقود المحور الداعم لحفتر إلى سوريا ولبنان أين بدأ دورها يتوسع تدريجيا على حساب الحضور السعودي وفي تنافس ونزاع مع الحضور القطري/التركي. وللإشارة فإن الإمارات تتدخل بألف طريقة وطريقة في صياغة المشهد السياسي والحزبي التونسي من خلال حلفائها الذين تحوّلوا إلى وكلاء لها يأتمرون بأوامرها في إدارة الصراع السياسي مع جماعة قطر/تركيا والمتمثلة أساسا في حركة النهضة الاخوانية.

الإمارات والهرولة للتطبيع
يعلم الجميع أن كل الأقطار الخليجية وأغلب الدول العربية لها علاقات معلنة أو مخفية مع الكيان الصهيوني، كما يعلم الجميع أن التطبيع الرسمي والذي أخذ شكل علاقات دبلوماسية منذ عقود ارتبط أساسا بدول الطوق أي مصر والأردن، فيما اكتفت بقية الأقطار بعلاقات سرية أو ما دون العلاقات الدبلوماسية مثل المغرب وموريتانيا وتونس التي أغلقت مكتب العلاقات سنة 2000. والإمارات في كل الحالات ليست من دول الطوق لذلك فما الداعي لهذه الخطوة المنافية حتى لمنطوق قرارات جامعة الدول العربية ولـ”مبادرتها للسلام” المسماة “مبادرة ولي العهد السعودي عبدالله بن عبد العزيز” والتي تنص على التطبيع المتناسب مع “التقدم في الاعتراف بحقوق الفسلطينيين”؟

إن الواضح من الخطوة الإماراتية هو اختطاف السبق في القيام بهذه الخطوة التي ستعمق العلاقات ليس مع الكيان الغاصب فحسب، بل وأساسا مع الأمريكان الذين استجاب ولي العهد الإماراتي محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلد والمحتاج للإسناد السياسي كرئيس قادم لبلده، والذي “تجرأ” على ما لم يتجرأ عليه الآخرون، وأيضا وخاصة تقديمه لخدمة جليلة لترامب الذي يعرف صعوبات كبيرة في الاستعداد لانتخابات نوفمبر القادم والتي ترجح عديد القراءات والمتابعات إمكانية سقوطه، لذلك فهو في حاجة لأي إنجاز مهما كان علّه يسعفه ويحسّن حظوظه للبقاء في البيت الأبيض، وطبعا فإن ترامب (مثل كل حكام أمريكا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي) يعولون كثيرا على اللوبي الصهيوني، صاحب الكلمة العليا في ترجيح كفة الانتخابات لما له من نفوذ مالي وإعلامي. ضمن هذا الصدد كانت “صفقة القرن” التي نزل فيها ترامب بثقله لفرضها، لكن صعوبات كبرى اعترضته رغم الجهد السعودي والامارتي لتسويقها. فقد وجد عديد حلفاء أمريكا والكيان الصهيوني حرجا في الموافقة العلنية عليها خاصة وأنّ من أهدافها “تطبيع علاقات إسرائيل مع كل جيرانها”. ولما تعطلت الأمور مرت الإدارة الأمريكية لفصل جديد هو فصل “الأجندة الجديدة للشرق الأوسط” وهي استعادة لمجمل السياسات الأمريكية في المنطقة، وكان لا بد من اختراق ما لتسهيل تسويق هذه الأجندة، فكانت الإمارات جاهزة للعب الدور وتقمصه على الوجه المطلوب “بكل تفاني وإخلاص”، وبهذه الخطوة تكون قد سهلت التحاق البحرين التي يعاني حاكمها صعوبات داخلية جمّة بفعل الانتفاضة المتواصلة منذ 2011 والتي استضافت منذ عام مؤتمرا لتسويق الجانب الاقتصادي من “صفقة القرن”، وها هو الكيان الصهيوني وأمريكا يدفعانها للالتحاق بالخطوة الإماراتية مقابل الدعم والمساعدة، ونفس الأمر يمارس مع الحكام الجدد للسودان مقابل رفع بلدهم من قائمة الإرهاب الدولي وتمكينه من القروض والهبات، وقد التقى رئيس المجلس العسكري السوداني نتنياهو كما سمح للطائرات الصهيونية بعبور الأجواء السودانية لأول مرة في تحدّ للشعب السوداني ولثورته التي تجهض تدريجيا على يد عسكر البشير المشارك في الحكم، كما سارع نظام موريتانيا بتحية الخطوة الإماراتية مبديا استعداده للسير على خطاها للاستفادة بدوره من “مزايا” الأجندة الأمريكية/الصهيونية.

لهذا تعتبر الخطوة الإماراتية تدشينا لفصل جديد من فصول الغدر بفلسطين شعبا وقضية، وهو فصل سيضاعف من صعوبات القضية الفلسطينية في محيطها الرسمي الذي لم يكن في يوم مناصرا لها أو داعما. ولن نأتي بجديد حين نقول أن “شعب الجبارين” قادر كما تعود دوما على إحباط كل المؤامرات. وأن رهان سلطة رام الله على الحكام العرب هو رهان خاسر على كل المستويات، ولا خيار للشعب الفلسطيني وقواه الحية إلا دعم وحدته وصموده ونضاله المستقل من أجل إحقاق حقوقه، كل حقوقه مدعوما في ذلك بأشقائه وأصدقائه من شعوب العالم الحرّة.

وماذا عن موقف النظام التونسي؟
إنّ هذه الخطوة لم تكشف حقيقة نظام الإمارات فقط، بل حقيقة كل أنظمة المنطقة العربية التي يستعد البعض منها لتكريس التطبيع الشامل، فيما اكتفت الأقطار الأخرى بالصمت أو بتبرير الخطوة الإماراتية على أنها “خطوة سيادية” مثل تصريح قيس سعيد الذي غالط جزء من التونسيين في حملته الانتخابية حين اعتبر أنّ التطبيع “جريمة كبرى”، وهو ما اعتبرناه حينها هروبا وتفصيا من إعلان موقف صريح من مشروع قانون تجريم التطبيع مع العدو الصهيوني الذي استبسل ائتلاف الحكم منذ الترويكا إلى اليوم في رفض عرضه للمصادقة في مجلس النواب بما يؤكد حقيقة ارتباطاته وحقيقة مواقفه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى