الرئيسية / صوت الوطن / لحظات قبل الكارثة: الكورونا والسياسات الفاشلة تعمّق أزمة المدرسة العمومية
لحظات قبل الكارثة: الكورونا والسياسات الفاشلة تعمّق أزمة المدرسة العمومية

لحظات قبل الكارثة: الكورونا والسياسات الفاشلة تعمّق أزمة المدرسة العمومية

حبيب الزموري

شيّعت مئات الآلاف من العائلات التونسية بناتها وأبناءها إلى مدارسهم ومعاهدهم وكلياتهم بعد أن ضحت بالغالي والنفيس لتأمين الحد الأدنى الضروري لعودتهم المدرسية والجامعية الذي كان على حساب حاجيات ضرورية أخرى في ظل اهتراء مقدرتهم الشرائية. لكن العودة هذه السنة كانت مشوبة بمشاعر الخوف والرهبة على مصير مئات الآلاف من التلاميذ والطلبة في مواجهة التفشي السريع لوباء كورونا في موجته الثانية من جهة، وعلى مصير الثغرات المعرفية التي خلفتها السنة الماضية بسبب تعليق الدروس من جهة ثانية. ولكن ما فاقم مخاوف العائلات التونسية والتلاميذ والطلبة ومختلف الأسلاك المتدخلة في الشأن التربوي هو الغياب التام لأية سياسة أو رؤية لمواجهة تفشي الوباء وتأمين المؤسسات التربوية ومرتاديها. فما مدى استعداد المدرسة العمومية والمنظومة التربوية عموما لإنجاح العودة المدرسية لسنة 2020 – 2021 بأخف الأضرار الممكنة؟

تواجه المدرسة العمومية والمنظومة التربوية التونسية مخاطر الوضع الوبائي. وهي تعاني من مضاعفات أزمة هيكلية وبيداغوجية مزمنة ستزيدها الأزمة السياسية والكورونا تأزما. فرغم الاجتماعات المتتالية منذ بداية شهر سبتمبر بين مختلف الأطراف المتدخلة في الشأن التربوي وفي مقدمتها سلطة الإشراف، فإنه غير خاف على أحد افتقار مؤسساتنا التربوية للحد الأدنى من التجهيزات والإطار البشري القادر على تأمين عودة مدرسية سليمة وآمنة في الظروف العادية. ناهيك عن الظروف الاستثنائية. لذلك تمخضت هذه الاجتماعات عن إجراءات سطحية موجّهة للتسويق الإعلامي أكثر منها لتأمين عودة مدرسية آمنة. وليس أدلّ على ذلك من إبقاء وزارة التربية الباب مفتوحا أمام الاجتهادات طيلة الثلاثي الأول.

فالعودة المتدرّجة لتلامذة التعليم الأساسي والثانوي خلال الأسبوع الأول واعتماد نظام الفرق لكافة المستويات دون النظر في مدى ملاءمة هذا التقسيم للبرامج المعتمدة ولمعايير التقييم ودون دراسة لمدى قدرة المؤسسات التربوية على تأمين عدد القاعات والتجهيزات الضرورية لهذا الزمن المدرسي الاستثنائي يطرح أكثر من سؤال حول مدى جدية ونجاعة هذه الإجراءات رغم اجتهادات عدد من المتفقدين بالضغط على برامج عديد المواد إلى حدود موفى شهر أكتوبر ودعوة منظوريهم إلى تشكيل خلايا تفكير حول كيفية ملاءمة البرامج المدرسية للزمن المدرسي الجديد.
أمّا القصور الفادح في مقاربة سلطة الإشراف للعودة المدرسية في ظل تفشي الوباء فهو حصرها لمفهوم العودة المدرسة داخل أسوار المؤسسات التربوية مغفلة منظومات النقل المدرسي والإعاشة والطب المدرسي الذي أصبح اسما دون مسمّى. بالإضافة إلى إهمال الجانب النفسي والاجتماعي إهمالا تاما رغم المضاعفات التي من المتوقع تسجيلها في سلوك التلاميذ ومكتسباتهم بعد قرابة سبعة أشهر من الانقطاع المدرسي.
ولم يطل الأمر بالأسرة التربوية. فما إن انطلقت السنة الدراسية 2020 – 2021 حتى بدأت في إحصاء ضحاياها أمام سلطة تواصل ارتجال الإجراءات “كل نهار ونهارو” وتسويق إنجازات وبروتوكولات لا أثر لها على أرض الواقع. فعن أيّ بروتوكول صحي يتحدثون وعشرات المدارس الريفية وحتى الحضرية محرومة من المياه الصالحة للشرب ومن دورات مياه تحترم الشروط الدنيا للصحة العامة. إنّ مآسي التسمم والحرق الذي تعرض له أبناء وبنات تونس في مؤسساتهم التربوية ما تزال حيّة في ذاكرة الأسرة التربوية حتى وإن سقطت من ذاكرة الحكومات المتعاقبة المتورطة في اغتيال مستقبل البلاد.

إنّ المدرسة العمومية تحتضر. وستكون الانعكاسات البيداغوجية والاجتماعية والنفسية لجائحة الكورونا كارثية على مئات الآلاف من التلاميذ والمربّين أيضا في ظل عجز فادح من قبل السلطة على خلق الحلول والبدائل الكفيلة بمواجهة الأزمة. وهو في الحقيقة عجز جزئي من عجز سياسي كلي طبع أداء الحكومات المتعاقبة بعد الثورة. ومن أبرز ملامح هذا العجز هو إعادة إنتاج نفس السياسات والتوجهات التي كانت سائدة قبل الثورة والتي وصلت إلى درجة الإفلاس والتعفن على يد حكومات ما بعد الثورة بما فيها السياسات والتوجهات التربوية في ظل استماتة هذه الحكومات في إعلان ولائها لإملاءات المؤسسات المالية العالمية وفي مقدمتها التخفيض من حجم الاعتمادات المالية الموجهة للخدمات الاجتماعية وعلى رأسها التعليم والصحة ومواصلة تسويق الأوهام عبر أجهزتها الدعائية وخطاباتها الشعبوية.

تونس تحتاج إلى بديل تربوي وتعليمي شعبي وعصري وديموقراطي ممكن وضروري، تتشكل ملامحه الرئيسية في إطار مجلس أعلى للتربية يتكون من الكفاءات المختصة في الشأن التربوي بمختلف فروعه. ومن نافلة القول إنّ هذا الخيار الشعبي والديموقراطي والعصري هو خيار سياسي بالأساس. ولا يمكن انتظاره من قوى سياسية أمعنت في الالتفاف على الاستحقاقات الشعبية والوطنية والديموقراطية للثورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى