الرئيسية / صوت الوطن / حكومة العقوق
حكومة العقوق

حكومة العقوق

عمار عمروسية

تعيش البلاد منذ مدّة على إيقاع أزمة عامّة وعميقة تنزل بأثقالها كما لم يحدث على حياة التّونسيات والتّونسيين.
فالأغلبية السّاحقة من شعب تونس على اختلاف انتماءاتهم الطبقية والجغرافيّة يدفعون من جيوبهم وأعصابهم تكلفة هذا التّقهقر الخطير الذي تردّت إليه حالة البلد خصوصا بعد استفحال المخاطر الصّحية نتيجة الانتشار الواسع لفيروس كورونا.
فالأرقام المعلنة من وزارة الصّحة العموميّة منذ أسابيع لضحايا تلك الآفة سواء في أعداد المصابين أو المتوفين عمّقت مساحات الرّيبة من القادم وغذّت مشاعر الخوف من المستقبل تحت حكومة السيّد “المشيشي” الذي وضع نصب عينه وهم تدوير العجلة الاقتصادية على حساب السلامة الصّحية المجتمعيّة تحت تشغيل مكثّف لاسطوانة مقولة “التّعايش” ضمن بروتوكولات صحية وهمية وغير قابلة للتّطبيق على أرض الواقع.
ورغم القفزة الكبيرة لأعداد المرضى والمتوفين منذ قدوم “المشيشي” إلى “القصبة” إلاّ أنّ الخطاب الرّسمي الحكومي ظلّ وفيّا لنفس منطلقاته التّمويهية لإخفأء حقيقة مقاربة مناعة القطيع بما تعنيه من استهتار بالأرواح البشرية وتوحّش همجي فيه الكثير من الصّلف المحكوم بانحياز طبقي نحو حفنة كبار الأثرياء والمحظوظين.
فالتّعايش مع هذا الفيروس أو غيره يفترض معايير وشروط. بل التزامات حكومة نحو مواطنيها في مجالات متعدّدة فيها الجوانب الصّحية والاجتماعيّة الخ…
فهل يصّح الحديث عن تعايش في قضية الحال دون توسيع مجال الاختبارات؟
وهل من المنطق وضع بروتوكولات صحيّة في المكاتب الفاخرة بعيدا عن واقع البلاد مثلما هو الحال في مجال النّقل والتّعليم وغيرهما كثير؟
وهل من المعقول انتظار جدوى من خرافة التّعايش بعد إطلاق أيادي الحيتان الكبيرة في القطاع الخاص للعبث بمضامين أساسيّات الوقاية والسّلامة؟
هذه الأسئلة وغيرها مشروعة والواقع المعيش يضع المقاربة الحكوميّة ضمن ما يعرف بمناعة القطيع التي من الأكيد أنّ عواقبها ستكون كارثية ليس فقط في مجال الخسائر البشرية وإنّما الاقتصادية أيضا.
فالمجالان مرتبطان ببعضهما، ومن الغباء الاعتقاد في نجاح أحدهما والإخفاق في الآخر.
فأرقام ما يعرف بالموجة الثانية من هذه الجائحة أضحت منذ أسابيع ثقيلة وفاتورة الحساب مفتوحة ولم يعد من المبالغة في شيء الحديث عن سيناريو “إيطالي” خصوصا بعد انتقال الحالة الوبائية إلى المرحلة الثالثة وتعاظم المصابين في جند الصّف الأول في مواجهة هذا التّحدّي ونقصد الإطار الصحي الذي فاق مصابيه 650 نفرا.
يزداد الوضع الصّحي خطورة وتعقيدا بشهادة الجميع بما في ذلك البعض من أعضاء اللجنة العلميّة الذين رفعوا الصّوت عاليا مطالبين بعودة الحجر الصحي لمدّة محدودة غير أنّ رئيس الحكومة لا ينطق إلأّ بالرّفض المطلق “لا مجال للعودة إلى الحجر الشامل”وهو ذات المضمون الذي أكدّته مرارا وتكرارا النّاطقة الرّسميّة الدكتورة “نصاف بن عليّة”.!!!!
الحكومة رمت المنديل الأبيض أمام هذه الجائحة وتركت الشعب منزوع الأسلحة أمام كلّ المخاطر التي قد تكون نهاياتها كارثية، الأمر الذي يجعل من أؤكد واجبات القوى المدنية والاجتماعيّة والسياسية االتّقدّميّة تعبئة كلّ إمكاناتها وتوحيدها في مبادرات شعبية متواصلة للإسهام في تخفيف الخسائر البشرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى