الرئيسية / صوت الوطن / قطاع التمور والأزمة الأبدية.
قطاع التمور والأزمة الأبدية.

قطاع التمور والأزمة الأبدية.

علي الجلولي

بمجيء فصل الخريف ينطلق موسم جني التمور بالجنوب التونسي، ويشمل خاصة نوع الدقلة بعد أن تكون نهاية الصيف قد خصصت لجني أنواع أخرى تخصص في الغالب للاستهلاك العائلي للمنتجين والفلاحين. ويعتبر قطاع التمور النشاط الفلاحي الأساسي لجهتي قبلي وتوزر وبدرجة أقل في جهتي قابس وقفصة. وتبلغ مساحة الواحات التونسية أكثر من 40 ألف هكتار. فيها قرابة 5.4 ملايين نخلة، منها 3.55 ملايين نخلة من الأصناف الجيدة لإنتاج التمور أي نوع الدقلة. هذا وينتظر أن تكون صابة هذا العام في حدود 335 ألف طن مقابل 340 ألف طن في الموسم المنقضي. وتعتبر الصابتان المتتاليتان قياسيتان إذ لم تتجاوز في السنتين السابقتين 289 ألف طن في 2018 و305 آلاف طن في 2017.

وقد بلغت عائدات التمور في الموسم الفارط حوالي 870 مليون دينار، وينتظر بلوغها ألف مليون دينار في هذا الموسم الجديد، ورغم هذه الأهمية وهذا الدور في الدورة الاقتصادية وفي جلب العملة الصعبة، فإنّ هذا القطاع ظل هامشيا في اعتبارات الدولة التونسية منذ قديم الزمان، وعدم اعتبارها للقطاع ولأهميته هو بصدد التفاقم مع الحكومات المتتالية بعد الثورة وهو ما انعكس ومايزال سلبا على الفلاحين وعلى الجهات التي يرتبط مجمل نشاطها بالنشاط الفلاحي أساسا وخاصة جهتي قبلي وتوزر. فرغم جودة التمور التونسية وعلى رأسها الدقلة، ورغم اتجاه منتوجنا إلى أكثر من 80 وجهة عالمية ليستهلكه أكثر من مليارين ونصف من البشر أي ثلث البشرية، إلاّ أنّ هذا القطاع ظل محتقرا ومهمشا، ولا أدلّ على ذلك هو عدم بعث المجمع المهني المشترك للتمور، والذي صدر قرار إحداثه منذ جوان 2018 بعد احتجاجات ومطالب متكررة من المعنيين بالقطاع، وعدم بعث هذا المجمع ليس له من تفسير آخر سوى رضوخ مؤسسات القرار لسلطة المافيا والاقتصاد الموازي الذي يتحكم فيه أباطرة التجارة والمال والأعمال وهم وجوه معروفة ومعلومة لدى الخاص والعام ليس في قطاع التمور فقط، بل في مجمل فروع الاقتصاد المنتج وغيره. ولئن كانت بقية قطاعات الفلاحة تعاني بدورها من سطوة هؤلاء، إلاّ أنّ الأمر في قطاع التمور أنكى وأشدّ، فهذا القطاع رغم وزنه ظلّ دون جهة تنظمه و لا تضبط مساراته ولا كيفيات ترويجه ولا حفظه وتخزينه بما فتح الباب مشرّعا أمام الخواص بجشعهم وأنانيتهم المفرطة. ففي الأيام الأخيرة مثلا ضبطت وزارة الفلاحة ومجمع الغلال سعرا مرجعيا للدقلة تمثل في 3.700مي للكلغ (شرموخ) و3.100مي للكلغ (بث) في الوقت الذي يباع الكلغ من الشرموخ في أسواق التفصيل المحلية بـ9.500مي على الأقل. والأمر لا يقف عند هذا الحد، فالسعر المعروض على أرض الإنتاج هو دون ما حددته الدولة بكثير (بين 2.000مي و2.500مي وفي أحسن الحالات 3.000مي)، علما وأنّ موسم الجني لم يبدأ بعد بما يهدد جديا الصابة ومالكيها، فمادة الدقلة هي مادة حساسة جدا يفترض أن يبدأ جنيها منذ بداية أكتوبر وهو لم يتمّ بعد، علما وأنّ موسم التخضير يبدأ عموما في سبتمبر وحتى قبل ذلك في عديد الحالات. وفلاحو الجهة يعرفون من يقف وراء ذلك وما المقصود به، فمن يقف وراء هذا العمل المنظم هي المافيا التي تتحكم في القطاع منذ زمن طويل، هم من يتحكمون في الأسعار وفي مسالك البيع والشراء والتوزيع، يتحكمون في كل تفاصيل العملية من ألفها إلى يائها، هم من يقررون ساعة انطلاق الموسع وساعة انتهائه مرورا بتوقفه، والموسم لم يبدأ حتى الآن حتى يتمكنوا من فرض الأسعار التي يريدون مستغلين حاجة الناس وحساسية البضاعة. وقد ضاعفت جائحة الكورونا أزمة القطاع، فصعوبات التصدير وصعوبات الترويج حتى في السوق الداخلية فضلا عن استحالة التخزين بالنسبة إلى الأغلبية الساحقة من الفلاحين الذين هم فقراء وصغار الفلاحين تعوزهم الحاجة، فالتخزين مكلف والحاجة للبيع وبأيّ ثمن هي ما يسهّل عملية استغلال الفرصة بالنسبة إلى السماسرة والمحتكرين وأصحاب المال. علما وأنّ فقراء الفلاحين كثيرا ما يبيعون محصولهم دون خلاص وكأنهم يتخلصون منه، وعديدة هي حالات عدم الخلاص من قبل “القشارة”. ضمن هذا الوضع البائس الذي يستمر لعقود متتالية، لا تتدخل الدولة ولا تحرك ساكنا، فيما يمارس اتحاد الفلاحين تواطؤا مفضوحا ليبقى فلاحو الدقلة بين مخالب كبار التجار وسندان الفقر وحساسية المحصول الذي يمكن أن يتلف بسبب الأمطار أو ارتفاع الحرارة أو هجوم العصافير.
لقد تحرك فلاحو جهتي قبلي وتوزر خاصة في الموسمين الفارطين، لكن هذه التحركات ظلت محدودة وغير منظمة ولم تحتكم للائحة مطالب واضحة وموحدة، ولئن تمّ فرض مطلب المجمع المهني المشترك، إلاّ أنّ تفعيله لم يتمّ. إنّ مدخل الخلاص هو أن ينتظم هؤلاء الفلاحون في أطر تعبّر فعلا عن مصالحهم ومطالبهم وتؤطر تحركاتهم لفرض مطالبهم وفي مقدمتها اليوم تكفل الدولة بشراء المحصول وتخزينه وتصديره وتوزيعه في السوق المحلية، إنّ هذه الخطوة تفيد الفلاح وتثمن جهده وتضرب منظومة الاقتصاد الموازي التي تدمّر اقتصاد البلاد وقدرة الفلاحين. هذا إضافة إلى كل مطالب القطاع من توفير مياه الري إلى توفير الأسمدة والأدوية والتغليف والتخزين، وصولا إلى استصلاح الأراضي وتوزيعها على مواطني الجهة وخاصة من الشباب وحاملي الشهادات وتشجيعهم على تطوير قدراتهم من خلال القروض الميسرة والإعانة الفنية، إنّ أرض قبلي وتوزر تحتضن الفلاحة العمودية (النخيل أساسا وأيضا الأشجار المثمرة)، وأيضا الزراعة الأفقية (الباكورات…) وتطوير هذا القطاع من شأنه أن يطور قدرات البلاد وإنتاجية الاقتصاد وتحقيق الثروة ومن ثمة سيادة البلاد واستقلالها الغذائي والاقتصادي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى