الرئيسية / صوت الوطن / المحكمة الدستورية من جديد
المحكمة الدستورية من جديد

المحكمة الدستورية من جديد

جيلاني الهمامي 

نظرت الجلسة العامة لمجلس النواب على امتداد يومي الأربعاء والخميس 7 و8 أكتوبر الجاري في مشروعي قانون لتنقيح القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المنظم للمحكمة الدستورية في محاولة جديدة لحل معضلة المحكمة الدستورية التي ينص الدستور في فصله 148 في باب الأحكام الانتقالية، النقطة الخامسة “يتم في أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ الانتخابات التشريعية إرساء المجلس الأعلى للقضاء، وفي أجل أقصاه سنة من هذه الانتخابات إرساء المحكمة الدستوري”.

ومعلوم أنّ هذا الأجل لم يقع احترامه من البرلمان طوال المدة النيابية 2014 – 2019. ومازال البرلمان حتى الآن وبعد انقضاء أكثر من ست سنوات لم يركز بعد هذه الهيئة التي تعتبر أهم وأعلى مؤسسة دستورية في البلاد. الإشكال هو أنّ القانون الأساسي للمحكمة نصّ على أنّ تركيبتها تتكون من 4 أعضاء ينتخبهم مجلس نواب الشعب و4 يعيّنهم المجلس الأعلى للقضاء و4 يعيّنهم رئيس الدولة. غير أنّ مجلس النواب لم يتمكن بعد تسع محاولات إلاّ من انتخاب واحد من الأعضاء الأربعة الذين يمثلونه في هيئة المحكمة والسبب في ذلك هو عدم حصول توافق بين الكتل البرلمانية يوفّر عدد الأصوات اللازمة (145 صوتا) لنجاح بقية الأعضاء. وما لم يقع انتخاب الأعضاء، ممثلو البرلمان لا يمكن تعيين بقية الأعضاء ممثلي المجلس الأعلى للقضاء من جهة ورئيس الدولة من جهة أخرى.

طوال المدة المنقضية منذ انتخابات 2014 قامت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين مقام المحكمة الدستورية للبتّ في الطعون في عدم دستورية بعض القوانين كما قامت مقامها فيما يتعلق بمعاينة الشغور في منصب رئيس الجمهورية إثر وفاة السيد الباجي قائد السبسي. ولكن في خلاف ذلك فإنّ غياب محكمة دستورية من شأنه أن يسبّب إشكاليات دستورية تزيد في تعقيد الأزمة السياسية التي تعيش البلاد على وقعها والتي تشير الكثير من المعطيات إلى أنها يمكن أن تفتح على مصادمات حادة بين مؤسسات الحكم. نعني بذلك الصراعات بين رئيسي الجمهورية والحكومة والتي كشفت في المدة الأخيرة عن نوع التنازع في الصلاحيات يبدو أنه سيصبح مع مرور الوقت إلى واحد من أبرز عناصر الأزمة السياسية في تونس.

للخروج من هذا المأزق كانت حكومة يوسف الشاهد تقدمت منذ أكثر من سنة بمقترح تعديل يقضي باعتماد الأغلبية المطلقة (109 صوتا) بدلا عن الأغلبية المعززة بالثلثين (145 صوتا). وفي المدة الأخيرة تقدمت الكتلة الديمقراطية في المجلس الحالي بمقترح تعديل يقضي بإلغاء كلمة “تباعا” من الفصل 10 من قانون ديسمبر 2015. هذه المقترحات لتسهيل عملية تركيز المحكمة الدستورية. ولكن ذلك لم يمنع بعض الكتل النيابية من الاعتراض عليها وعدم المشاركة في التصويت. لذلك فشلت الجلسة العامة مرة أخرى في توفير النصاب القانوني المطلوب (109) للمصادقة على ما اتفقت عليه لجنة التشريع العام.
مرة أخرى إذن يقع تأجيل حسم هذا الملف الذي لم يخرج من أنفاق التعطل إلى أجل غير مسمى.

لكن وبالنظر إلى الكثير من الاعتبارات السياسية الجديدة المرتبطة بنوعية الصراعات الجديدة/القديمة التي تشقّ أقطاب الحكم (الرئاسة والحكومة والبرلمان) فإنّ أجل غلق ملف المحكمة الدستورية لا يمكن أن يتأخر كثيرا. فالجميع في حاجة لهذه المؤسسة. فمن يفكر في الطعن في بعض القوانين، ومن يخطط لتنقيح الدستور وتغيير النظام السياسي، ومن يفكر في تنحية رئيس الجمهورية وغيرهم لن يمكنه تحقيق أيّ من هذه الأهداف في غياب المحكمة الدستورية. هذا والحال أنّ مثل هذه التطورات باتت واردة ولا شيء يمنع حصولها في ضوء ما تشهده علاقات طرفي السلطة التنفيذية من تعكرات.

غير أنْ حسابات الربح والخسارة في كل عملية تصويت مازالت تشكل عائقا رئيسيا أمام الانتهاء من اختيار بقية الأعضاء ممثلي البرلمان. فالتخفيض في نسبة الأغلبية المطلوبة (من الثلثين إلى الثلاثة أخماس إلى الأغلبية المطلقة) لا يمنع في نظر البعض من أن تكون هذه الكتلة أو تلك هي المستفيدة من عملية التصويت. هذه التخوفات دفعت مثلا بالكتلة الديمقراطية والدستوري الحر إلى عدم المشاركة في التصويت مساء يوم أمس الخميس 8 أكتوبر. والحقيقة أنّ حركة النهضة التي تبدي حماسها إلى تبني مقترح حكومة يوسف الشاهد وتدعو إلى التصويت على اعتماد اغلبية 109 فقط تطمح في أن ينجح مرشحوها بالنظر إلى كونها رشحت في كل اختصاص من الاختصاصات الثلاثة المتبقية مرشحا وحيدا. ومن هنا نادى البعض إلى عدم الاقتصار في تنقيح القانون عدد 50 لسنة 2015 على مسألة الأغلبية ومنهم من يطلب مثلا إلغاء ترشيح الكتل وجوانب أخرى من القانون.

الأكيد أنّ المعركة حول ممهدات تركيز المحكمة الدستورية ستستمر لفترة أخرى ولكنها لن تطول لأنّ استحقاقات أخرى لم يقع الإفصاح عنها بعد تضغط بكل قوة من أجل الانتهاء من هذه المسألة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى