الرئيسية / صوت الوطن / جغرافيا الغضب:
جغرافيا الغضب:

جغرافيا الغضب:

سهيل ميدمغ
ناشط حقوقي ومستشار بلدي- سوسة

… ونحن نعبر إلى مرحلة فتح البلاد تماما تحت عنوان “التعايش” مع الوباء، تتكشّف أكثر فأكثر حالة الوهن المُزمن في جميع القطاعات والتعطّل شبه التامّ للمُحرِّكات الاقتصادية.
وفي ظلّ هكذا ظروف، يُمكن القول أن أكثر الناس تفاؤلا ونكرانا للأزمة العميقة والشاملة، أصبحوا يؤكّدون السُّقوط الأخلاقي والقِيمي كنتيجة حتمية لاستشراء الفساد والمحسوبية.
المحسوبية والفساد عنوان الحكم:

كل الأرقام، بما فيها الرسميّة، تكشف أنّ تحالفات انتهازية ومتقلّبة قد عمّقت تغلغل الفساد والمحسوبية إلى مفاصل الدولة وإلى كل القطاعات الاقتصادية والمالية.
لاشكَّ في أنّ العديد من المتفائلين ترقَّبوا حوكمة محلية شفَّافة من شأنها تعبيد الطريق نحو مشاركة أوسع في تسيير الشأن المحلي. غير أنَّ تلك التحالفات بما اِنبنتْ عليه من انتهازية آل إلى إجهاض تلك الأهداف فعجزت المجالس البلدية المُنتخبة عن تلبية الحاجات المُلحة للسكان.

إنَّ التقارير التي أعدَّتْها دوائر مانحة، أو مُؤسسات الرقابة أو المُنظمات الناشطة في المجال، أكّدت أنّ برامج التشغيل التي عوَّلت عليها حكومات ما بعد 2011 والآليات المتعددة والمُتنوِّعة، قد تمَّ استغلالها من قبل النافذين المَحلِّيين الذين أربكوا نشاطها باختلاس الموارد المرصودة لهذه البرامج أو خلق وظائف زائفة أو كذلك توزيعهم للوظائف على علاقاتهم الشخصية وقواعدهم، مِعيارهم فقط الزَّبونيّة والولاء.

بالرغم من شعار التمييز الإيجابي، فإنّ إرادة أصحاب القرار قد انصرفت إلى عرقلة إنجاز استثمارات في المناطق “الدَّاخلية “، بل تطوّر الأمر إلى تعمُّد عرقلة مشاريع استثمارية وفي حالات عديدة وبعد احتدام الصِّراع بين “اللوبيات” ومجموعات النّفوذ حول مشاريع فتعمل كل مجموعة على الاستئثار بها وتعطّل إنجازها ما لم تحصد الغنائم منها.

أكيد أن للجائحة مَزِيّة كبيرة، فالعجز الذي تُعاني منه المُؤسّسات الصحية العمومية كشف بشكل واضح لا يحتمل الريبة بأن التحالفات التي مسكت السلطة بعد 2011، أعادت إنتاج ذات التحالف الاجتماعي الذي حافظ عليه “بورقيبة” ومن بعده “بن علي” فقد تميزت العقود السّابقة بمساندتهما لمنظومة سلطوية تقوم على التقاء الفساد والاستبداد.

التحالفات الانتهازية أسلوب حكم:
في الظرف الذي مرَّت فيه البلاد من حالة تحالف كامل بين الفساد والاستبداد إلى تعالي الأصوات المُطالبة بالشغل والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، كانت حركة النهضة، الحِزب الأكثر تنظّما وانتشارا يستعدُّ بخطاب شعبوي يخلط الأضداد ويجمع المتناقضات.

شاهد الجميع تحوّل حزب حركة النهضة من الدعوة إلى القطع مع الماضي، إلى استيعابه والتطبيع معه وقبوله بل ورسكلته.
لعل من غير الخافي على المُتابع الفطن، أنّ ما كان بالأمس القريب من مُواجهات بين النهضة والمنظومة القديمة عاد توافقًا وتعايشًا سُرعان ما تُوّج بحكم “الطائر بجناحين”، أي النهضة والنداء.
إن التحالف بين النهضة والنداء لم يكن هو التحالف الوحيد بعد 2011، ولا هو الأوّل، فقط لأنّه الأبرز إلى حدِّ الآن. ومن نتائجه المباشرة ترك الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية على الرفِّ وقبر الأحلام بمساعي حثيثة لغلق قوس الثورة.

عادت رموز النظام السَّابق إلى المُشاركة في الحُكم سواء من بوَّابة “التقنوقراط ” و”الكفاءات” أو بعنوان تقاسم السُّلطة مع النهضة التي روَّجت للبراغماتية السياسية والتحالفات الإنتهازية، وهي بذلك مسؤولة عن تواصل نهب الثروات. فلا إصلاح جبائي ولا إصلاح زراعيّ وفلاحي ولا قطع مع اقتصاد الرِّيع والرأسمال العميل.

قد يكون للكوفيد 19 المُستجد فضلا، رغمًا عنه، على تطور الأوضاع وتحوّل المِزاج العام من مُجرّد الشعور بالغضب إلى قلب الطاولة وكنسِ كُلّ مُعطِّلات المسار الثوري وفتح آفاق جديدة، من أجل الشغل والحرية والعدالة الاجتماعية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى