الرئيسية / صوت العالم / ترسانة القوانين المعادية للحرّيّات والعمّال والمهاجرين: مظهر من مظاهر أزمة النّظام الفرنسي
ترسانة القوانين المعادية للحرّيّات والعمّال والمهاجرين: مظهر من مظاهر أزمة النّظام الفرنسي

ترسانة القوانين المعادية للحرّيّات والعمّال والمهاجرين: مظهر من مظاهر أزمة النّظام الفرنسي

زياد بن عبد الجليل

عرفت فرنسا نهاية الأسبوع الفارط موجة من الاحتجاجات ضد العنف البوليسي المتصاعد ضد المهاجرين والمواطنين على حدّ سواء وضد ما يعرف بالفصل 24 من قانون “الأمن الشامل” المعروض حاليا على البرلمان الفرنسي. وقد شارك أكثر من نصف مليون متظاهر في كل أرجاء فرنسا في هذه المسيرات رغم حظر الحكومة لها بحجة فرض حالة الطوارئ الصحية وتطبيق إجراءات الحجر الصحي العام الذي يلزم المواطنين بالبقاء في منازلهم وعدم الخروج إلاّ لقضاء حاجات أكيدة بسبب انتشار العدوى في البلاد. إنّ هذه المظاهرات التي جاءت ردّا على مشروع قانون الأمن الشامل قد تكون جولة أولى من حركة اجتماعية عارمة تعتمل داخل الفئات الشعبية التي ترزح تحت وطأة أزمة شاملة.

الوضع العام في فرنسا: أزمة متعدّدة الأبعاد
تعرف فرنسا أزمة سياسية عميقة، وهي تهزّ ماكرون وحزبه وكذلك مؤسسات الجمهورية الخامسة ومنظومة الاتحاد الأوروبي ككل. ومن المظاهر الجليّة لهذه الأزمة السياسية العامة في فرنسا مقاطعة أكثر من نصف الناخبين الانتخابات الرئاسية السابقة التي فاز فيها ماكرون أمام مرشحة اليمين المتطرف في الدور الثاني، والمقاطعة التاريخية للانتخابات البلدية الأخيرة في منتصف 2020 (والتي كان للجائحة الصحية أيضا دور في قلة الإقبال عليها)، ومقاطعة الشباب للأحزاب والنقابات، والفضائح السياسية للمسؤولين السياسيين الفرنسيين (المحاكمات الجارية لساركوزي وعدد من الوزراء والمسؤولين المحليين في قضايا فساد وتجاوز سلطة). ويبدو أنّ الخناق يضيق أكثر فأكثر على الرئيس وحزبه، حيث تأخّر حزب “فرنسا إلى الأمام” الذي أسّسه ماكرون للوصول إلى الرئاسة عن حزب الجمهوريين اليميني وعن حزب الخضر وحتى عن أحزاب اليسار في الانتخابات البلدية في منتصف 2020، ولم يظفر إلاّ بـ3 بلديات من جملة الـ41 بلدية كبرى في فرنسا (التي يفوق عدد سكانها الـ100 ألف نسمة)، كما أنّ هذا الحزب يعرف تعطلا لهياكله ويشهد انسحابات وانشقاقات من كتلته النيابية ذات الأداء الهزيل، على نحو يذكّرنا بحزب قلب تونس. كما عمّ التخبّط الفريقين الحكوميين السابق والحالي، سواء فيما يخص إدارة أزمة وباء الكورونا في فرنسا أو إدارة الشأن السياسي العام (تناقض بين رئيس الحكومة السابق ورئيس الجمهورية حول الإجراءات الصحية في الموجة الأولى، عدم تنسيق بين رئيس الحكومة الحالي والأغلبية الرئاسية حول تنقيح الفصل 24 من قانون الأمن الشامل مؤخرا).

وتتغذى الأزمة السياسية في فرنسا من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها كل دول المركز الرأسمالي المتخبطة في وحل كساد يلازم الاقتصاد العالمي منذ، 2008، حيث لم تسجل فرنسا نسبة نمو تفوق 2.4 بالمائة منذ 2007. وقد زادت الجائحة الصحية الأمور تعقيدا، إذ من المتوقع أن ينكمش الناتج الداخلي الخام في فرنسا بنسبة 8 بالمائة هذه السنة وهو ما يتجاوز بكثير الانكماش الذي عرفه الاقتصاد في قلب أزمة 2008 حين تراجع الناتج الداخلي الخام بـ3 بالمائة. كما تلوح في الأفق المنظور نذر انهيار مالي كبير في فرنسا وفي العالم إثر تسارع عمليات المضاربة وارتفاع مؤشرات البورصة منذ الصيف الفارط، بما ضخّم القيمة المالية المتداولة في البورصات إلى حجم يفوق إجمالي الناتج الداخلي الخام للكوكب، في سياق واقع اقتصاد عالمي مهدد بانكماش يقارب الـ5 بالمائة في 2020.

وكنتيجة للأزمتين الاقتصادية والسياسية، تشهد البلاد أزمة اجتماعية مطبقة لم يفلح ماكرون في نزع فتيلها، حيث تعرف البلاد هبات احتجاجية دورية ومتسارعة انطلقت من قبل صعود ماكرون إلى الحكم مع المظاهرات المناهضة لمجلة الشغل في عهد الرئيس “الإشتراكي” فرنسوا هولاند (2016)، ثم تواصلت مع احتجاجات “السترات الصفراء” التي اندلعت بعد زيادة أسعار المحروقات في 2018، لتتجذّر مع المدّ العمالي والنقابي ضدّ مقترح تعديل قانون التقاعد في أواخر 2019. كما لم تهدأ الإضرابات في مختلف قطاعات الوظيفة العمومية احتجاجا على تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي وغلق عديد المرافق الأساسية في الجهات والضواحي الفقيرة. إنّ الأزمة الاجتماعية ستتعمق وستشمل قطاعات واسعة من الفئات الشعبية والبورجوازية الصغيرة، خاصة مع عزم الأعراف طرد العمال والموظفين في عديد القطاعات متذرّعين بالأزمة الصحية، وتقدّر الحكومة أنّ حوالي مليون عامل سيتعرّضون للطرد في كل القطاعات خلال 2021 من ذلك عمال قطاع النقل الجوي: Airbus: 5 آلاف عامل وموظف في فرنسا، Air France: حوالي 7500 عامل وموظف، Daher: 1300، مطارات باريس 700؛ صناعة السيارات: رينو 4600 عامل وموظف في فرنسا، فاليو تجميد الأجور، بريدجستون حوالي 860؛ قطاعات أخرى: Elior (المطاعم) حوالي 1900، نوكيا 1200، BFMTV et RMC 245، Auchan Retail France : 1475، Alinea 1000، Camaïeu 400، TUI France 317، La Halle 2500.

إنّ الحراك الاجتماعي مرشح إذن للتصاعد كنتيجة حتمية لـ:الإنكماش الاقتصادي الكبير؛ وطرد العمال والموظفين؛ وانسداد آفاق الشغل للشباب والمرأة وأصحاب الشهادات؛ والإجراءات اللاّشعبية للحكومة الفرنسية التي أغدقت على الأعراف مساعدات مالية فاقت 400 مليار يورو في الوقت الذي تتواطأ معهم في طرد العمال وتعمل على ضرب منظومة التقاعد والتأمين الصحي والتأمين على البطالة والمرافق الأساسية العمومية من صحة ونقل وتعليم. إنّ مؤشر ثقة الفرنسيين في المستقبل تتدهور وفق دراسة حديثة لمعهد الإحصاء والمعطيات الاقتصادية (Insee)، حيث ارتفع تخوف المواطنين من البطالة إلى مستويات تقارب تلك المسجلة خلال الأزمة الاقتصادية في 2008، ومن المتوقع حسب نفس المصدر أن تستفحل أزمة الفقر في بلاد بلغت نسبة الفقراء فيها سنة 2018 حوالي 14.8 بالمائة من السكان، وأعدادهم في ارتفاع متواصل مؤخرا حسب الجمعيات الخيرية، حيث ازداد الطلب على المساعدات الغذائية بنسبة 30 بالمائة في خريف 2020 مقارنة بـ2019.

الخروج من الأزمة على حساب الحرّيّات والعمّال والفئات الشّعبيّة والمهاجرين
يبدو أنّ الرئيس الفرنسي وحكومته، الذين لم يقتصدوا في ممارسة العنف على المتظاهرين خلال تحركات السترات الصفراء والتحركات المناهضة لتعديل نظام التقاعد، يعدّون العدة منذ الآن لمواجهة الغضب الاجتماعي المرتقب وذلك بتعزيز الترسانة القانونية الزجرية وتمرير عدد من القوانين السالبة لحرية التعبير والمُطلِقة ليد الشرطة على المتظاهرين. لم ينفكّ النظام الفرنسي يعمل على ضرب حق التظاهر وبقية الحقوق والحريات العامة عبر إصدار نصوص قانونية متتالية وسابقة زمنيا لعدد من الإجراءات اللاشعبية، ومنها: قانون “الأمن الداخلي ومقاومة الإرهاب” في 2017 والذي يصبغ عددا من أحكام حالة الطوارئ الاستثنائية بصبغة القانون العادي؛ وقانون “مقاومة الشغب في المظاهرات” في أفريل 2019 الذي يمعن في التضييق على المتظاهرين؛ وقانون “حالة الطوارئ الصحية” في أفريل 2020 الذي يحد من حق الاجتماع والتظاهر.

أمّا اليوم فإنّ الأغلبية الرئاسية وحلفاءها يحثّون الخطى لتمرير قانون “الأمن الشامل” الذي تذكّرنا فصول منه بقانون زجر الاعتداء على البوليس في تونس، وهي تفتح الباب على التضييق على حرية التعبير والإعلام والتظاهر؛ وتعميم أساليب مراقبة أمنية تنتهك المعطيات الشخصية؛ والتفريط في جزء من اختصاصات الشرطة للقطاع الخاص.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأغلبية الرئاسية لم تتردد في دسّ فصول تنتهك الحريات العامة وتضرب حق التظاهر في عدد من القوانين الأخرى، حيث صادقت في القانون الجديد المنظم للبحث العلمي في فرنسا على فصل ينصّ على معاقبة كل من يعطّل “السير العادي” للجامعات بالسجن بين سنة و3 سنوات.

هذا ويتأكد يوما بعد يوم انتهاج الحكومة الحالية لسياسة بوليسية قمعية تبرز للعيان من خلال العنف البوليسي المسلط على التحركات الاجتماعية وعلى المهاجرين وخاصة أولئك المحرومين من وثائق الإقامة (حادثة فض مخيم للمهاجرين في باريس أواخر شهر نوفمبر، فض مخيمات المهاجرين بالقوة المفرطة في كالي، حادثة الاعتداء البوليسي العنصري على ميشال زكلار في باريس أواخر شهر نوفمبر).

ومن ناحية أخرى لم يتوقف الرئيس الفرنسي عن إثارة الجدل حول حقوق المهاجرين للتعمية على الأزمة الهيكلية للنظام الفرنسي وللخروج من أزمته السياسية. حيث حاول طرح قضايا متعلقة بالمهاجرين منذ سنة 2018 في مناخ يتميز بتصاعد الجريمة ووصم المهاجرين بها وتصاعد العمليات الإرهابية داخل الترابي الفرنسي منذ 2012 (كان أعنفها في سنة 2015 وآخرها جزّ رأس الأستاذ الفرنسي صامويل باتي وقتل مصلّين في كنيسة بنيس في أكتوبر 2020). لكن تحركات “السترات الصفراء” في 2018 باغتت الرئيس وفرضت عليه عرض تأجيل الخوض في مسألة الهجرة.

ثم أعاد الرئيس الفرنسي إثارة النقاش حول المهاجرين وحقوقهم من زاوية نظر يمينية صرفة منذ العودة السياسية في سبتمبر 2019 في مناخ يتميز بتصاعد العنف ضد المسلمين (عملية حرق مسجد في بايون، تهجّم رئيس بلدية يميني على امرأة تلبس الحجاب في مدينة بيزيه، محاولة الجمهوريين تمرير قانون يحجّر لبس الحجاب لأمهات التلاميذ)، ولمّح حينها إلى واجب “التحكم في الهجرة” وإدارة “المشاكل” المتعلقة بالمهاجرين في فرنسا.

لقد كانت الغاية في ذلك الوقت هو التعمية على تمرير تنقيح قانون التقاعد كهدف مباشر واستمالة ناخبي اليمين واليمين المتطرف استعدادا للانتخابات البلدية في ربيع 2020 والانتخابات العامة في 2022 كهدف استراتيجي. لكنّ الحراك النقابي والاجتماعي المناهض لمشروع تنقيح قانون التقاعد فوّت على ماكرون الفرصة مرة أخرى وفرض الصراع حول المسائل الاجتماعية والاقتصادية على النظام. أمّا اليوم، فيبدو أنّ ماكرون مصرّ على ركوب موجة اليمين الصاعد والمناهض للمهاجرين بطرحه لقانون مناهضة “المدّ الانفصالي الإسلامي”.

وقد طرح الرئيس الفرنسي أفكاره حول القانون في خطاب مطوّل يوم 2 أكتوبر 2020 نقد فيه الإسلام السياسي بشكل لاذع رغم دعم فرنسا المباشر لأحزاب الإسلام السياسي في تونس والمغرب وتدخّله العسكري لصالحها في ليبيا وسوريا، وسمح فيه لنفسه بالخوض في الشأن الداخلي التونسي، وطرح فيه مبادرته التي يزعم أنها ترنو إلى تعزيز العلمانية وأسس الجمهورية في فرنسا، وذلك عبر ما اعتبره آليات لضمان حياد المرافق العمومية والسلط المحلية وإلزام الجمعيات باحترام ضوابط العلمانية ومبادئ الجمهورية.

وبالنظر إلى سياق الأزمة العامة في فرنسا فإنّ هذه المبادرة ما هي إلاّ محاولة لابتزاز الفرنسيّين والمهاجرين وتخييرهم بين أمنهم وسلامتهم وبين الديمقراطية المحلية وحرية التنظم في جمعيات وحرية المعتقد، ولن يكون هذا القانون المنتظر إلاّ سلاحا من جملة العتاد القانوني الذي يعدّه النظام لمواجهة الغضب الاجتماعي المرتقب.

إنّ الأزمة في فرنسا شاملة وإنّ التوتر الاجتماعي وتململ الطبقات الشعبية فيها هي عين المشاهدة وليس ضربا من التخمين والتنبّؤ. وإنّ هذا التململ مرشح للتحول إلى غضب واسع النطاق قريبا نظرا لتهاوي الاقتصاد؛ وتوسّع الإحساس بالحيف لدى قطاعات واسعة من الفئات الشعبية ومن البورجوازية الصغيرة؛ وعجز النظام الفرنسي عن حل المعضلات التي تواجهه اقتصاديا واجتماعيا وحتى مؤسساتيا، مما يجعل من فرضية اندلاع حركة اجتماعية جديدة وأعنف من سابقاتها مسألة وقت لا غير.

إنّ الجالية التونسية، من تونسيين ومزدوجي الجنسية، تنتمي في أغلبها إلى الفئات العمالية والشعبية في فرنسا، وإنّ من مصلحتها الانخراط في المقاومة الاجتماعية التي تتشكّل لمواجهة هجمة النظام الفرنسي على قوت الفرنسيين وحرياتهم. إنّ واعز هذا الانخراط يجب أن يكون الدفاع عن المصالح المادية للجالية ورفض إقحام النظام لهويتها العربية الإسلامية في مخطط ضرب الحريات والتعمية على تواطئه مع تيارات الإسلام السياسي في فرنسا والوطن العربي وإفريقيا جنوب الصحراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى