أخبار عاجلة
الرئيسية / ملفات / الذكرى 35 لتأسيس حزب العمال / 10 سنوات من المسار الثوري 10 سنوات من النضال
10 سنوات من المسار الثوري 10 سنوات من النضال

10 سنوات من المسار الثوري 10 سنوات من النضال

علي البعزاوي 

لئن لعب حزب العمال دورا مهما في الإطاحة برأس الدكتاتورية سواء من خلال النضالات الخاصة والمشتركة على مختلف الواجهات التي راكمت ومهدت لثورة الشعب التونسي أو من خلال الحضور الميداني وسط الجماهير المنتفضة خلال الثورة، فإنّ الحصيلة كانت دون المنتظر حيث وقفت الثورة التونسية في مستوى إسقاط الدكتاتورية وتحقيق الحريات السياسية دون المساس بالجوهر الطبقي للنظام. إذ استمر حكم البورجوازية الكبيرة العميلة بنفس الخيارات القديمة التي ثار ضدها الشعب التونسي على أمل تحقيق مطالبه المزمنة في الشغل والحرية والكرامة الوطنية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

لقد مثلت الأحزاب والمجموعات الفائزة في مختلف الانتخابات والحكومات التي تشكلت منذ 2012 إلى اليوم، بدءً بحكومة الترويكا وانتهاء بحكومة المشيشي، الأدوات السياسية والعملية المكرسة للخيارات المذكورة من خلال ميزانيات تقشف تعتمد بالأساس على التداين الخارجي والضغط على الأجور ودهورة الخدمات الأساسية من صحة وثقافة وتعليم وبيئة… فجاءت النتائج كارثية على مختلف الأصعدة وباتت البلاد اليوم، كمحصلة لهذه الخيارات اللاشعبية واللاوطنية، على حافة الإفلاس.

هذه الأوضاع فرضت على حزب العمال مواصلة نضالاته بنفس الروح الكفاحية بهدف تصحيح المسار وتحقيق أهداف الثورة وخدمة مصالح الأغلبية. وقد سارع في خطوة أولى بمعية قوى سياسية أخرى إلى تكتيل القوى ورص صفوف الطيف السياسي الثوري والتقدمي بعد خيبة انتخابات المجلس التأسيسي فكان ميلاد الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة التي خاضت المعارك مركزيا وجهويا وقطاعيا إلى جانب الشعب وخاصة النساء والشباب ضد سياسات التجويع والتهميش والمطالبة بالتدقيق في ديون البلاد الخارجية وبناء اقتصاد منتج وتنمية جهوية عادلة وبمحاسبة من أجرموا في حق الشعب ورد الاعتبار لضحايا القمع النوفمبري وتطهير المؤسسات من عناصر الاستبداد والفساد.

وتمثلت الخطوة النضالية الثانية في التصدي لمساعي أخونة المجتمع سواء من خلال إطلاق العنان لنشاطات الجماعات الظلامية التكفيرية التي وجدت الدعم والسند الضروريين من حكومة الترويكا فأثثت الخيمات الدعوية ونظمت عمليات الاعتداء على الصحافيين والمثقفين والسياسيين والمعطلين عن العمل وحاولت تعطيل عديد الأنشطة في مختلف القطاعات واحتلت وسائل الإعلام لبثّ سمومها وضرب كل ما له علاقة بالدولة المدنية. ونفذت الاغتيالات التي طالت قياديين في الجبهة الشعبية، أو من خلال التصدي لمساعي الترويكا فرض دستورها الظلامي سيء الذكر على المجتمع (دستور 1 جوان) بتأسيس جبهة الإنقاذ وتأثيث اعتصام الرحيل بساحة باردو. لقد كانت الجبهة الشعبية وحزب العمال سبّاقين إلى هذا الشكل من العمل المشترك. والهدف هو توسيع الصفوف وحشد الطاقات من أجل تحقيق مهمات مباشرة يمكن أن تساعد على التقدم نحو تحقيق أهداف أكثر أهمية.. وكانت النتيجة سقوط حكومة النهضة وحلّ تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي وسنّ دستور ديمقراطي يضمن مدنية الدولة والمساواة بين التونسيين والحريات السياسية للشعب واستقلال القضاء… وهي مكاسب لا تقل اهمية – بالنظر للظروف والمناخات التي تحققت فيها- عن إسقاط الدكتاتور بن علي وحلّ حزب الفاشية التجمع الدستوري الديمقراطي سيء الذكر.

لقد لعب حزب العمال دورا أساسيا في إنقاذ الثورة ووضع البلاد على سكة الدولة المدنية الديمقراطية وتخليصها من براثن الظلامية المتجلببة بالدين التي لا تقلّ خطورة وعمالة عن حزب التجمع.

وقد تُوجت هذه الإنجازات بخوض غمار انتخابات 2014 بقائمات مشتركة بين مكونات الجبهة الشعبية في كل الدوائر الانتخابية وفوزها بالمرتبة الثالثة في التشريعية (15 نائبة ونائب من جملة 217) والرئاسية. والأهم من هذه النتيجة هو الصراع المفتوح الذي قادته القائمات الانتخابية للتعريف ببرنامجها وخياراتها المختلفة عن المشروع الليبرالي بنسختيه الظلامية والحداثية المزيفة. ورغم ما شاب الانتخابات الرئاسية من هنات ونقاط ضعف فقد استطاع مرشح حزب العمال والجبهة الشعبية الرفيق حمة الهمامي التعبير بكثافة عن جوهر المشروع الوطني الديمقراطي الشعبي المختلف جذريا عن باقي المشاريع ولف طيف واسع من التونسيات والتونسيين شبابا ونساء وشيوخا حوله. وقد لعب شباب حزب العمال ومناضلاته ومناضلوه دورا تاريخيا مهما في إعلاء كلمة هذا المشروع والتعريف به على نطاق واسع مستغلين ما حققته ثورة الشعب التونسي من حريات سياسية على أفضل وجه.

وقد تزامنت هذه النضالات على مختلف الواجهات مع التفاعل المستمر إزاء مختلف المستجدات والملفات والقضايا بإصدار البيانات والنصوص والمقالات والفيديوهات لتوضيح مواقف الحزب حول قوانين المالية واتفاقيات القروض والخضوع الرسمي لإملاءات صناديق النهب الاستعماري والسكوت الرسمي عن جرائم التطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتقالات التي تطال المحتجين والمدونين وحملات التكفير والشيطنة ومساعي المصالحة مع الفاسدين وناهبي المال العام والتحريض ضد أصحاب الرأي المخالف والهجمات الممنهجة من قبل الميليشيات المأجورة ضد الاتحاد العام التونسي للشغل من أجل إخضاعه بالقوة… ويمكن القول إنّ حزب العمال لم يترك قضية أو حدثا وطنيا وعالميا إلاّ وتناولها بالدرس واتخذ إزاءها مواقف واضحة وجريئة لا تقبل المهادنة.

لقد شكل هذا النضال الدؤوب والمتماسك خطرا سياسيا على مصالح القوى الاستعمارية وأدواتها المحلية التي انطلقت في التآمر على الجبهة الشعبية من أجل تفكيكها وضربها في المهد قبل أن تصبح قوة بديلة قادرة على العصف بالمنظومة. وكان أول المستهدفين حزب العمال باعتباره القوة الثورية الأهم داخل الجبهة وأمينه العام حمة الهمامي الذي كان عرضة للشيطنة والتشوية والتآمر عملا بالشعار الشعبي القائل “اضرب الراس تنشف العروق”. إنّ المستهدف في الحقيقة لم يكن شخص حمة الهمامي بل المشروع برمته وهو ما نجحت فيه لاحقا الرجعية الحاكمة حيث لعبت دورا أساسيا في إضعاف وتفكيك الجبهة بخلق العديد من بؤر التوتر والصراع داخلها مستغلة حلقاتها الأضعف.

إنّ ما أحرزته الرجعية مهم لكنه مؤقت وظرفي لأنّ حزب العمال سينهض من جديد بعد إجراء عملية تقييم موضوعي لتجربة العمل المشترك و للأسباب الجوهرية للفشل الانتخابي من أجل استخلاص الدروس. هذه المحطة التقييمية الداخلية التي خاضها الحزب مركزيا وجهويا بكل موضوعية لا تقلّ أهمية عن باقي واجهات الصراع لأنها ساعدت على كشف مواطن الضعف والوهن من أجل معالجتها والعودة إلى النضال على أسس سليمة والتعويل أساسا على قدراته الذاتية. وهو ما سنلمسه من خلال التعاطي مع جائحة كورونا في طورها الأول حيث بعث الحزب خلية البحث العلمي لمتابعة التطور الوبائي ورصد انعكاساته على المجتمع وعلى العمال والكادحين. وانطلق مناضلوه مركزيا وجهويا في تأثيث الحملات الدعائية لكشف مخططات الرجعية الحاكمة وسلوكها المنحاز ضد الشعب لصالح كبار السماسرة. وقدم الحزب البدائل الاقتصادية والاجتماعية والمالية للتخفيف من تداعيات الوباء .وانخرط مناضلوه في مجمل الأنشطة الميدانية سواء في اطار المستشارين البلديين او منظمات الحزب الجماهيرية ( اتحاد الشباب – مساواة ) ولعبوا دورا لا يستهان به في التواصل مع المواطنات والمواطنين وتعبئتهم من اجل التوقي من الجائحة بالتزام الإجراءات الصحية الضرورية وفي نفس الوقت فضح تعامل الحكومة بمكيالين حيث دعمت بسخاء المؤسسات الكبرى وكبار رجال الاعمال تحت غطاء الحفاظ على المؤسسات وعلى مواطن الشغل وقدمت في هذا الاطار القروض والاعفاءات التي لا علاقة لها أحيانا بالوباء( تأجيل خلاص الديون الجبائية لكبار الراسماليين لمدة 7 سنوات- مساعدات بلا حساب للباعثين العقاريين…)وفي المقابل غض الطرف عن مساعدة العمال والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى الذين اضطرتهم الجائحة الى تحمل الجوع وعدم القدرة على خلاص الكراء والماء والكهرباء والعيش في ظروف عادية.

لقد لعب حزب العمال دورا دعائيا مهما ساهم في كشف وتعرية الانحياز الطبقي المفضوح لمنظومة الحكم المعبرة طبقيا عن مصالح كبار السماسرة على حساب الأغلبية الشعبية التي زادتها الجائحة فقرا وتهميشا لكنها لم تلق العناية الدنيا وتركت لمصيرها.ولم يكتف بذلك بل لعب دورا هاما بمعية قوى أخرى في تأسيس المبادرة الوطنية لمجابهة تداعيات كورونا والهدف هو كالعادة تكتيل القوى من أجل توسيع التأثير في الواقع خدمة لمصالح الأغلبية الشعبية التي حملتها الرجعية الحاكمة في كل المحطات تبعات فشل خياراتها. وستشهد تجربة المبادرة المذكورة قفزة نوعية مع الطور الثاني من الوباء حيث تقدمت الى الشعب ببيان سياسي وخطوط عريضة للإنقاذ من تداعيات الوباء تحت اسم ” المبادرة الوطنية لتصحيح مسار الثورة ” وهو بمثابة الانتقال من مجرد عمل يساعد على الخروج من الأزمة الوبائية إلى مبادرة سياسية حقيقية تهدف إلى تجاوز المنظومة الحاكمة باعتبارها منظومة عاجزة وفاشلة غير قادرة على توفير الحلول الضرورية للخروج من الأزمة التي هي بالأساس أزمة خيارات.

إنّ المبادرة الوطنية لتصحيح مسار الثورة بما تضمّنته من تنوّع حزبي وجمعياتي إلى جانب الشخصيات الوطنية -وهي مفتوحة لكل القوى المتباينة مع المنظومتين القديمة والحاكمة حاليا – تؤشر على أنّ القوى الثورية والتقدمية انتقلت من طور الدفاع ومحاولات ترميم المعنويات وإعادة تنظيم الصفوف إلى مرحلة جديدة من العمل النضالي تتسم بطابع هجومي يستهدف المنظومة سياسيا وبرنامجيا وفي كل المستويات والهدف هو المراكمة والانغراس والالتحام بالاحتجاجات والنضالات الجماهيرية لفرض تغييرات عميقة خادمة لمصالح الأغلبية الشعبية.

وإلى جانب العمل المشترك كثّف حزب العمال من أنشطته الميدانية الخاصة أولا بتعليق لافتات في أغلب الجهات تحمل شعار “وباء كورونا + ميزانية الحكومة = القتل العمد + التفقير” وفي مرحلة ثانية أطلق حملة معلقات تحمل جملة من الشعارات بإمضاء الحزب ثم في مرحلة ثالثة إطلاق حملة “طاق” على الجدران تحمل شعار “ديقاج- السلطة للشعب بامضاء حزب العمال” والهدف هو إعادة الاعتبار للهوية البصرية للحزب وشد انتباه الرأي العام وإبطال مساعي فسخه من المشهد العام.

إنّ المرحلة الحالية التي تتميز بإفلاس منظومة الحكم وعجزها عن إيجاد الحلول والمعالجات الضرورية هي موضوعيا مرحلة القوى الثورية والتقدمية وفي مقدمتها حزب العمال باعتباره الحزب الأكثر خبرة وتجربة نضالية وبالتالي فهو مطالب بتحمل مسؤولياته تجاه الشعب والوطن، من خلال تفعيل مناضليه وأنصاره ومنظماته القطاعية وتسليحها بأدوات العمل الضرورية ومن خلال تجميع الطيف الديمقراطي المعارض على قاعدة مهمات وأعمال مشتركة وبرنامج إنقاذ يتبلور تباعا وفي خضمّ النضال اليومي، من شأنها المراكمة على طريق التغييرات العميقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى