الرئيسية / أقلام / مصطفى القلعي: الاعتراف التونسي بحكومتين في ليبيا خطأ ديبلوماسي خطير..!
مصطفى القلعي: الاعتراف التونسي بحكومتين في ليبيا خطأ ديبلوماسي خطير..!

مصطفى القلعي: الاعتراف التونسي بحكومتين في ليبيا خطأ ديبلوماسي خطير..!

مصطحول الأوضاع في ليبيا وكيفيّة تعاطي الحكومة التونسيّة معها، سياسيّا ودبلوماسيّا، كتب ل”صوت الشّعب” الباحث السياسي مصطفى القلعي:

ليبيا هي الساحة الخلفيّة لتونس، فتونس تأكل من ليبيا وليبيا تأكل من تونس أيضا. ولئن لم تتدخّل ليبيا رسميّا في الشأن التونسي أثناء ثورة 17 ديسمبر 2010/ 14 جانفي 2011 التي أطاحت ببن علي صديق القذافي، فإنّ تونس تدخّلت رسميّا في ليبيا بعد 14 جانفي 2011. فرغم ضغط اللاجئين المهول الذي تحمّلته تونس بسبب الحرب الليبيّة، وجدت الحكومة التونسيّة المؤقّتة حينها الوقت والجهد لتبذله في التدخّل في الشأن الليبي الداخلي مساندة للأطراف المعارضة للنظام الليبي الذي كان قائما.

المهمّ أنّ التعاطي التونسي مع الشأن الليبي حينها لم يكن مسؤولا ولا مدروسا ولا خاضعا لرؤية استراتيجيّة مقنعة تضع مصلحة تونس فوق كلّ اعتبار وتستشرف تبعات الموقف على المدى المتوسّط والبعيد.

فالحكومة التونسيّة حينها دسّت رأسها بين قدميها حتى لا ترى خطر ملايين قطع السلاح المنتشرة بسخاء بين الليبيّين بل ساهمت في مضاعفة هذا العدد ويسّرت دخول مستعمليه من المغامرين والمتآمرين حتى على أمن تونس من الذين لم يجدوا بعد ضالتهم هنا. ويبدو أنّ موقف الحكومة التونسية وقتها كان تنفيذا لتعليمات أجنبيّة مفادها تيسير إيصال السلاح القادم من دول المناولة النفطيّة العربيّة ومن دول غربيّة لها مطامع في الثروة الليبيّة إلى المقاتلين المعارضين لنظام القذافي عبر الموانئ والمعابر التونسية.

اليوم، وقد صارت ليبيا منذ 17 فبراير 2011 ساحة مشرّعة على كلّ الاحتمالات بما فيها احتمالات تخريب الدولة الليبيّة وتفكيك وحدتها وتقسيمها إلى دولتين، تتواجد في ليبيا حكومتان وبرلمانان وجيشان؛ حكومة شرعيّة منتخبة في طبرق وأخرى منتهية في طرابلس رفضت أن تتخلّى. ومع هذا اختارت الحكومة التونسيّة أن تكون لها تمثيليّة ديبلوماسيّة عند كلّ واحدة من الحكومتين الليبيّتين، وهو ما يعني أنّ تونس تعترف بشرعيّة الحومتين معا رغم أنّ الحكومة التونسيّة تستمدّ شرعيّتها من الانتخابات ولكنّها في الجانب الليبي تعترف بحكومة غير منتخبة وتحرج الحكومة المنتخبة.

في هذا التعاطي جملة من المشاكل لا أدري كيف فكّرت فيهما السلط التونسيّة. المشكلة الأولى متّصلة بالأعراف الديبلوماسيّة إذ أنّه لم يسبق أن اعترفت دولة بحكومتين لدولة واحدة فما بالك بدولة جارة تجمعنا بها روابط متينة وهي تمرّ بأزمة. المشكلة الثانية تتمثّل في طبيعة التنسيق بين السفارتين في كلّ من طبرق وطرابلس. كيف ستتواصلان؟ وكيف ستنسّقان وهما بين حكومتين منقطعتين متنازعتين على السلطة؟ بل الأخطر أن تكون البعثة الديبلوماسيّة في طبرق هدفا للأطراف المسلّحة الموالية لحكومة طرابلس والعكس صحيح!

المشكلة الثالثة أنّ حكومة طبرق الشرعيّة برئاسة عبد الله الثني لن تقبل اعتراف تونس بالحكومة غير الشرعيّة في طرابلس لأنّ فيه اعتراضا على الشرعيّة الانتخابيّة وخروجا على الإجماع الدولي. كما أنّ الاعتراف بحكومة غير شرعيّة وغير معترف بها ومدعومة من المليشيات قد يدفع الحكومة الليبيّة إلى التفكير في التعامل بالمثل. وقد ترفض حكومة طبرق استقبال البعثة الديبلوماسية التونسيّة بما يخلق أزمة ديبلوماسيّة بين البلدين قد تجدها الأطراف المتحالفة مع نداء تونس في الحكم ذريعة لدفع الحكومة التونسيّة إلى الاكتفاء بالتعامل مع حكومة طرابلس غير الشرعيّة. وهو ما يخدم أجندا فجر ليبيا وزعيمها بلحاج وحلفائه من إخوان تونس.

المشكلة الرابعة أنّ الموقف التونسي المعترف بحكومتين متنازعتين على السلطة في الدولة الليبية يشتّت جهود دول الجوار في مقاومة الإرهاب ومحاصرته في ليبيا. ولذلك سارع وزير الخارجيّة المصري بزيارة تونس واستنكر وزير الإعلام الليبي موقف الحكومة التونسيّة.

المشكلة الخامسة أنّ الموقف التونسي ليس وليد تكتيك ديبلوماسي وإنّما يبدو أنّه وليد خضوع لضغط مليشيات فجر ليبيا الإخوانيّة الموالية لعبد الحكيم بلحاج والمتواجدة على الحدود الغربيّة لليبيا مع تونس في زوارة والزاوية خاصّة حيث توجد كثافة كبرى في المبادلات التجاريّة التونسيّة الليبيّة. ويبدو أنّ تحرّك مليشيات فجر ليبيا غايته ابتزاز الموقف التونسي وإجبار السلط التونسيّة على تعديل موقفها من الشرعيّة في ليبيا بقوّة السلاح والانتشار الميداني وتهديد أمن التونسيّين.

والواضح أنّ لهذه المليشيات أطرافا داعمة في تونس سرعان ما خطّطت لتأجيج الأوضاع في المناطق الحدوديّة لاسيما في بن قردان والذهيبة لإرباك الحكومة التونسيّة العاجزة إلى حدّ الآن عن تقديم بديلها التنموي بفعل افتقارها له أصلا. ولم تجد هذه الأطراف حرجا في التواجد على الميدان بين المحتجّين لتدعو الحكومة التونسيّة إلى ما تريده مليشيات فجر ليبيا بل لتتكلّم باسمها مطالبة السلطات التونسيّة بالاعتراف بحكومة طرابلس أو على الأقل بالتزام الحياد أمام صمت السلط التونسية وعجزها عن الردّ. والغريب هو سرعة وقوع الحكومة التونسيّة تحت الضغط ونجاح الأطراف المعادية في فرض مخطّطها على الإرادة التونسيّة.

المشكلة السادسة والأخطر من سابقاتها هي أنّ قرارا مثل الذي اتّخذته الحكومة التونسيّة هو بمثابة حجر الأساس في مخطّط تقسيم ليبيا الذي تعدّ له جملة من الجهات المتآمرة إقليميّا ودوليّا. وتونس للأسف ستكون آليّة لتنفيذ هذا المخطّط القذر الذي يستهدف وحدة الشعب الليبي وتماسك أراضيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×