الرئيسية / أقلام / سالم بن يحيى: “الشراكة قطاع عام قطاع خاص” سرقة موصوفة ونهب
سالم بن يحيى: “الشراكة قطاع عام قطاع خاص” سرقة موصوفة ونهب

سالم بن يحيى: “الشراكة قطاع عام قطاع خاص” سرقة موصوفة ونهب

الموضوع الذي أطرحه للنقاش اليوم شديد الخطورة. إنّه موضوع قانون الشراكة الذي أصرّت الحكومات المتعاقبة،بطلب ملحّ من صندوق النقد الدولي، على تمريره منذ 2011. أخيرا أقرت لجنة المالية يوم 13 أكتوبر 2015 هذا النص و إحالته على الجلسة العامة.
“الشراكة قطاع عام-قطاع خاص” منظومة اقتصادية ليبرالية ترعرعت وعاثت فسادا في مصائر العمال في بريطانيا في أواخر ثمانينات القرن العشرين في عهد رئيسة الوزراء “مارغريت تتشر”. منظّرو هذه العقيدة الاقتصادية يرفضون امتلاك الدولة للقطاعات الإنتاجية (حتى وان كانت إستراتجية و رابحة) ويرفضون تدخل الدولة في القطاعات الاجتماعية مثل التعليم والصحّة والنقل الخ… فقاموا، كلّما اعتلوا سدّة الحكم، بخصخصة هذه القطاعات، فزادت معاناة الشغالين والمفقرين من بريطانيا إلى الأرجنتين والشيلي مرورا بالكوت ديفوار وتونس واليونان.
نشأت “الشراكة” بين القطاع العام والخاص في أوروبا في فترة استفحلت فيها البطالة والتهميش وبرزت خلالها النضالات الشعبية التي أجبرت البورجوازيات الحاكمة إلى استنباط سبل وأشكال جديدة ومغلفة للتخلص من الدين العمومي في قطاعات الخدمات (تعليم، صحة، بريد، نقل).
حكومات السبسي والجبالي ولعريض ومهدي جمعة الانتقاليّة وحكومة الصيد بعد فشلها الذريع في حلّ مشاكل التونسيين لم يبق لها غير التطبيق الأعمى لكل الوصفات التي تردها من دوائر الهيمنة والنهب الدولية مثل صندوق النقد و البنك الدولي. هي اليوم، ونظرا لصعوبة الوضع الاقتصادي، تكبّل البلاد ديونا وتقرّر خصخصة باقي القطاعات وتعيد هيكلة المؤسسات العمومية حسب إجراء تسميه “الشّراكة” بين القطاع العمومي والقطاع الخاص واليوم تضغط حكومة الصّيد بكل قوّة من أجل تمرير قانون من خلال التصويت عليه في مجلس نواب الشعب .. والخاص في ظاهره إلى وضع الإطار يهدف قانون الشراكة قطاع عام / قطاع خاص إلى ضبط الإطار العام لعقود الشراكة بينهما، وضبط المبادئ العامة لإبرامها وتنفيذها ومراقبتها وفسخها… لكنّه لا يجيب على السؤال الأساسي : لماذا هذه الشراكة ؟

أن مشروع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ليس خيارا تونسيا، بل يدخل في إطار المقترحات الصادرة عن المؤّسسات الماليّة العالميّة كشرط لإسناد القروض أنّ المشروع هو من المقترحات الّتي تندرج ضمن برنامج الإصلاح الهيكلي الّذي أملاه صندوق النّقد الدولي على الحكومة التونسية والّتي لا بدّ لها أن تتقيّد به. إنّ هذا القانون يدفع بالبلاد نحو خصخصة القطاع العام لفائدة الخواص،وستنتج عن ذلك حتما تبعات اجتماعيّة خطيرة على مستوى عيش المواطنين، وسيثقل كاهل الفئات الضّعيفة والمتوسّطة الدّخل.
تمثلت “شراكة” القطاعين العام والخاص في بريطانيا والمانيا وفرنسا والكوت ديفوار والعراق وسوريا والمغرب ومصر إلى حدّ الآن في أن تتخلّى الدولة عن بناء المستشفيات والملاعب الرياضية والمواني والمدارس والمعاهد والجامعات وإقامة الطرقات وتفوّض تمويل وبناء واستغلال ذلك إلى الشركات الخاصة مقابل كراء سنويّ تدفعه الدولة لتلك المنشآت لمدة 20 أو 30 سنة.
كل منظمات المجتمع المدني في هذه البلدان تقرّ الآن أنّ العملية تمّت في أغلب الحالات بتكاليف تفوت من خمسين إلى ثمانين بالمائة قيمة التكاليف العادية لإنشاء مثل هذه المباني وإنّ تكاليف صيانتها واستغلالها مجحفة. في العديد من البلدان، مثل تركيا، سلمت الدولة تجهيزات عمومية مثل الطرق السيارة والقناطر والمواني والمطارات والمعاهد بأثمان بخسة للخواص الذين أصبحوا في الكثير من الحالات ملاكا، بعد التحويرات والإضافات التي أقاموها في المنشآت العمومية.
العملية بكل بساطة اتّفاق تقوم به الدولة التونسية مع رأسمالي قطري أو فرنسي أو ألماني على بناء مستشفى أو كلية أو مدرسة ابتدائية في أي مدينة تونسية بتكلفة قدرها مثلا 150 مليون دينار مقابل دفع الدولة كراء سنويا قدره 10 مليون دينار كل سنة لمدة 30 سنة وتضيف على ذلك مصاريف الصيانة والإصلاحات.

ستمكن هذه العملية الدولة الادّعاء أنها لا ديون لها وتسمح للمتنفذين المحليين والأجانب من نهب البلاد. اتفاقات الشراكة ستشمل أيضا المنشآت القديمة من محطات توليد الطاقة وشبكات توزيع الماء والمستشفيات والمعاهد الثانوية والكليات والأراضي الفلاحية وشركات النقل وغيرها من المرافق العامة.
إنّ الادعاء بأنّ نجاعة التسيير هي حكر على القطاع الخاص فكرة كاذبة لكثرة الأمثلة من المؤسسات العمومية الصناعية والبنوك والوحدات الفلاحية والتجارية الناجحة والجيدة التسيير في العديد من بلدان العالم وفي تونس أيضا. الهدف الوحيد من مشروع ال”شراكة”بين القطاع العام والخاص هو خصخصة من تبقى من القطاعات العامة وإعطائها للخواص الأجانب والمحليين بأبخس الأسعار وتمكين هؤلاء من اكتساح ميادين جديدة ينهبون فيها مدخرات بلادنا وينهكون فيها مفقري تونس وكادحيها.

أعدّه: سالم بن يحيى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×