الرئيسية / أقلام / خيارات الحكومة خطر على الشّعب أكثر من فيروس “الكورونا”
خيارات الحكومة خطر على الشّعب أكثر من فيروس “الكورونا”

خيارات الحكومة خطر على الشّعب أكثر من فيروس “الكورونا”

الصحّة العمومية في تونس، كما جلّ القطاعات العمومية، تعيش التهميش الممنهج والمتواصل في ظلّ منظومة حكم ورِثت العجز والفشل.

ومع أزمة “كوفيد 19″، هذا الوباء الذي يجتاح العالم ويحصد المئات من الموتى – تتّجه كلّ الأنظار إلى هذا القطاع الحيوي، قطاع الصحّة، والذي، إن اعتُبِر أحد مؤشّرات تطور الشعوب وتقدّمها، أو تخلّفها وتبعيّتها، فهو في تونس، مع هذه الجائحة، تعرّى تماما، وظهرت كلّ عيوبه. إنّه الأكثر تهميشا نتيجة السّياسات والخيارات اللّاوطنية واللاّشعبية التي ما تزال تنتهجها الحكومات الرجعيّة المتعاقبة.

وسرعان ما تقفز إلى الأذهان تلك الأسئلة المزمنة، ماذا يعيق قطاع الصحّة في تونس عن النهوض؟ ما الذي يكبّل إنقاذ هذا القطاع المهمّ الذي يقصده المواطن لاجئا ضدّ الأمراض والأوبئة؟

إنّ تراجع قطاع الصحة في تونس هو نتاج لسببين إثنين: أوّلهما هو غياب الإرادة السياسية لتطوير هذا القطاع، فلا توجد في أجندات القائمين على تدبير أمور البلاد ما يفيد أنهم يضعون ضمن أولويّاتهم إصلاح هذا المرفق بما يجعله لخدمة الناس، كلّ الناس دون تمييز.
ففي مجال البُنى التحتيّة، تعاني المستشفيات العمومية من عديد النقائص في المعدّات والتّجهيزات، ناهيك عن النّقص الفادح في الأدوية وارتفاع كلفتها في الغالب. وقد تكرّست في تونس منذ عقود المركزة المشطّة أحيانا التي كرّستها الحكومات المتعاقبة وجعلت من بعض المستشفيات الداخلية معزولة بشكل تامّ عن المؤسّسات الصّحية الجامعية، ناهيك عن انعدام طبّ الاختصاص في أغلب الجهات.

هذا الوضع، إلى جانب ظروف العمل بهذه المؤسّسات العموميّة وخاصّة بالمناطق الداّخلية، ساهم بشكلٍ كبيرٍ في تفشّي ظاهرة هجرة الأطباء، حيث ارتفع عدد الأطباء المهاجرين بعد الثورة، وبحسب ما أكّده رئيس عمادة الأطبّاء السّابق منير مقني، فقد غادر البلاد نحو وجهات مختلفة وخاصة أوروبا ودول الخليج قرابة 45 % من الأطبّاء التونسيين الجدد المسجّلين في هيئة الأطبّاء لسنة 2017. وأكّد أنّ نسبة الهجرة شهدت ارتفاعا من 6% سنة 2013 إلى 45% سنة 2017، أي بما يعادل 460 طبيبا في سنة واحدة.

وفي تصريح إعلامي سابق أكّد وزير الصحة المستقيل عبد الرؤوف الشريف أنّ فرنسا وحدها استقطبت بين سنتي 2017 و2018 أكثر من 700 طبيب تونسي. والجدير بالذّكر أنّ هذه الأرقام لم تشهد تراجعا، بل تواصلت في التّصاعد سنة 2019.

وبطبيعة الحال فإنّ خرّيج الطب يجد نفسه بين مطرقة البطالة وسندان العمل بالمناطق الداخلية وبالأجر البخس وهو ما يدفعه إلى الهجرة نحو مناخات أكثر ملاءمة. وما يزيد من دهْورة هذا القطاع أنّ أغلب هاته الهجرات لا تتمّ في إطار تعاونٍ دوليٍّ أو بعثة دولية، أين تكون عمليات الهجرة بشكل منظّم باتفاقيات تعاون بين الدول وتكون مضبوطة بعقود وبآجال (ثلاث سنوات في الخارج مثلا ثم العودة إلى الوطن)، ولكن العكس هو ما يحدث.
ثاني هذه الأسباب التي حكمت على قطاع الصحة بالوهن هو ضعف الاعتمادات المرصودة لوزارة الصحة ضمن ميزانية الدّولة، خاصة إذا قارنّاها بباقي الاعتمادات (المخصصة لتسديد القروض وفوائضها…) أو بباقي الوزارات (الدفاع والداخلية…) وهو ما يَحُول دون هيكلة هذا المرفق وإدخال تغييرات جوهريّة على البنية التحيّة أو التجهيزات والمعدّات أو الموارد البشريّة، من أطباء وأعوان شبه طبيّين، ولا أيضا سيمكّن من دفع عجلة البحوث والتجديد التكنولوجي في هذا المجال.

إضافة إلى أنّ مسألة الحوكمة داخل الوزارة وهياكلها والمستشفيات وترشيدها بقيت مجرّد شعارات انتخابويّة أو للتّباهي الاتّصالي لوزراء الصحة ورؤساء الحكومات والأحزاب الواقفة خلفهم. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة أخطاء طبية كثيرة وبعضها ترتقي إلى مستوى الجرائم (قضيّة البنج، الوفاة المسترابة لمجموعة من الرضّع، قضيّة اللوالب الفاسدة…)، بل إنّ أخبار الفساد وسوء التصرّف أصبحت خبزا يوميّا… وكأنّ البلاد بلا رقيبٍ ولا حسيبٍ.

إنّ تشخيصنا لواقع القطاع الصحي بالبلاد لا يجب أن يحجب عنّا العِلّة الأساسيّة وراء اهترائه وتأزّمه، وهو السّعي المحموم للحكومات المتعاقبة، دون استثناء، للتفريط المفضوح في هذا القطاع لينهشه الخواص، أصحاب رؤوس الأموال، الذي لا يهمّهم غير الرّبح والرّبح الأقصى، على حساب حاجة الناس الحياتيّة للتداوي والعلاج، وهو ما أصبح بعيد المنال في واقع يعربد فيه المتنفّذون ماليّا وسياسيّا، وأمام ارتفاع تكاليف الحياة والإعاشة. وهو ما خلق بشكل صارخ وحادّ: صحّة للأغنياء وأخرى للفقراء.

أمّا ونحن نعيش على وقع جائحة، مازلنا نجهل نهاياتها، خاصة وأن التوصّل إلى لقاح غير معلوم الأجل، فإنّه من واجبنا، ليس فقط أن نحافظ على صحتنا وصحّة ذوينا باتّباع التوصيات والتوجيهات المعلومة للجميع، ولكن من واجبنا أيضا أن نكون يقظين إزاء الادّعاءات الواهية والبطولات المزعومة للقائمين على أمور الدّولة، خاصة وأنّ تصريحات متعدّدة بين هذا المسؤول وذاك تصل حدّ التناقض والتعارض (فيما يتعلّق عن حقيقة الوضع، عن اتّجاه تطوّر الوضع، عن ضرورة مواصلة الحجر الصحّي من عدمه…)

إنّ الواقع اليوم، وما كشفه وباء “الكورونا” من تأزّم قطاع الصحة العموميّة، مثله مثل كل القطاعات الحيويّة التي تخلّت عنها الدّولة وتركتها لقمة سائغة لعبدة رأس المال، يجعلنا أمام حقيقة تفقأ العين، فلا يمكن أن تكون هناك عدالة اجتماعيّة في ظلّ هذا الانخرام وفي ظلّ هذه العربدة وهذا التردّد والارتباك في مواجهة مخرّبي البلاد ومصّاصي دماء الشعب. وربّ ضارّة نافعة: ما بعد الكرورونا، لا يجب أن يكون كما قبلها.

محمد العلوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى