الرئيسية / أقلام / الحاضر والمستقبل: كورونا يدفعنا إلى التفكير…
الحاضر والمستقبل: كورونا يدفعنا إلى التفكير…

الحاضر والمستقبل: كورونا يدفعنا إلى التفكير…

عندما ستسألنا الأجيال القادمة عن فيروس كورونا وتطلب إجابة شافية ومختصرة، ربما سنقول “إنها قصّة حساء خفّاش في حيّ صيني، تسبّب في أزمة عالمية شاملة ومتعدّدة الأبعاد.. !”. إنّنا لا نبالغ عندما نقول أزمة عالمية شاملة، فهذا الفيروس قد عطّل المواصلات العالمية وأبطأ من وتيرة الأنشطة الصّناعية والتجارية وضرب البورصات وأسواق المال وتسبّب في انهيار أسعار النفط والمحروقات وأوقف معظم الأنشطة السياحية والخدْماتيّة والثقافية والتّرفيهية وأغلق الجامعات والمدارس (التي لم تغلق منذ الحرب العالمية الثّانية) وتسبّب في ملازمة حوالي نصف سكان العالم لمنازلهم، ولا أحد يدرك إلى الآن متى سينتهي وأين سيقف، خاصّة في ظلّ تواصل انتشار العدوى وحصد الأرواح البشريّة بلا رحمة. سلافوي جيجك في مقاله الأخير بصدد كورونا تحدّث عن كون فيروس ميكروسكوبي أو كارثة طبيعية (مثل الفوران البركاني في إيسلندا وما تبعه من توقّف لحركة المواصلات في أوروبا) قادرة على إثبات أنّ الانسان لا يزال مجرّد نوع من الأنواع العديدة للكائنات الحيّة في الأرض وهو لا يزال غير متحكّم بالطبيعة رغم ما وصله من تقدّم تكنولوجي وعلمي. لقد أسال فيروس كورونا الكثير من الحِبر وهو لا يزال محطّ نقاش أهل السّياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم من مختلف الاختصاصات، فأيُّ دروسٍ يمكن أن نستخلصها منه؟

1 – فشل العولمة:

يمكننا أن نقتبس عبارة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الكبير إيدغار موران حول أن “العولمة هي تشابك وترابط فاقد للتضامن”، ونفهمها بمعنى أنها تقتصر على ترابط اقتصادي وتكنولوجي منفعيٍّ يهمل الجوانب الأخلاقية والقِيمية ولا يُعير التعدّد الثقافي والإثْني أيّة قيمة. إذ أن العولمة ليست إلّا عولمة رأس المال والسّوق وربط خيوط تصدير وتوريد للخامات والسّلع والخدمات داخل نسيج اقتصادي امبرياليّ عالميّ عابرٍ للحدود والثقافات ومُتعالٍ عن القيم والأخلاق الإنسانية. وفي حين يتحدّث بعض الخبراء عن عولمة على شكل جديد، كأحد الحلول “السحرية” للمستقبل، نطرح نحن مشروع شيوعية القرن الواحد والعشرين، المستفيدة من تقييمات وأخطاء التّجارب الاشتراكية والعُمّالية في القرن العشرين، كمشروعٍ لنظام اقتصادي-اجتماعي-سياسي-قيمي عالمي مبنيّ على الأنسنة والتّضامن الأممي والتنظيم التّعاوني للإنتاج والتّوزيع والتبادل والتّسيير الديمقراطي الذاتي، في سبيل إقامة المجتمع البشريّ المتجاوز لتقسيمات الهيمنة الطبقية والجَنْدريّة والعِرقية والقوميّة وغيرها من تقسيمات الهيمنة والتسلّط واضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان.

2 – فشل الرّأسمالية والنّيوليبرالية ونظريّة “نهاية التاريخ”:

من حسن حظ “فرانسيس فوكوياما” أنّه تراجع عن مقولاته بـ”نهاية التاريخ” قبل أن يتحوّل كورونا إلى كابوسٍ في الدول الغربيّة (الولايات المتّحدة الأمريكية والمملكة المتّحدة وفرنسا وإيطاليا…الخ)، والتي لطالما تباهتْ بنموذجها اللّيبرالي سياسةً واقتصادًا.

في مقابلة مع قناة “دي اي آم” حول جائحة كورونا، يقول المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي “الأزمة بدأت بفشلٍ هائلٍ من قِبل اقتصاد السّوق، ما يشير إلى مشاكل أساسية في النظام الاقتصادي والاجتماعي، والذي يزداد سوءً عبر وباءِ النّيوليبرالية…” .ففي الرأسمالية واقتصاد السّوق يتمّ تقديم جَنْي الأرباح على الحفاظ على الأرواح وتتعمّق الفوارق الطبقيّة والاجتماعية أكثر فأكثر .إن مؤشّرات الاقتصاد العالمي (كمؤشّر المديونيّة الذي يظهر أنّ الدّيْن العالمي تجاوز الـ253 تريليون دولار، أي أكثر من 3 أضعاف النّاتج العالمي الخام!) ومؤشرات توزيع الثروة العالمية (حوالي 1% يمتلكون تقريبا نصف ثروة العالم، في حين يعيش مليار شخص تحت خطّ الفقر المتعدّد الأوجه حسب تقارير كريدت سويس بانك وأوكسفام) تؤكّد لنا أنّ الرأسمالية مُنتفِخة بالتناقضات والأزمات ومحْقونة بخليطٍ من المسكّنات والمنشّطات المالية والنقدية ولا يمكن تكهّن تبعات انفجارها…

3 – نهاية الشّكل الغرب-مركزي للعالم الامبرياليّ ومخاض جغرافيا سياسيّة واقتصادية جديدة:

نعني بالعالم الغرب-مركزي العالم الذي يتمركز حول الامبريالية الغربية كقطب أوْحد. إنّ هذا العالم الذي تزعّمته الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن ورِثته عن بريطانيا، قد تلقّى ضرباتٍ عديدة لعلّ أهمّها وأقساها أزمة 2008-2007 ولعل آخرها “كوفيد 19”. يتساءل البعض حول ما إذا كانت الأمور ستعود إلى “طبيعتها” بعد الأزمة الحاليّة، وفي الحقيقة لم أجد كإجابة أفضل من عبارة المؤرّخ الماركسي فيجاي براشاند “لا يمكن أن يعود الوضع إلى طبيعته لأنّ شكله الطبيعيّ هو المشكل”.

إنّ الإعلان عن نهاية العالم الأُحادي القطبيّة ومشروع الهيمنة المطلقة للغرب(westernization) ليس بالجديد، إذ أنّ هنالك مشروعا مناهضا للغرب بصدد الصّعود لا يقلّ قوّةً وبطشًا بزعامة الصّين وروسيا (Dewesternization)، وسيكون العقد الثالث من الألفيّة الثالثة مسرح الصّراع بين القطب الغربي والقطب المضادّ للغرب والقوى الإقليمية الباحثة عن تموقُعٍ في جغرافيا سياسيّة واقتصادية متغيّرة، مثل الهند والبرازيل وتركيا وإيران.

إنّ دراسة المؤشرات الاقتصادية تدلّ على تراجع الدول الغربية الكبرى في النّمو الاقتصادي والحصص من النّاتج العالمي الخام والتّجارة الخارجية والأدفاق المالية، كما أن منظّمات مثل البريكس وتعاونيّة شنغاي تعمل كفضاءَات لإنتاج سياساتٍ ماليّة ونقديّة مضادّة لسطوة الدّولار ونفوذ الصّناديق الدولية. إن المشروعين بنظرنا لا يختلفان، بل إنهما وجهان لعملة واحدة حيث يتشاركان المضامين الامبرياليّة مع اختلافات شكليّة في الأساليب والأدوات والخطاب.

4 – انتصار آخر للفكر المادّي على الفكر المثالي: العلم يتوسّع على حساب الجهل والخرافة :

“كورونا فيروس” لا يعترف بالمفاهيم والأفكار البشريّة المعقّدة.. إنّه يستهدف الجسم البشريّ بغضّ النظر عن ديانة صاحبه أو جنسيّته أو لونه أو عمره أو ثقافته أو صفاته.. في وضعيّتنا هذه، لا يقف العقل الدينيّ المتشدّد عاجزًا مرة أخرى عن فهم وتفسير الظواهر المختلفة بل إنّه يتعامل بعنصريّة وتكبّرٍ مُثيريْن للاشمئزاز! إذ يعتبر المتشدّد أنه من “الفِرقة النّاجية” والأخيرة وأنّ الكورونا هي غضبٌ إلاهيٌّ على الزّنادقة والكفرة وغيرها من الصّفات، في حين تقدِّم لنا المَخَابر العلميّة تقارير وبياناتٍ كاملة عن طبيعة الفيروس وتكوينه الجينيّ وأسلوب عيْشه وطرق العدوى به لتبنِي على هذه التحاليل والتّفسيرات جُملة من الإجراءَات الصحّية للوقاية والحماية. في مقابل هذا نجد تفسيرات غريبة من مختلف الأديان، حيث فسّر بعض اليهود المتشدّدين أن الكورونا إحدى إشارات هبوط المسيح، وعلّله آخرون بكثرة “الشّذوذ الجنسي”، أمّا المسلمون المتشدّدون فقد دعوا بشكلٍ يثير السّخرية، إلى مسيرات تكبير ولعْنٍ للفيروس في خرقٍ للحجر الصحّي وجهلٍ تام بشروطه وأهدافه.

حقا إنّ على المتشدّدين من المتديّنين، أولئك الذين لم يستَوْعبوا أهمّية العلم وأولويّته أن يتلقّوا دروسا في علم الأعصاب والبيولوجي والسّيكولوجي حتى يفهموا كيف تشتغل أدمغتهم المُغلقة ويُصلِحوها..!

أما أصحاب نظرية المؤامرة فقد جاءتهم الإجابة من عدّة مراكزَ ومعاهد طبيّة، وعلى رأسها معهد سكريبس للأبحاث والعلوم الطبية في كاليفورنيا، حيث أعلن علماء وباحثون في علوم الإحياء والمناعة بعد دراسة الفيروس وتحليل تسلسله الجيني، عن عدم وجود أي هندسة جينيّة لكورونا وأنه نِتاج الظروف المناخية والطبيعية وأنّه تطوّر كتأقلم مع المتغيّرات البيئيّة، وهم يرجّحون كون فيروس كورونا مثله مثل الفيروس التّاجي الذي سبقه “سارس” قد انتقل من مضيف حيواني إلى البشر.

5 – علاقة الإنسان بالطبيعة… ملفٌّ يحتاج إلى انتباه أكبر:

لم تعدْ المسألة البيئيّة مسألة خاصّةٍ بنُخبٍ مثقّفة أو بمجموعاتٍ متعاطفةٍ مع الطبيعة والكائنات الحيّة، بل تحوّلت اليوم إلى رهانٍ حيويّ وتحدٍّ حقيقيّ للبشرية. ولا يمكن تفسير الاضطرابات البيئيّة التي نعيشها، مثل الفيضانات وموْجات الحرّ والجفاف واضطراب الفصول، إلّا كنتاجٍ طبيعيٍّ للنظام الرأسمالي العالمي وما يُسبّبه من تلوّثٍ بيئيٍّ واستنزافٍ للموارد الطبيعية واحتباسٍ حراريٍّ. منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي أخذت الأوبئة والجوائح والأمراض تزداد أكثر فأكثر، من جنون البقر1986، إلى سارس 2003، وفيروسات الأنفلونزا الحيوانية المنشأ مثل أنفلونزا الطّيور وانفلونزا الخنازير 2009، إلى إيبولا 2014 وصولا إلى كورونا اليوم.

ورد في دراسة هامّة للأستاذ والباحث محمد الشرقاوي، أنّه “منذ عام 2009، تمّ الإعلان عن حالات طوارئ الصحّة العامّة خمس مرّاتٍ على نطاق عالمي: جائحة إنفلونزا الخنازير عام 2009، وشلل الأطفال عام 2014، وإيبولا في غرب إفريقيا عام 2014، واندلاع فيروس زيكا عام 2015، واندلاعٍ آخر لإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 2019. ورصَد خبراء منظّمة الصحة العالمية حدوث 1483 انتشارٍ وبائيٍّ في 172 دولة بين 2011 و2018. واعتبرت المنظّمة تلك الحوادث بمثابة مؤشّرات على حقبة جديدة من الأوبئة شديدة التأثير والانتشار السّريع، وحذّرت من التّهديد الموْثوق تمامًا لمسبّبات الجهاز التنفسي التي تؤدّي في نهاية المطاف إلى كارثة بيولوجيّة عالمية يمكن أن “تتسبَّب في وفاة حوالي 50 إلى 80 مليون شخص وتدمير ما يصل إلى 5 في المائة من الاقتصاد العالمي، فضلًا عن التسبُّب في عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي”. وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على الخلل الكبير في النظام الغذائيّ للبشر المتأثّر بثقافة الاستهلاك وبالمنتوجات الغذائية التي هي نتيجة الزّراعة الرأسمالية (الأسمدة الكيميائية والتّحوير الجينيّ للنباتات والبذور وتسمين الماشية الخ…) وبالتّهديدات الجدّية التي تُسبِّبها الرأسمالية للمناخ والبيئة والتنوّع النباتي والحيواني على كوكبنا. يكفي أن ننظر إلى المداجن الأمريكية الكبرى في الغرب الأمريكي وطريقة تربية الدّواجن حتّى نفهم سبب ظهور انفلونزا الطيور في 2015.. يكفي أن ننظر إلى الأسواق المركزيّة للحيوانات واللّحوم الحيوانيّة في الصّين (ووهان ووانغدونغ مثالا) حتى نفهم كيف تتوفّر الأرضيّة لانتقال الفيروسات بينيًّا بين الحيوانات ومن الحيوانات إلى البشر. إنّ الزراعة الرأسماليّة وطرق التّصنيع الغذائي والتجارة لا تُدمّر البيئة وتعزّز تكاثر الفيروسات فحسب، بل إن لها ارْتدادات على النظام الغذائي والمناعي للإنسان أيضا.

تونس وكورونا.. أيّ مستقبل؟

لا تمثّل بلادنا استثناءً من كلّ ما ذكرناها بل إنها معنيّة كذلك بكلّ هذا بحكم ارتباطها بالنظام الاقتصادي والسّياسي العالمي وبحكم أنّها ترزح تحت ضغوط القِوى الامبرياليّة الغربية وإملاءَات صناديقها المالية العالمية، ويبدو أن جائحة كورونا جاءت لتزيد من تعميق الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي تمرّ بها تونس مثل سائر الدّول التّابعة والشّبه مستعمرة، ولتعرِّي الوجه القبيح للصحّة العمومية في تونس والأوضاع التي وصلت إليها )يمكنكم الاطّلاع على مقال للرفيق لطفي الهمامي على موقع صوت الشعب بعنوان “ما بعد الوباء: يتطلّب قطيعة شاملة مع منظومة الصّحة الحاليّة” وأيضا مقالنا على نفس الموقع بعنوان “كوفيد19: من أزمة صحيّة إلى أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة”).

لن نخصّص هذا الجزء من مقالنا لتعداد مظاهر الأزمة العامّة وعواملها، فقد وقف حزب العمال من خلال بياناته والوثائق الصّادرة عنه على أهمّها، كما عزّزها بمجموعة من الدّراسات ومقترحات الإجراءَات البديلة لتدارك الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية. هذا بالإضافة إلى مجموعة نصوص كتبها أصدقاء الحزب وأنصاره. إنّنا سنخصص هذا الجزء لتحديد بعض أهمّ الاستخلاصات على المستوى الوطني من أجل بناء مرحلة جديدة مغايرة للسابق:

– تأكّد فشل الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تمّ اتّباعها لأكثر من ربع قرن:

لا يبدو هناك أفقًا ومخرجًا للخيارات وللسّياسات الحالية وللمنظومة الاقتصادية الاجتماعية الحالية. إننا نعيش فترة ركودٍ اقتصادي لا يتجاوز فيها النّمو الاقتصادي تقريبا للسّنة الثانية الـ1%؛ وتقتصر الأنشطة الاقتصادية أساسا على استخراج الفسفاط وعلى نشاط فلاحي هزيل يرتكز على الزّيتون والتمور والقوارص وعلى خدمات سياحيّة وأنشطة تجاريّة استهلاكية (مطاعم ومقاهي ومتاجر تفصيل..الخ) ويمثّل التوريد المكثّف والعشوائي بالإضافة إلى التّهريب والسوق السّوداء آفةً تنخر البنية الاقتصادية الهشّة أصلا. أضف إلى هذا التفكّك التدريجي لنسيجنا الصناعي منذ توقيع اتّفاقية التبادل الحر مع الاتّحاد الاوروبي في تسعينات القرن الماضي (خسرت تونس حسب الإحصائيات الرسمية حوالي 55% من نسيجها الصناعي منذ توقيع الاتفاقية) .وما يزيد صعوبة الوضع الاقتصادي هو التّداين المُفرط للدولة داخليّا وخارجيّا، إذ تجاوزت نسبة الدّين الـ80% من مجموع ما ينتجه التونسيّون جميعا خاصّة بعد فصل البنك المركزي عن الدولة.

الفشل الاقتصادي رافقه فشل اجتماعيّ، حيث كشف الفيروس عن حجم تآكل منظومة الصحّة العمومية لأكثر من 3 عقود وهشاشة منظومة التأمين الاجتماعي وعمّق من تكلفة المعيشة ونِسب الفقر والحاجة وهو يهدّد بانهيارٍ اقتصادي واجتماعي كامل في الأفق قد يليه انفجار شعبيّ…

– خطر الخوصصة:

لقد سلّط الفيروس الضّوء على الواقع المتردّي لمنظومة الصحّة العمومية، وأثبت أنّ القطاعات الحيويّة مثل الصحّة والتعليم بالإضافة إلى الصناعات الأساسية لا يجب أن تتمّ خوصصتها باعتبارها قطاعات استراتيجية يعتمد عليها الشّعب في بقاءها، لا فقط في الأزمات، بل وحتى في الفترات العادية .إنّ الخوصصة في قطاع الصحة والتعليم خاصّة يعني إعادة إنتاج التّفاوت الطبقي والاجتماعي في مجالين حيويّين واستراتيجيّين لتونس وشعبها، يعني أن التعليم والصحة ستكون لمن يقدر على الدّفع أكثر.

– ضربة جديدة للشعبويّة:

لقد شكل كورونا طعنة للشعبويّة بجميع ـلوانها وأشكالها في العالم وفي تونس. فقد رأينا السّيد قيس سعيد صاحب مقولة “الشعب يريد وهو يعرف ما يريد” والأفكار اللامركزية والفوضويّة، كيف يأمر وينهى ويمارس سلطاته المركزية بقوّة ويحرّك القوّات المسلّحة ويعلن حظْر التّجول ويتحدّث عن الدولة واحترام الدولة وعن وجود رئيسٍ واحدٍ وليس 3 رؤساء ويصارع من أجل صلاحياته، في صورة تُناقِض رأسا دعايته الانتخابيّة. والمسألة هنا لا تخصّ فقط تونس، بل العالم كلّه. يكفي أن نرى المساعدات الرّوسية والصّينية للولايات المتحدة الامريكية حتى نفهم حجم الصّفعة التي تلقّاها شعار “أمريكا أوّلا”.. حقا إنّ حبل الشعبوية قصير..

– وهم الوحدة الوطنية:

لا وجود لما يسمّى “وحدة وطنية”. على الشّباب المثقّف والعامل، كما على مختلف فئات الشعب وطبقاته الكادحة، أن تفهم هذا. هناك “وحدة شعبيّة” ضدّ الجائحة وضدّ ما تُسبّبه الطبقات المُهيمِنة وأحزابها وحكوماتها من أزمات وإخلالات متتالية في حقّ البلاد. أمّا شعار الوحدة الوطنية فليس إلا شعارًا سياسيّا تعبويًّا مُخادعا لكسبِ الدّعم والشّرعية، وقد رأينا بالتّجربة كيف أن دُعاة هذه الوحدة الوطنية هم أوّل من استباحها، وتمظهر ذلك في النّزاع على الصّلاحيات بين الرّئاسات الثلاث، ثم الجدل حول التفويضات لحكومة الفخفاخ الخ.. (ندعوكم لقراءة مقال يوسف الشادلي على موقع “صوت الشعب” حول هذا الموضوع).

– أسطورة هيبة الدولة:

لقد كشف التعامل مع كورونا أن أجهزة الدّولة لا تُجيد عرض “هيبتها” المزعومة إلّا على الفئات الكادحة والمسحوقة، في حين تعجز أمام الخواصّ وكبار المُحْتكِرين، وتعجز حتّى على تنظيم توزيع المساعدات الاجتماعية بشكلٍ لا يسبّب كوارث صحّية ولا يستثني أحدا. (يمكن الاطّلاع بهذا الصدد على مقال بعنوان “لصوص فوق القانون” للرفيق عمار عمروسيّة في موقع صوت الشعب).

إنّ الفرصة اليوم سانحة أمام كلّ القوى الثّورية والتقدّمية من أجل إسقاط رأس المال والمنظومة النيوليبراليّة المتصدّعة.. وفي تونس، لا يمكن الحديث عن تحوّلٍ حقيقيٍّ لمرحلة ما بعد الكورونا، دون مشروع وطني شعبي طَموح يقطع مع المنظومة الحاليّة ويرتكز أساسا، لا حصرًا، على:

* تأميم الثّروات الطبيعيّة وتجارة الجُملة والتّجارة الخارجية وفرض ضريبة تصاعديّة على كبرى الثروات وتنظيم عمليّة الإنتاج الصناعي والفلاحي والخِدْماتي حسب مخطّطاتٍ تنمويّة مركزية تراعي مصالح الطبقات والفئات والجِهات المهمَّشة والمحرومة وتحقّق قفزة اقتصادية واجتماعية لتونس.
* الرّهان على برامج تصنيع وطنيّ وإصلاح زراعي تكفل تحقيق الاكتفاء الذّاتي الغذائي والاعتماد على الذّات في تصنيع الأساسيّات (مواد غذائية، نسيج، أدوية، تعْدين وآلات الخ..).
* الرّهان على الطاقات المتجدّدة والفلاحة البيولوجيّة لتحقيق النّمو، مع الحفاظ على البيئة.
* تطوير قطاع الصحّة والتعليم العمومِيّيْن والرّهان على البحث العلمي والتكنولوجيا والرّقمنة.
* إعادة التّموقع على الخارطة السّياسية والاقتصادية العالمية عبر مُراجعة الدّيون والاتّفاقيات والمعاهدات الدّولية وإقرار ديبلوماسيّة جديدة تقوّم السّيادة الوطنية والمصالح المشتركة.

عزيز بن جمعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى