الرئيسية / أقلام / الغابات التّونسيّة: متى تتحوّل من أوكار للإرهاب إلى مصادر للتّنمية الحقيقيّة
الغابات التّونسيّة: متى تتحوّل من أوكار للإرهاب إلى مصادر للتّنمية الحقيقيّة

الغابات التّونسيّة: متى تتحوّل من أوكار للإرهاب إلى مصادر للتّنمية الحقيقيّة

حسين الرحيلي

كلّما تطرّقنا إلى التنمية في تونس، إلاّ وبدأ من في السلطة يبرّرون فشلهم في تحقيقها بتعلّة قلّة الإمكانات والموارد الموجودة، وأننا بلد لا نمتلك النفط والغاز. وكأنّ الدول الغنية مثل اليابان وكندا والعديد من الدول الأوروبية تمتلك هذه الثروات الطبيعية. فالنفط والغاز لا يخلق تنمية فعلية. بل يؤسّس إلى اقتصاد ريعي لا ينتج القيمة المضافة الحقيقية التي تجعل أيّ دولة قادرة على ضمان ديمومة تنميتها ورفاه مواطنيها.

ولعلّ هذا التبرير الملازم لكلّ الحكومات في تونس ولأكثر من 60 عاما لا ينمّ إلّا عن غياب البرنامج الوطني والرؤية المستقبلية لاستحقاقات الشعب انطلاقا من الإمكانات الطبيعية والبشرية الموجودة والعمل على استعمالها على الوجه الأكمل.

أنصفتنا الجغرافيا ودمّرنا تاريخ السّلطة الاستبدادي والسياسات الحكومية

في تونس، ومثلما أكّدنا في العديد من المقالات وخاصة في كتابي “الاقتصاد التونسي بين فشل السّاسة وأحلام الفقراء” بأنه قد أنصفتنا الجغرافيا ودمّرنا تاريخ السلطة الاستبدادي والسياسات الحكومية المتعاقبة المرتبطة التابعة إلى أجندات المركز الرأسمالي القائمة على تدمير كلّ ما هو وطني من أجل تحويلنا إلى مجرد فضاءات للمواد الأولية وسوق استهلاكية لامتصاص فوائض الإنتاج الرأسمالي.

ولعلّنا في تونس نردّد كلمة لها عمقها التاريخي والجغرافي بكونها خضراء. والخضرة ليست مجرّد شعار يُرفع. بل هو تأكيد على حقيقة طبيعية بكون الأراضي الفلاحية ببلادنا تمثّل 32% بالمائة من مساحتها الجمليّة، وتقدّر مساحة الغابات بحوالي 12% من مساحة البلاد. وهو ما يؤكّد أنّ الطبيعة قد وهبتنا ثروة لا تزول. ولكنّ المهم كيف يمكن استغلالها بطريقة مثلى ومستدامة ومتطابقة مع استحقاقات الشعب.

ونظرا لما تتعرّض له ومازالت الغابات التونسية من إهمال وتخريب ممنهج، واستغلال عشوائي من قبل مافيات الاقتصاد الدهليزي، فإننا سنركز مقالنا هذا على الغابات في تونس كثروة طبيعية قادرة لو وقع استغلالها بشكل محكم أن تساهم في التنمية بشكل كبير وخاصة على مستوى القيمة المضافة والطاقة التشغيلية.

تمثل الغابات في تونس حوالي 12% من المساحة الجملية للبلاد، أي حوالي 1.96 مليون هك. وتنتشر أهم الغابات التونسية كما يلي:

– من أقصى الشمال ببنزرت إلى أقصى الشمال الغربي بالكاف عبر سلسلة جبال مقعد وخمير.
– غابات جبل بوقرنين وجبل زغوان وبن سعيدان وفكيرين بالشمال الشرقي
– جبال الوسلاتية وجبل السرج بالوسط
– غابات القصرين بالوسط الغربي

كما يمكننا إضافة الغابات الاصطناعية أي الغابات التي غرسها الإنسان منذ قرون مثل غابات الوطن القبلي وغابة الرمال ببنزرت وغابة المدفونة بالنفيضة وغيرها.

وإذا كانت المساحة الأصلية للغابات في تونس ومنذ بداية الستينات تقدّر بحوالي 1.96 مليون هك، فإنّ الإحصاءات الأخيرة للغابات تراجعت بشكل كبير لتستقر في حدود مليون هك فقط. وهو ما يعني أنه وخلال 60 عاما تمّ تدمير حوالي 900 الف هك من الغابات لصالح أنشطة أخرى عمرانية وصناعية وفلاحية.

تشريعات منقوصة وغير قادرة على حماية الثروة الغابية

ولكن هذا التدمير الممنهج للغابات في تونس لم يكن بسبب فراغ قانوني يؤطّر الحماية والتصرف في الغابات، بل بالعكس من ذلك، إذ صدرت مجلة الغابات منذ 4 جويلية 1966. ولكنّ هذا الإطار القانوني لم يكن قادرا على حماية الثروة الغابية نظرا لأنّ المسألة في هذا المجال ليست قانونية بل سياسية.

ذلك أنّ مجلة الغابات عند صدورها لم تقدّم تصوّرا متكاملا لحماية الثروة الغابية واستغلالها بشكل مستدام. كما أنها لم تربط الاستغلال بسكان المناطق الغابية. بل إنّ فصولها والإجراءات المرتبطة بها أتت لتُقصي سكان الغابات والسكان المجاورين لها من الاستفادة من خيراتها. فأقرّت منذ البداية مبدأ البتّة أو طلب العروض في استغلال ثروات الغابات من أخشاب وفواكه غابية ونباتات عطرية للتقطير وغيرها من الأنشطة المرتبطة باستغلال الغابات. وبالتالي فهذه الإجراءات لم تكن في صالح من يعيشون بالغابات أو بالقرب منها، بل كانت لصالح من لهم المال والنفوذ للفوز بالبتّات وطلب العروض المتعلقة بثروات غاباتنا المتعددة، وتحويل سكان الغابات إلى مجرّد عمّال وقتيين لصالح من يملك الأموال والذي يفوز بالبتّات. وبهذا التوجّه المتطابق مع طبيعة السلطة القائمة والمعبّر عن طبيعتها الطبقية، غابت برامج الاستغلال المندمج للغابات، وتعطّلت التنمية المرتبطة بالثروة الغابية، إذ كان بمنطقة الشمال الغربي معمل وحيد للخفاف بطبرقة تمّ التفويت فيه لرأسمالي أجنبي في إطار برنامج الإصلاح الهيكلي الذي تمّ فرضه على البلاد من قِبَل صندوق النقد الدولي سنة 1985. كما انعدمت مشاريع تثمين المنتوج الغابي من الخشب والنباتات الروحية وغيرها. فكان أصحاب المال ينقلون الأخشاب والزقوقو والأعشاب الروحية إلى مناطق الساحل والعاصمة لتحويل وتثمين هذه الثروات الغابية، وتركيز فائض القيمة الحقيقي بالمناطق غير الغابية وإبقاء مناطق الثروة الحقيقية للفقر والتهميش وفي إطار تصوّر كامل للتنمية على المستوى الوطني القائم على استنزاف ثروات المناطق الداخلية لحساب مناطق ما تسمّى “السيادة السلطوية”.

كيف يتحوّل المواطن إلى معول تدمير لهذه الثروة

كردّة فعل على هذا الإقصاء الممنهج لمتساكني الغابات ومجاوريها، تحوّل السكان من حرّاس حقيقيّين لغابتهم إلى مجرّد معاول لتدميرها دون قصد لتوفير حاجياتهم الأساسية في العيش والتدفئة واستغلال ما أمكن لهم الحصول عليه خلسة من ثرواتهم الغابية التي يسرقها أصحاب الأموال المحميّين والمدعومين من السلطة. وكان لهذا التناقض الحاد بين سكان الغابات وممارساتهم التأثير الكبير على ديمومة المنظومة الغابية.

وانطلاقا من الطبيعة القانونية لمجلة الغابات وضعف تطبيق حتى الفصول الرامية لحمايتها، وقلة الإمكانات الموضوعة على ذمة الإدارة العامة للغابات، فإنّ من يملكون المال ومن هم في حماية السلطة قد تجاوزوا ما مكّنهم القانون من امتيازات لاستغلال الغابات ومرّوا إلى مراحل التدمير الممنهج للثروة الغابية. فانتشرت عصابات قلع الأشجار الغابية وحرقها للاستفادة من الأراضي فيما بعد.

وفي إطار مزيد تطبيق إملاءات شروط صندوق النقد الدولي، تمّ إصدار كراس شروط لاستغلال الغابات الخاصة غير الخاضعة لمجلة الغابات بتاريخ 28 مارس 2001، والذي سمح للرأسمال الطفيلي المحلي والرأسمال الأجنبي من كراء العديد من المساحات الغابية واستغلال أشجارها وبقية ثرواتها.

كما تواصل النزيف الغابي بعد 2011، أمام ضعف الرقابة وتراجع دور الدولة إن لم نقل غيابها الكامل، حيث تمّ إحراق أكثر من 400 هك من غابات الوطن القبلي، إضافة إلى العديد من المناطق الغابية التي كانت هدفا لعصابات المال المحمية من عائلات السلطة الحاكمة آنذاك.

واليوم، وفي ظلّ من نعيشه في أزمة الوباء “كورونا” المستجد وما تبعها من إجراءات الحجر الصحي ومنع الجولان، وتحويل اهتمامات الأمن والجيش لمقاومة تفشّي هذا الوباء، تحرّكت عصابات المال لمزيد اقتلاع الأشجار الغابية والاستثمار خاصة بمناطق عين دراهم وطبرقة وجندوبة وبنزرت. وهو نفس التمشي الذي تتّبعه عصابات الحروب التي تسعى إلى الاستفادة من الظروف. ولكن كلّ ذلك بحماية تامة من قبل من بالسلطة إمّا بغض الطرف أو بالمساعدة الصامتة ليقع اقتسام الغنيمة فيما بعد عبر تمويل الحملات الانتخابية.

الغابات رافد هام للتنمية وخلق الثروة

ومنذ 2008 ولتفعيل دور الغابات في التنمية المندمجة وتطوير قيمتها المضافة، تعالت أصوات حرّة عديدة مطالبة بإعادة النظر في مجلة الغابات التي لم تعد قادرة لا على الغابات التونسية ولا هي قادرة على التنمية الغابية.

ذلك أنّ الغابات في العالم مصدر للثروة والتنمية والتشغيل من خلال برامج تنمية مندمجة تهدف إلى جعل الثروة الغابية في يد من يسكنون بها في إطار اتفاق إطاري بين الدولة باعتبارها تمثل الشعب المالك الحقيقي للغابات وسكانها الذين يمثلون حُماتها الحقيقيين لكن بشرط أن يتمتّعوا بخيراتها. فالغابات التونسية لا تساهم سنويا إلاّ بحوالي 400 مليون دينار في مداخيل الدولة. وهي مساهمة ضعيفة جدا بالمقارنة مع طبيعة هذه الثروة الغابية. فتونس تمتلك غابات متعددة الأشجار مثل الفلين والزان والصنوبر البحري والصنوبر الحلبي والطلح وغيرها من الأعشاب الروحية ذات الاستعمالات العديدة في مجالات التقطير والعطورات والصناعات الصيدلية. إضافة إلى فواكه الغابة مثل “الزقوقو” و”السيريز”، دون نسيان “الكبّار” والعديد من المنتجات الغابية التي تمّ تدميرها بفعل الاستغلال العشوائي والحرق الممنهج للغابات.

لذلك فإنّ استغلال الغابات في تونس ليس مجرد حلم يبقى في الممكنات الذهنية، بل إنه حلم حقيقي من خلال الإقرار بأنّ الغابات مصدر أساسي للثروة خاصة بالمناطق الموجودة بها. ويمكن استغلال الغابات عبر سياسة تشاركية بين السلطة ومتساكنيها في إطار برامج للاستغلال المندمج بعيدا عن التصور العقيم الذي تمّ اتّباعه منذ 1966 تاريخ إصدار مجلة الشغل.

وجب إدماج سكان الغابات والمناطق المجاورة لها في برامج اقتصادية واجتماعية تضامنية، مع توفير التمويل اللازم لها. إضافة إلى المساندة والتأطير والتكوين. كما يمكن للدولة الاستثمار في صناعات كبرى مرتبطة بالمنتجات الغابية مثل مصانع الخشب والصناعات الصيدلية وصناعات التقطير الروحية وصناعة العطور. كما يمكن استغلال الغابات في برامج للسياحة البيئة والايكولوجية التي تتطابق مع طبيعتها وهي سياحة ذات قيمة مضافة عالية وتتطلب تجهيزات خفيفة غير مكلفة وبالتالي بأسعار مقبولة داخليا وخارجيا. ووفق بعض الدراسات فإنّ الاستغلال التشاركي للغابات والمحميات في تونس يمكن أن يساهم على المدى المتوسط بحوالي 2 نقاط في الناتج المجلي الخام، ويخلق آلاف مواطن شغل بشكل مباشر وبشكل غير مباشر. وهو ما سيمكّن المناطق الغابية من تنمية مستدامة ومراكمة حقيقية للثروة.

ولا يمكن أن تتحول غاباتنا ومحمياتنا من أوكار للإرهابيين والعصابات، إلى مصادر حقيقية للثروة والتنمية المستدامة، إلاّ في إطار منظومة حكم تقدمية تعبّر بشكل حقيقي عن الحاجيات الفعلية للشعب. وهو ما يبقى مرتبطا بمدى قدرة هذه القوى على إقناع الشعب بإعطائها فرصتها في الحكم وتطبيق برامجها لأنّ من هم اليوم في السلطة مثلهم مثل من سبقوهم، ليسوا إلاّ تعبيرات عن طبقة كمبرادورية تابعة للمركز الرأسمالي ليس لهم أيّ علاقة بالاستحقاقات الفعلية للشعب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى