الرئيسية / صوت الاقتصاد / حول أزمة النفط الأمريكي وتداعياتها
حول أزمة النفط الأمريكي وتداعياتها

حول أزمة النفط الأمريكي وتداعياتها

حسام السباعي

ما يجب معرفته شكليّا ومنهجيا قبل الخوض في جوهر الأزمة:

يوجد نوعان من النفط الخام الأكثر تداولاً حول العالم، وهما خام غرب تكساس الوسيط، وخام برنت. وتوجد عدّة اختلافات جوهريّة بين خام غرب تكساس الوسيط، وخام برنت، من حيث موقع الاستخراج، ونسبة الكبريت، وحتى بورصات و توقيتات التداول .

خام غرب تكساس الوسيط الذي انهارت أسعاره، يتم استخراجه من حقول النفط في شمال الولايات المتحدة (يتمّ استخراجه بشكل أساسي من تكساس ولويزيانا وداكوتا الشمالية)، فيما يعدّ سعر خام برنت هو السّعر المرجعي للنفط المنتج من أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، ويتمّ تسعير ثلثي النفط المنتج بالعالم به. ووصلت العقود الآجلة لخام برنت، تسليم جوان إلى 25.43 دولار للبرميل.

أمّا خام غرب تكساس الوسيط وصل سعر العقود الآجلة له، تسليم ماي (تنتهي صلاحيّته اليوم) إلى أكثر من سالب 36 دولارا للبرميل، وهو الذي كان سعره منذ سنوات أعلى حتى من سعر البرنت.

وللحفاظ على حدٍّ أدنى من توازن الأسعار بين النّوعين يقوم متداولو نفط غرب تكساس الوسيط بمراقبة عوامل العرض والطلب في الولايات المتحدة، لأنّ أي ارتباك قد يحدث في خام برنت أو خام غرب تكساس الوسيط من شأنه أن يتسبّب في حدوث تغيّر في هامش السّعر بين خام غرب تكساس وخام برنت، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى تحرّك أحد الأسواق بقوة أكبر من الآخر وهذا ما حدث فعلا وأنتج اختلالٍ غير مسبوق بين الأسعار.

أصـل الأزمة:

ثلاثة أسباب مجتمعة مرتبطة ومتسلسلة:

الأوّل: وهو السبب الأصلي المتمثّل في تداعيات انتشار فيروس كورونا، حيث يلازم أغلب سكان العالم البيوت للحدّ من انتشار الوباء وّتوقف شبه كلي للأنشطة الاقتصادية والتصنيعيّة ممّا أنتج تراجعا غير مسبوق في الطلب وبالتالي تُخمة في العرض.

الثاني: وهو سبب مكمّل للأول ويتمثل في الخصوصية التقنيّة للنفط الصخري الذي يجمع بين عدم القدرة على التّسويق الخارجي لخام غرب تكساس ومن ثمّة امتلاء المستودعات التخزينية (أكبرها في أوكلاهوما وقد قاربت على استنفاد كلّ سِعتها التخزينية) وهو السبب في رفض مصافي النفط شراء الخام وكذلك التكلفة المرتفعة لإنشاء أو كراء مخازن جديدة واستحالة القدرة على إيقاف الإنتاج (أولا، للطبيعة النشطة الطبقات الصخرية وبالتالي تغيير في مكان البترول هو ما يشابه الظاهرة الطبيعية التي يعبّر عنها في الأوساط الفلاحية “هروب الماء” حيث ينتج عن عدم استغلال البئر لمدّة، تغيير في وديان الطبقة المائية، ثانيا لارتفاع تكلفة الصيانة وإعادة التشغيل.

السبب الثالث: وهو الذي سرّع في احتداد الأزمة ويتعلّق بالصراع الجيوسياسيّ بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث اتّجهت روسيا نحو عدم خفض الإنتاج والترفيع فيه دون دعم السعر، ورغم أن ذلك قد يعتبر أولا تضحية بمنظمة أوبك+ وثانيا خوض حرب نفطية مع السعودية (رغم إقرار هدنة واتفاق وقتي على التخفيض وقتيّا في الأيام القليلة الماضية، فإنّ الصراع النفطي مع القوة النفطية الأولى يبدو محفوفا بالمخاطر) وروسيا ترى أن إغراقها للسوق النفطية وتعميق الأزمة يمكن أن يمثّل ردّا على عرقلة الولايات المتحدة لمشروع نورد ستريم للغاز الروسي نحو ألمانيا وتقويضا لخيار أمريكا الاستراتيجي في إنتاج النفط الصخري.

وتشير تقارير إلى أن روسيا بدأت جدّيا في دراسة مدى إمكانية صمودها اقتصاديا لسنوات دون أن يتجاوز برميل النفط حاجز الـ25 دولار، وإذا ما تمكّنت من ذلك فإنها ستقضي نهائيا على مجال إنتاج الصّخر الزيتي الذي يشهد أوج ازدهاره في الولايات المتحدة والذي يتّسم بتكلفة إنتاج باهظة وبالتالي لن يكون بالإمكان صمود شركات عملاقة، مثل اريكسون موبيل التي باتت مهدّدة بشبح الإفلاس، لمدة طويلة في نشاط غير مربح، وهو ما أكّدته دراسة صادرة عن موقع اويل برايس: “لا يمكن لأي شركة في صناعة النفط الصخري الأمريكي تحقيق أرباح عند سعر 20 دولاراً لخام نايمكس الأمريكي”.

لقد أنتجت هذه الأسباب مجتمعة أزمة لم تشهدها الرأسمالية العالمية حتى في فترة كساد الثلاثينات، ورغم اعتقاد بعض المحلّلين بان مازال هناك فرص للتدارك وارتفاع الأسعار (هذه التوقعات ساهمت في بروز ظاهرة الكونتانغ ” Contango”، والتي تحدث عندما تكون العقود الآجلة ذات الأمد الأطول أعْلى سعرا من العقود الفوريّة وهو حال خام نايمكس الأمريكي الذي يُتداول بسعر سلبيّ في عقود التّسليم في شهر ماي بينما يصل سعر تسليم شهر جوان إلى أكثر من20 دولار) فإنّ فرصة الدّب الروسي تبدو سانحة لتوجيه الضربة القاضية لقطاع ساهم في عدم استقرار الأسواق النفطية العالمية وما قد يزيد الطين بلّة هو ذات التوقعات بالانفراج التي قد تساهم في تعقيد الوضع أكثر إذ يمكن أن تلعب أولا دورا سلبيا في الركود الوقتي وثانيا في الانهيار غير المسبوق لبورصات تداول النفط في شهر جوان.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى