الرئيسية / صوت الاقتصاد / على تونس أن تختار بين دفع ضريبة المقاومة أو دفع ضريبة الانهيار
على تونس أن تختار بين دفع ضريبة المقاومة أو دفع ضريبة الانهيار

على تونس أن تختار بين دفع ضريبة المقاومة أو دفع ضريبة الانهيار

الحبيب الزموري 

لم تحل تراتيب الحجر الصحي وحظر الجولان وهيمنة أخبار وباء كورونا على غيرها من الأخبار دون متابعة التونسيّين والتونسيّات لأداء الائتلاف الحاكم الجديد في مواجهة الأزمة الوبائيّة، بل وبروز دعوات للاحتجاج والاستعداد للتظاهر ضدّه. ولئن ركّزت هذه الدّعوات هجومها على مجلس نواب الشّعب بوصفه مركز السلطة في النظام السياسي، فإنّ غضب أغلب النشطاء ومنظّمي هذه الحملات على شبكات التواصل الاجتماعي يتوجّه إلى مختلف مراكز السلطة السياسية والاقتصادية في البلاد نظرا لما اسْتشْعرته فئات واسعة من الشعب التونسي من حيفٍ ومن استغلالٍ للأزمة لمواصلة تكريس السياسات والخيارات التي كانت السّبب المباشر في تفقيرهم وتدهور معيشتهم.

1 – ائتلافات حاكمة تُعيد إنتاج منظومة الفساد النوفمبريّة:

حرصت مختلف الحكومات المُتعاقبة بعد الثورة على إعادة إنتاج القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لنظام الحكم السّائد في تونس وتمرير نفس الخيارات التي ثار ضدّها الشعب التونسي تحت وابلٍ من الشعارات الثورية الرّنّانة وتحت غطاء نظام سياسي جديد. وقد كان رئيس الحكومة الحالي “إلياس الفخفاخ” أحد صُنّاع هذه العملية بالسّطو على مطالب الثورة عندما تولّى وزارة المالية في حكومة الترويكا بعقْدِه لسلسلة من اتّفاقيات القروض مع صندوق النقد الدولي وتدشين مرحلة “الإصلاح الهيكلي الثّاني” بالبلاد التونسية, حيث قفز إجمالي الدَّيْن العام من 25639 مليار دينار سنة 2010 (40,7 % من الناتج المحلي الإجمالي) إلى 102 مليار دينار سنة 2019 (93 % من الناتج المحلي الخام)، أي بنسبة ارتفاع تقدر بــ 246 %، وكلّفت خدمة الدَّيْن خسارة الاقتصاد التونسي لـ 1,7 % سنويا في نسبة النمو وبالتالي عجزه عن خلق الثروة ومواطن الشغل.

وزيادة على التداعيات الاقتصادية الكارثيّة لسياسة التداين المُفرط فقد لعبت هذه السياسة دورا سياسيّا بالغ الخطورة يتمثّل في تمويل عملية إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السّائدة المتعلّقة بتنظيم الإنتاج. وقد تعهّد الباجي قايد السبسي إبّان تولّيه لرئاسة الحكومة وخلال حضوره لقمّة دافوس سنة 2011 بالمحافظة على تلك العلاقات وعدم المسّ بها وبسَدادِ الديون الخارجية وتعهّد قادة المجموعة بالمقابل بضخّ 25 مليار دولار “لتمويل عملية الانتقال الديموقراطي في تونس” في شكل استثمارات وهِبات وقروض لم ترَ طريقها للتنفيذ، وبالمقابل تمّ جرُّ البلاد إلى التداين المُجْحف ليس للهدف المعلن أعلاه بل لإنعاش القاعدة الاجتماعية لمنظومة الحكم والحيلولة دون تغييرها تغييرا جذريّا والاكتفاء بتغيير النظام السياسي وخلق مؤسّساتٍ وأجهزةٍ جديدةٍ. وقد مكّن هذا التدخّل الخارجي المباشر البورجوازية الكمبرادوريّة من استعادة زِمَام المبادرة سريعا وتنافست عدّة قوى سياسية يمينيّة، دينيّة كانت أو ليبيرالية، على التّعبير عنها والظهور بمظهر الضّامن لمصالحها. ولم ينقطع التنافس والصّراع حتى في ظلّ تحالف هذه القوى في الحكم، فحِيتان الرأسمالية يأكل بعضها بعضٍ في كلّ المواقع وليس في مواقع الإنتاج والمبادلات التجارية فقط, وهو صراع متواصل تنتظر القوى الرأسمالية العالمية أن يفرز “الممثّل الشرعي والوحيد” لمصالح رأس المال في تونس.

وقد اعتبرت “مجموعة الأزمات الدولية” في تقريرها الصادر بتاريخ 11 جانفي 2018 تحت عنوان “الانتقال المعطّل: فساد وجهوية في تونس” إن 300 رجل ظلّ يتحكّمون في أجهزة الدولة بتونس ويعرقلون الإصلاحات.. وأن مظاهر الإثراء من المناصب السّياسية والإدارية والمحسوبيّة والسّمسرة أصبحت تنخر الإدارة والنُّخبة السياسية العليا في تونس، وأن عموم المواطنين أصبحوا يعتبرون أجهزة الدولة أجهزة مافيوزية. ليخلص التقرير إلى أن التّوافقات السّياسية الهشّة التي وضعت يدها على منظومة الحكم منذ 2011 وبعيدا عن الشّعارات الرنّانة, الجوفاء المتعلّقة “بالانتقال الديموقراطي” و”الاستثناء التونسي” و”الواحة الديموقراطية في صحراء الاستبداد العربي” قد قامت “بدمقْرطة الفساد” النوفمبري وهو ما سبق أن صرّح به شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بكوْن تونس بصدد التحوّل إلى دولة مافيوزيّة بسبب غياب الإرادة السّياسية الحقيقيّة في مقاومة الفساد.

2 – الثّروة والثّورة في تونس منذ 2011

أظهرت التقارير المتخصّصة في توزيع الثّروة وترتيب أثرياء العالم الصّادرة عن مؤسسة “ويلث إكس” سنة 2016 أن تونس تصدّرت بلدان المغرب العربي في ارتفاع عدد الأثرياء بنسبة تقدّر بــ 16,2 % بالمقارنة مع سنة 2014 ليصل عدد الأثرياء الذين ثرواتهم 50 مليون دينار إلى 70 شخصا ويتصدّر 25 مهرّبا هذه القائمة. وقد وردت على اللّجنة التونسيّة للتّحاليل المالية بالبنك المركزي 1446 تصْريحًا متعلقا بعمليات مالية مُسْترابة بين سنتي 2011 و2015. كما صرح محمّد البيزاني رئيس المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية لأعوان الدّيوانة لموقع “ليدرز” في 21 جانفي 2016 أن السُّيولة المالية التي تتحرّك خارج المسالك القانونية ضخمة جدّا ويصعب حصرها، ففي ولاية مدنين وحدها، وخاصة ببن قردان، يتركّز قرابة 300 صرّاف يتصرّفون في نحو 400 مليون دينار، موضّحا أن سكّان المناطق الحدوديّة يعتبرون مستخدمين (مُناولين) لدى الحِيتان الكبيرة بالعاصمة والمدن الكبرى حيث يشغّل التهريب حوالي 840 ألف شخص, في حين لا يتجاوز عدد المشتغلين في التّهريب بالمناطق الحدودية 4000 شخص. ولكنّ أخطر ما جاء في تصريحات البيزاني هو قوله أن “هؤلاء الأثرياء الجُدد لهم غطاء سياسي من بعض الأطراف وأنا أتحمّل مسؤوليتي فيما أقوله, فالتّهريب دخل مرحلةً تستوجب معالجته سياسيًّا وإلّا ستنقسم السّاحة السياسية بين سياسيّين وطنيين وسياسيّين مافيوزيّين”.

كما قام أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية محمد الهدّار في دراسة أجْراها حول التّجارة المُوازية بإحصاء ¬60 تاجر جملةٍ ينشطون في قطاع التّجارة المُوازية في بن قردان لوحدها قاموا بتقسيم السّلع وميادين النشاط بينهم كالتالي:

وتشير تقارير ديوانيّة إلى وجود عقل اقتصادي وسياسيّ مُدبّر لإمبراطورية التهريب في البلاد، وأن الأمر لا يتعلّق بمجرّد حركة نقْلٍ للبضائع عبر مسالك غير قانونية، حيث يؤكّد البيزاني مرّة أخرى وفي نفس الموقع الإخباري “أن حجم التّهريب اقتلع مكانة هامّة في بعض المواد والمنتوجات, ممّا يجعلنا نقتنع بأن انتشار التّهريب وراءه أغطية سياسية وليس مجرّد مهرّبين وتجّار صغار, بل هناك أشخاص يريدون السّيطرة على أهم مفاصل الاقتصاد التونسي”.

أمّا سفير الاتحاد الأوروبي بتونس “باتريس بيرغاميني”، وفي ظلّ السيادة الوطنية المنتهكة “صباحا مساء”، فقد تجرّأ في حوار مع جريدة “لوموند” في شهر جويلية 2019 على اعتبار أن “الثروة تتركّز في أيدي عائلات معيّنة ترفض المنافسة وتوشِك أن تقضي على مكتسبات الثّورة”. وقد جاء هذا التصريح في سياق الضّغوطات السياسية التي يمارسها الاتّحاد الأوروبي على الدولة التونسية للتّسريع بإنهاء التّفاوض والإمضاء على اتّفاقية الأليكا بوصفها الحلّ السّحري الذي سيقضي على الاحتكار وغياب الشّفافية والنزاهة عن المنافسة الاقتصادية بفعل هيمنة اللّوبيّات على السّوق الداخلية.

كلّ هذه المعطيات، ورغم اختلاف مصادرها، تشترك في تأكيد الطّابع المافيوزي للنّظام الاقتصادي والاجتماعي والسّياسي القائم، وأنّ كلّ ما حدث في تونس في المستوى الاقتصادي والاجتماعي هو تعويض عائلات مافيوزيّة بعائلات مافيوزيّة أخرى وصعود عائلات جديدة، في حين نجحت عائلات أخرى في إعادة التّموْقع بسرعة والمحافظة على مصالحها بفضل نجاحها في اختراق أحزاب الائتلافات الحاكمة وبالتالي اختراق أجهزة الحكم وفي مقدّمتها البرلمان. فمختلف أجنحة هذا “الكارتل المافيوزي” ممثّلة في الحُكم بمن فيها الجناح المتورّط في نسج شبكات التّهريب على الحدود الغربيّة والشّرقية المتقاطعة مع الشبكات الإرهابية، فتجارة السّلاح والأدوية والتّبغ وعمولات تسفير الإرهابيّين …الخ جزءٌ لا يتجزّأ من تقاطع المصالح داخل هذا “الكارتل”.

إنّ صمود هذه الشّبكات المافيوزية المتمعّشة من خرق القانون ومن سلْعنة كل شيء موجود على التراب التونسي بما فيه الأمن القومي للبلاد, لم يكن ليتواصل لوْلا تحوّل الفساد إلى آليّة من آليّات الحكم بِيَد الائتلاف الرجعي الحاكم، وقد كشفت الأزمة الوبائيّة الأخيرة العلاقة العضويّة بين مكونات منظومة الحكم ولوبيّات الفساد المتحكّمة في المنظومة السّياسية والاقتصادية للبلاد، حيث هرعت الحكومة إلى استغلال الأزمة لتمكين هذه اللّوبيات من مزيد الإعفاءات الجبائيّة والامتيازات المالية والبنكيّة والقانونية وفي المقابل تتوعّد عموم الطبقات الشعبيّة بالإجراءات المُوجِعة وتُلوِّح بشبح الإفلاس والعجز عن دفع الجرايات كلّما ضاق الخناق حولها دون أن تنسى بطبيعة الحال الدّعوة – الصالحة لكل زمان ومكان – إلى الوحدة الوطنية, الوحدة بين ضحايا الإجْرام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وزعماء هذا الإجرام، وهو تكتيك دأب الائتلاف الطبقي الحاكم على اِتِّباعه منذ سنة 2011 بتعطيل مسار العدالة الانتقالية وبتمرير قانون المصالحة الاقتصادية وصولًا إلى حزمة الإجراءات المتعلّقة بمجابهة الكورونا وكلها تراتيب وإجراءات تصبُّ في اتّجاهٍ واحد ألَا وهو دعم هيمنة الائتلاف الطبقي الحاكم بتوظيف شعار الوحدة الوطنية وتسليحه بكافّة القُدرات لمواجهة أيّ سيناريو جديد مُشابه لسيناريو 2010 – 2011, إنّهم يطلبون من العامل والكادحة الوِحْدة مع الرّأسماليِّ الذي توقّف عن تمكينه من مرتّبه رغم تعهّده بذلك على رؤوس الأشهاد, إنّهم يطالبون من العامل والعاملة الوحدة مع الرأسمالي الذي استغلّ الأزمة لطرْدهم من الشّغل, إنهم يطلبون من ضحايا الإرهاب الوحْدة مع من يَعتبِر الجماعات الإرهابية مجرّد “تعبيرة دينيّة غاضبة” …

3 – الثّورة أمامنا وليست وراءنا

حاولت مختلف القوى السياسية التي تداولت على الحكم منذ سنة 2011 إعلان غلْق المسار الثوري وتحويل وجهته إلى مجرّد عملية انتقال ديموقراطي عبث بها المال الفاسد والإعلام الفاسد والخطاب السياسي الفاسد. وتتجدّد هذه العملية مع كلّ موعد انتخابيٍّ، بل وصلت الوقاحة ببعض من كان جزءً من الحزام الأكاديمي والثقافي للنظام النوفمبري إلى تعيِين نفسه نبيًّا ثوريًّا جديدا, وليس غريبا أن تكون بعض مكاسب الثورة مثل الانتخابات وحرّية التعبير والتنظّم وحرّية الإعلام أخطر أسلحة أعداء الثورة للإجهاز عليها، في حين فشل الثوريّون في استغلال تلك المكاسب والظّروف الجديدة لمواصلة المسار الثوري لأسباب أسْهبَت أدبيّات مختلف القوى الثورية والتقدّمية في تحليلها.

لقد استغلّت القوى الرجعيّة حالة التصحّر السّياسي التي خلّفتها الديكتاتورية طيلة أكثر من نصف قرْنٍ لممارسة شتّى أنواع التّضليل والخِداع السياسي التي قادت ولا تزال الطبقات الكادحة والشّعبية إلى التصويت ضدّ مصالحها بل لانتخاب جلّاديها ومصّاصي دمائها والانسياق وراء الدّعاية الرجعيّة في ظلّ الضّعف الفادح للدّعاية الثورية، وهو ما جعل المسار الثوري ينْتكِس ويتراجع مقابل إعادة إنتاج نفس النظام الاقتصادي والاجتماعي التّابع والفاسد تحت عناوين سياسيّة مختلفة ولكن دون أن يتمكّن الائتلاف الطبقي الحاكم من الإجهاز نهائيا على النفس الثوري في البلاد الذي يتصاعد بين الفيْنة والأخرى في شكل حركات احتجاجية قطاعيّة أو محليّة أو جهويّة، وهو مرشّح للتّصعيد أكثر فأكثر في كلّ لحظة، فكلّ الظروف الموضوعية التي قادت الشّعب التونسي إلى الثورة على السّياسات الاقتصادية والاجتماعية النّوفمبرية لا تزال قائمة، بل إنّ تلك السياسات اِزْدادت توحّشًا وشراسة على يد العُملاء الجُدد للدوائر المالية ومراكز النفوذ الدولية والإقليمية, بحيث لم يعُدْ للنظام القائم ما يقدّمه للشعب التونسي سِوى مزيد من التّفاوت الطبقي والجهوي ومزيد من التبعيّة وانتهاك السّيادة الوطنية, كما إنه استنْفذ كافة محاولات إدارة الأزمة المتفاقمة وهو محافظ على وجوده بفضل أجهزة إنْعاشِ المؤسّسات المالية الدولية التي تُطيل أنفاسه لتكتم بالمقابل أنفاس أجيالٍ قادمة.

إنّ الزلزال الثوري قادم لا ريْبَ فيه, لكن المسألة كلّ المسألة, في كيفيّة عدم تكرار أخطاء أزمة 2010 – 2011, والعمل على تسليح الثّورة القادمة بالبرنامج وبالتّنظيم الكفيل بإقناع الجماهير الثّائرة وعدم ترْكها فريسة للتّضليل الدّعائي الرّجعي مرّة أخرى لأنّ الصّراع القادم سيكون أكْثر وضوحًا ولكن أشدَّ قسْوة أيضا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى