الرئيسية / صوت الوطن / حكومة الترويكا 3 تواصل ما قامت به الترويكا 1: وتسليم ما تبقّى من الوطن لتركيا وقطر
حكومة الترويكا 3 تواصل ما قامت به الترويكا 1: وتسليم ما تبقّى من الوطن لتركيا وقطر

حكومة الترويكا 3 تواصل ما قامت به الترويكا 1: وتسليم ما تبقّى من الوطن لتركيا وقطر

حسين الرحيلي

لماذا كلّما تمّ تقديم مشاريع اتفاقيات متعلقة بقطر وتركيا على أنظار مجلس نواب الشعب، تتحوّل إلى صراع سياسي واصطفاف بين الكتل والأحزاب السياسية؟ ولماذا تفرد هاتان الدولتان بمثل هذه الاتفاقيات الاقتصادية السخية سواء كانت مالية أو تجارية؟ وما هي خلفيات تحالف حكام تونس منذ 2012 مع قطر وتركيا؟

كلّ هذه الأسئلة تطرح في سياق تقديم الحكومة للبرلمان لمشروعي اتفاق يخص الأول فتح مكتب بتونس للصندوق القطري للتنمية، والثاني مشروع اتفاق تجاري مع تركيا. مع العلم أنه تمّ إمضاء هذين المشروعين مع حكومة الشاهد – النهضة خلال سنة 2019 بالنسبة إلى الاتفاقية مع قطر، وسنة 2017 بالنسبة إلى الاتفاقية مع تركيا. وبالتالي عرضهما على البرلمان يأتي في إطار تسوية لوضعية والتأشير النيابي على هذه الاتفاقيات. وهي بدعة حكم تونسية قوامها وضع الحكومة البرلمان دائما أمام الأمر المقضي. لكن ما هو مضمون هذه الاتفاقيات وما مدى خطورتها على البلاد وعلى سيادتها الوطنية؟

 فتح باب استباحة تونس أمام الصندوق القطري للتنمية

الاتفاقية المتعلقة بفتح مكتب لصندوق قطر للتنمية والتي تمّ إمضاؤها مع حكومة الشاهد – النهضة يوم 12 جوان 2019، تهدف إلى السماح بفتح مكتب للصندوق القطري للتنمية بهدف الاستثمار في القطاعات والمجالات التالية: الطاقة، والتربية والتكوين والبحث العلمي، الصحة، الموارد الطبيعية والفلاحة والصيد البحري، والسكن، والصناعة، وتكنولوجيا المعلومات، والتمكين الاقتصادي. بمعنى أنّ هذه الاتفاقية ستمكن الصندوق القطري من الاستثمار في كل القطاعات والمجالات الحيوية بالبلاد وخاصة القطاعات الإستراتيجية كالطاقة والموارد الطبيعية والفلاحة والمجالات الخدماتية مثل التعليم التربية والتكوين والصحة والبحث العلمي.

تتضمن الاتفاقية 13 فصلا. واحتوت كلها على إجراءات وتسهيلات لصالح الصندوق القطري للتنمية من ناحية، وعلى التزامات من طرف الحكومة التونسية وجب تنفيذها لصالح الجانب القطري. تمّ التنصيص في الفصل الرابع من هذه الاتفاقية على إعطاء امتيازات جبائية وضريبية وديوانية على تمويلات الصندوق القطري.

إضافة إلى إعفاء فوائض الديون من كلّ هذه الأداءات والضرائب. أي أنّ الاتفاقية قدّمت امتيازات للصندوق القطري لم يقع التنصيص عليها لا في قانون الاستثمار لسنة 2016 ولا في قانون تحفيز الاستثمار لسنة 2019، أي أنّ حكومة النهضة تريد تسليم مجالات الاستثمار في تونس حصريا لقطر، أي لراعيها الرسمي الذي هو أصلا من رعاة الإرهاب الدولي.

ما ينصّ الفصل الخامس من مشروع الاتفاقية على حرية الصندوق القطري في جلب العمالة الأجنبية دون رقابة للسلطات التونسية التي تبقى مطالبة بإعطاء تراخيص الإقامة لها فقط. رغم أنّ قانون الاستثمار لسنة 2016 يحدد نسبة العمالة الأجنبية من الإطارات لا تتجاوز 30 بالمائة في بداية المشروع، وأن تنزل هذه النسبة إلى حدود 10 بالمائة فقط خلال السنة الثالثة من بداية المشروع الاستثماري.

وهو ما يعدّ امتيازا فوق العادة لهذا الصندوق القطري للتنمية. كما ينصّ الفصل السابع من الاتفاقية في نقطته العاشرة على التزام الدولة التونسية بعدم تعطيل المشاريع المنجزة باستثمارات متأتية من صندوق قطر للتنمية مهما كان السبب وهو ما يُعدّ ضربا مباشرا للسيادة الوطنية وتحويل البلاد إلى ضيعة خاصة لهذا الصندوق القطري للتنمية.

كما ينص الفصل التاسع على امتيازات مصرفية ونقدية من خلال التنصيص على إلغاء كلّ الإجراءات المتعلقة بمراقبة تحوّل العملة للخارج من طرف هذا الصندوق سواء لقطر أو لأيّ دولة أخرى. أي أنّ هذا الصندوق بإمكانه تحويل ما يريد من العملة في أيّ وقت وبالعملة التي يريد وإلى أيّ مكان يريد.

الأبعاد الخفية للاتفاقية المذكورة

 

من خلال هذا العرض السريع لأهم فصول هذه الاتفاقية. وجب التوقف عند طبيعتها          ورمزية المجلات والقطاعات المعنية بالاستثمار.

تمثل الاتفاقية من خلال مضمونها تسليم البلاد لصندوق استثماري قطري، وفي قطاعات     ومجالات استراتيجية وسيادية للدولة. وهو ما يؤكّد أنّ الذين صاغوا مشروع الاتفاق        وقاموا بإمضائه ونعني بهم وزراء حركة النهضة خصيصا وعلى رأسهم العذاري وزير التعاون الدولي آنذاك، قد قرّروا ضرب ما تبقّى من السيادة الوطنية وبيع البلاد لدولة مافيوزية عائلية. كما أنّ توسيع مجالات الاستثمار وإعطائها كل الامتيازات المنصوص عليها بقانون الاستثمار وغير المنصوص عليها، يمثل في حدّ ذاته مدخلا لغلق الأبواب أمام أيّ تعاون ثنائي آخر مع أيّ دولة أخرى. بعبارة أكثر وضوحا، من خلال هذه الاتفاقية يمكن القول إنّ تونس أصبحت مستعمرة قطرية بامتياز أكثر خطرا من اتفاق الحماية الذي أُمضي خلال شهر ماي 1881 واحتُلّت من خلاله تونس من قبل فرنسا. كما يطرح سؤال محوري في هذا الإطار. هل لدولة قطر الخبرة الكافية في المجالات التي تمّ إقرارها بالاتفاقية، وإلّا فإنّ المسالة لا تعدو أن يكون هذا الصندوق مجرد خزانة لتمويل المافيا العالمية وأباطرة السياسة والإرهاب من تركيا وقطر وإخوانهم من جماعات الإسلام السياسي العالمي لمشاريع وهمية في تونس، الهدف منها السيطرة على مقدّرات البلاد        وجعلها قاعدة أساسية لتمويل الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة، باعتبار أنّ دويلة قطر ليست حريصة تماما على التنمية في تونس أو داعمة للديمقراطية الناشئة فيها، لأنها هي أصلا ليست دولة ديمقراطية بل هي قبيلة ذات نظام حكم احفوري ما قبل بدائي.

مشروع هذه الاتفاقية لا يمكن أن يعبّر إلاّ على أنّ من يحكمون البلاد وخاصة حركة النهضة قد قررت تسليم تونس إلى داعميها الأساسيين، وهي تجازيهم على تمويلهم لها ماديا ولوجستيا. كما أنها بهذا السخاء الحاتمي تعطي عربون ولاء تام لداعمي الإرهاب الدولي. خاصة أنه وبعد عشر سنوات من حكم عصابات النهضة والمتحالفين معها، قد أثبتت أنّ الاستثمار في الفقر والتهميش والأمية وثقافة التسوّل قد وفّرت تربة خصبة لبيع     وشراء الذمم والأصوات الانتخابية بالمال القطري والتركي والأمريكي الصهيوني طبعا.  

الاتفاقية مع تركيا تدمير للنسيج الصناعي التونسي    

 

أمّا بالنسبة إلى الاتفاقية مع تركيا والتي تمّ إمضاؤها مع الحكومة التونسية منذ 27 ديسمبر 2017 كتواصل لنفس التوجه ضمن اتفاقية سابقة لسنة 2013، فإنها تتعلق “بدفع الاستقطاب الاقتصادي بين تونس وتركيا” وفق ما ورد بشرح الأسباب المرفق مع الاتفاقية. احتوت الاتفاقية الجديدة على 13 فصلا (بالمصادفة نفس عدد الفصول بالاتفاقية القطرية) والظاهر أنّ من في السلطة في تونس يتبرّكون كثيرا بالرقم 13 في مشاريع الاتفاقيات مع مموّلي أحزابهم وجماعاتهم.

وتتضمن الاتفاقية امتيازات للمستثمر التركي وإعفاءات ضريبية جديدة على عدد مهم من السلع والمواد التي لها نظير تونسي. وهو ما يعبّر عن رغبة حكام تونس على ضرب ما تبقّى من المنتج المحلي والنسيج الصناعي الوطني. لأنه ببساطة المهم بالنسبة إلى مافيا الحكم في تونس المحافظة على مصالحهم، ولا يهمهم النسيج المحلي والصناعة المحلية. كما اتسمت الاتفاقية بالتعميم وبعدم تحديد دقيق للقطاعات المعنية بهذا الاستقطاب الاقتصادي. كما أنّ استعمال كلمة استقطاب تعني احتكار الاستثمارات التركية لتونس. ممّا يحوّل البلاد على المدى المتوسط إلى مقاطعة تركية وقاعدة خلفية للاستثمارات التركية في كل المجالات أمام انهيار النسيج الإنتاجي الوطني. كل ذلك من أجل عيون السلطان اردوغان ورضاه على عملائه في تونس. والغريب أنّ مشروع الاتفاق يأتي في فترة ارتفاع كبير للعجز التجاري بين تونس وتركيا لصالح هذه الأخيرة، وتعدّد الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في الاتفاقيات التجارية مع تركيا مثلما فعلت المغرب بهدف حماية نسيجها الصناعي الوطني والحد من السيطرة التركية على النشاط التجاري والاقتصادي المغربي. لكن نحن في تونس أرادت عصابات الحكم فيها الإيغال في ضرب سيادتنا الوطنية ومزيد إغراق أسواقنا بالمواد والسلع التركية، وبالتالي مزيد غلق المصانع المحلية لتزدهر الصناعة والتجارة التركية، المزيد من البطالة في تونس ومزيد مواطن شغل في تركيا. فالمراد من هذا التوجه إعادة إلحاق الإيالة التونسية بالخلافة العثمانية ولكن بطريقة وإخراج جديد على الطريقة النهضاوية الإخوانية المبنيّة على العمالة والتطبيع والانخراط في مشاريع تصفية الخيارات الوطنية لهذا الوطن الجريح، الذي تعاملوا معه بمقولة شعبية “جوعوهم وفقروهم: نهار الانتخابات تلقوهم”.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى