الرئيسية / صوت الوطن / الإجراءات الاستثنائيّة في الميزان
الإجراءات الاستثنائيّة في الميزان

الإجراءات الاستثنائيّة في الميزان

علي البعزاوي

الأكيد أنّ حركة النهضة تتحمّل المسؤولية الأكبر في تخريب الاقتصاد المحلي ورهن البلاد للقوى الإقليمية والاستعمارية وتفقير وتجويع الفئات الشعبية من خلال السياسات النيوليبرالية المتوحشة وميزانيات التقشف المملاة من صناديق النهب الدولي التي انتهجتها إلى جانب مسؤوليتها في الاغتيالات السياسية وعمليات التسفير إلى بؤر التوتر التي حصلت زمن الترويكا وتفشّي الفساد الذي بات الظاهرة الأبرز في مجتمعنا خلال العشرية الأخيرة. هذا التشخيص هو المحدد دائما في ضبط مواقفنا وقادنا في مختلف المنعرجات إلى المطالبة برحيل النهضة وكل منظومة العمالة والنهب والفساد وإرساء البديل الوطني والديمقراطي والشعبي.

إنّ أيّ بديل عن مشروع وخيارات النهضة ومن معها التي تعتبر مواصلة في خيارات النظام القديم المطاح به لابدّ أن يقطع مع هذه الخيارات والسياسات حتى لا تستمر الأزمة ولا تتعمق مآسي الشعب التونسي. بمعنى آخر لا يكفي إزاحة النهضة ومشتقاتها للادّعاء بأنّ واقع التونسيات والتونسيين سيتغيّر نحو الأفضل. فالمسالة مرتبطة بجوهر هذا البديل هل هو في قطيعة مع القديم وموجّه بالتالي لخدمة الأغلبية الشعبية أم أنه في تواصل معه.

إذا الإجراءات التي اتّخذها قيس سعيد تباعا ابتداء من 25 جويلية إلى اليوم لابد أن يتمّ التعاطي معها من هذه الزاوية وليس من زاوية إزاحة النهضة ومشتقاتها من مشهد الحكم علما وأنها مازالت تعشّش في الأجهزة والمؤسسات وتؤثّر في القرار بهذا القدر أو ذاك. إنّ استئصال الورم ليحلّ محلّه آخر لا يعالج الأزمة ولا يقضي على المرض بل يعيده إلى الجسم بأكثر حيوية وقوة وفتكا.

قيس سعيّد لا يختلف عن النّهضة
إنّ صراع قيس سعيد مع النهضة الذي اندلع بطريقة واضحة بعد سقوط حكومة الفخفاخ لا علاقة له بالخيارات والبرامج. فالرجل لم يعترض يوما على إملاءات صندوق النقد الدولي وعلى سياسات التقشف ولم يدعُ إلى اعتماد خيارات اقتصادية واجتماعية جديدة خادمة للأغلبية الشعبية ولم يطالب بمراجعة الجباية ولا باستخلاص الديون الجبائية المتخلّدة بذمّة العديد من رجال الأعمال. بل إنّ رئيس الحكومة الفخفاخ الذي عيّنه قيس سعيد استغلّ جائحة كورونا لتأجيل استخلاص الديون المتخلّدة بذمّة بعض رجال الأعمال لمدة سبع سنوات (تقارب الـ10 آلاف مليار) دون اعتراض من الرئيس.

كما أنّ هذا الصراع الذي اعتمد في جزء منه على التشهير بظاهرة الفساد المتفشّية في مؤسسات الدولة لم يتوّج بفتح وتقديم ملفات فساد للقضاء ولم يقع المساس بأيّ من باروناته رغم أنّ الملفات جاهزة حسب ما يروج.

الملف الاجتماعي بكل عناوينه: تشغيل المهمشين والمعطلين – ترسيم عمال الحضائر وخلاص أجورهم وفق السلم الجديد – معالجة تدهور القدرة الشرائية – حلّ معضلة المؤسسات التي أغلقت أبوابها وسرحت أكثر من 100 ألف عاملة وعامل…، هذا الملف المهم لم يطرح أصلا. لقد كان بإمكان الرئيس إصدار قرار بتجميد أسعار السلع والمواد الأساسية وكل ما يتعلق بمعيشة المواطن، وتفعيل القانون 38 لتشغيل المعطلين وكذلك معالجة ملف الخدمات الصحية والتربوية والبيئية. لكنه اكتفى بصرف المنح للعائلات المعوزة التي تصدّق بها البنك العالمي على تونس لتواصل تبعيّتها للمنظومة الرّأسمالية العالمية.

المالية العمومية التي تشتكي عجزا هائلا (18 ألف مليار) واختلال الميزان التجاري بسبب الاستمرار في التوريد العشوائي استجابة لمصالح الكمبرادور لم تعالج ولم تطرح على الطاولة أصلا في حين أنه كان بإمكان الرئيس إصدار قرار باستخلاص الديون المتخلدة بذمة المؤسسات ورجال الأعمال لصالح الدولة ومنع توريد المواد الكمالية إلى جانب إصدار أمر بتغيير العملة المحلية بهدف وضع حدّ للاقتصاد الموازي وإجباره على الدخول في الدورة الاقتصادية المنظمة.

مسألة الانخراط في الأجندات الإقليمية لم تتوقف بل وقع فقط استبدال محور بآخر (المحور السعودي المصري الإماراتي بديلا عن المحور القطري التركي). وعلاقات التبعية للقوى الامبريالية باقية على حالها ولعلّ الرئيس بحاجة إلى سند خارجي للاستمرار في مشروعه الشعبوي الخاص.

الثقافة التي همّشت في ظلّ حكم النهضة لم يولها الرئيس أيّ اهتمام والإعلام يعيش على وقع التضييق والاعتداءات الأمنية المتواصلة دون حسيب ودون تدخّل من صاحب الإجراءات الاستثنائية. ويبدو أنّ القافلة ستسير على نفس السكة القديمة إن لم تسلك أخرى وعرة وأشد قهرا.

السّلطة المضادّة غائبة عن مشروع سعيّد
إنّ الأحكام الانتقالية التي أقدم عليها الرئيس تمكّنه من احتكار كل السلطات بلا استثناء. وهي أعلى من الدستور بل البديل عن هذا الدستور رغم الادّعاء بالإبقاء على الفصل المتعلق بالحقوق والحريات الذي يفقد معناه وأهميته في غياب المحاسبة أو ما يسمّى بالسلطة المضادة. فالحقوق والحريات لا معنى ولا يمكن حمايتها فعلا إذا لم توجد سلطة مضادة تقاضي منتهكيها وتتخذ في شأنهم الإجراءات العقابية المناسبة.

اليوم يحكم قيس سعيّد ويشرّع وينفّذ عبر مراسيم وأحكام يصدرها هو دون استشارة أيّ كان. وهذه الأحكام والمراسيم غير قابلة للطعن لدى المحكمة الإدارية أو لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين التي أمر بحلّها عمدا حتى يحكم ويتصرف خارج أيّ مراقبة.

وللتذكير فإنه في ظلّ حكومة محمد الغنوشي الأولى والثانية في ظل تفكك الدولة كانت هناك رقابة على السلطة التنفيذية من قبل المجلس الوطني لحماية الثورة المشكّل من المنظمات والأحزاب. ومع قدوم السبسي أحد وجوه النظام القديم كرئيس حكومة بهدف الالتفاف على الثورة وضرب كل تنظيم مستقل يبتدعه المواطنون وقع تجاوز المجلس الوطني لحماية الثورة وتشكيل هيئة بن عاشور التي واصلت دور الرقابة واقتراح الحلول ولو في حدود معينة.

المحاسبة أو ما يسمى بالسلطة المضادة غائبة تماما في مشروع قيس سعيد. وهو الحاكم بأمره بلا حسيب ولا رقيب. وهذا يعرّي حقيقة مشروعه الدكتاتوري المعادي للحقوق والحريات رغم ادّعائه بالإبقاء عليها.

إنّ السلطة دون رقيب ودون سلطة مضادة هي نوع من الفوضى وشكل من أشكال الحكم الفردي المطلق الذي يُطلّ برأسه مستغلا الخراب الذي تركته النهضة ويمكن أن يرتكب الحماقات والجرائم السياسية والاقتصادية وغيرها دون رادع ولنا مثال حي في عقود الشركات البترولية التي وقع التمديد في آجال استغلالها في الفترة الأخيرة دون تقييم مسبق لظروف وشروط هذا الاستغلال ومصالح تونس في العملية… ودون رجوع للشعب.

قبل 25 جويلية حلّ الإسلاميون محلّ التجمع بتعلة أنهم يخافون الله وسيحققون بالتالي مطالب الثورة. لكن حصل العكس تماما. واليوم يحلّ قيس سعيد محلّ النهضة وحلفائها بتعلة مقاومة الفساد ومعالجة الأزمة. لكن لا الأزمة في طريق الحل ولا مقاومة الفساد انطلقت.

تونس بحاجة إلى منظومة جديدة مختلفة تماما، منظومة وطنية وديمقراطية وشعبية قادرة على بناء تونس العصرية والتقدمية ومستجيبة لانتظارات الشعب التونسي التي قامت من أجلها الثورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

5 + 9 =

إلى الأعلى