الرئيسية / عربي / في الذكرى الثانية لاغتيال “سيّد المقاومة”: لبنان والمنطقة، إلى أين؟
في الذكرى الثانية لاغتيال “سيّد المقاومة”: لبنان والمنطقة، إلى أين؟

في الذكرى الثانية لاغتيال “سيّد المقاومة”: لبنان والمنطقة، إلى أين؟

بقلم علي الجلولي

مرت يوم 27 سبتمبر الذكرى الثانية لاغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني في عملية صهيونية غادرة طالته وطالت عددا من قادة الصف الأول في الحزب والمقاومة. وبتصفية “السيّد حسن” يكون كيان الاحتلال قد حقق أحد أهم أهدافه في لبنان وفي المنطقة، كما أن انسحاب “سيّد المقاومة” من الساحة له تبعاته سواء الحسية المباشرة أو في شكل تداعيات لا زالت مستمرة ومتواصلة سواء في لبنان أو في محيطها الإقليمي.

“السيّد حسن” زعيم انتصارات المقاومة

يعتبر حسن نصر الله من القادة اللبنانيين الذين استمروا لمدة طويلة نسبيا في زعامة حركة مقاومة تعرضت إلى عمليات تصفية واغتيال طالت لفيفا هاما من قادتها بمن فيهم الأمين العام السابق “عباس موسوي” الذي اغتيل أشهرا فقط بعد انتخابه للمسؤولية الأولى في الحزب. ويعتبر نصر الله رفيقا لموسوي وتلميذا له، ترافقا منذ أواسط السبعينات حين التحقا بحركة أمل التي شكلت الإطار السياسي والتنظيمي لأبناء الطائفة الشيعية. لكن التطورات اللاحقة وخاصة منذ الاجتياح الصهيوني للبنان صائفة 1982 خلقت فرزا جديدا في الساحة اللبنانية بما فيه صلب الساحة الشيعية بولادة تنظيم جديد تسمى باسم “حزب الله” الذي لم يعلن عن ولادته إلا سنة 1985. حزب انخرط في العمل المسلح ضد الاجتياح مستفيدا من الدعم المادي والمعنوي السخي من “الحرس الثوري” وليد الثورة الإيرانية التي دكت نظام الشاه ودخلت فاعلا أساسيا في المنطقة. كان الشاب حسن من أبرز المؤسسين ومن أكثرهم حماسا وهو الذي مزج تكوينه السياسي والفقهي المذهبي بالنشاط العسكري ممّا بوّأه مواقع قيادية انتهت بتكليفه بالأمانة العامة بعد عزل الأمين العام الأول “صبحي الطفيلي” (1989/1991) بسبب خلاف عميق ليعوّضه الموسوي الذي تمت تصفيته بعد أقل من عام من تكليفه ليعوضه نصر الله الذي استمر من 1992 إلى لحظة اغتياله.

ارتبطت قيادة “السيّد حسن” للحزب والمقاومة بتغيرات عميقة شهدها لبنان والمنطقة والعالم. ففي سبتمبر 1989 تم إمضاء “اتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية المشتعلة منذ 1975، وهو اتفاق انتقده حزب الله في البداية لكنه انخرط في تطبيقاته خاصة وأنه الاتفاق الذي صادر كل السلاح غير النظامي بما فيه سلاح “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول” الذي كان موجها إلى الغزاة الصهاينة، واستُثنِي الحزب من هذا الإجراء بتدخل سوري قويّ في إطار تسوية مع السعودية تهمّ ضبط الأدوار والتحالفات على مجمل الإقليم. واصل حزب الله المقاومة وطور قدراته ووجه الضربات الموجعة للوجود الصهيوني وأعوانه ( جيش أنطوان لحد في الجنوب) ممّا اضطر العدو إلى الانسحاب سنة 2000 ليبرز حزب الله حزب الانتصارات التي تعززت سنة 2006، وفي الحروب الخاطفة (عناقيد الغضب…) تربّع الحزب فاعلا رئيسيا في لبنان والمنطقة، وقد أظهرت صفقات تبادل الأسرى ونشر ثقافة المقاومة التي لعبت فيها خطب نصر الله دورا مميزا، وعززت مكانة الحزب وزعيمه الذي بذل مجهودا هاما ومميزا في محاولة الخروج من جبة القائد الطائفي إلى الزعيم الوطني والقومي وحتى الإنساني وهو ما تفطن إليه السيّد في الفترة الأخيرة من حياته التي عرفت ذروة نضجه السياسي بما حوله خاصة منذ عملية “طوفان الأقصى” إلى أيقونة أممية تحظى بالتقدير والاحترام من قبل القوى الثورية والتحررية في كل العالم. لقد كان اغتيال نصر الله خسارة كبرى لا لحزب الله والمقاومة ولبنان فحسب، بل أيضا لمجمل حركة التحرر الوطني العربية والعالمية. لقد بلغ الشهيد درجة عالية من القدرات التكتيكية والاستراتيجية، ومن تحليل الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، لذلك كانت تصفيته على جدول أعمال الآلة العسكرية الصهيونية لمدة عقود من الزمن نجح في تحديها، لكنها وصلت إليه في لحظة حرجة من لحظات الصراع العربي الصهيوني.

المقاومة اللبنانية، الأمجاد ونقاط الضعف

ممّا لا شك فيه أن تجربة “السيّد حسن” ارتبطت طيلة قرابة الأربع عقود بأدق فترة عاشها لبنان والمنطقة، ولا شك أن الشهيد شكل نموذجا استثنائيا على رأس حركة هي في الأصل طائفية ومذهبية. لقد حققت هذه الحركة أمجاد لبنان المعاصر بدك جيش الاحتلال وتحقيق انتصارات هامة عليه رغم مقدراته المادية الضخمة. لكن نقطة الضعف الكبرى التي ظلت تلاحق حزب الله منذ ولادته كانت طائفيته. لقد تزامن تأسيس الحزب مع ولادة “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول” يوم 16 سبتمبر 1982 والتي كانت ردا وطنيا على الاجتياح. ردا لا طائفيا تصدرته ونادت إليه وانخرطت فيه قوى وطنية عابرة للطوائف هي الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي والحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب البعث والحزب التقدمي الاشتراكي. لقد شكلت ولادة حزب الله إضافة للمشهد الطائفي وتعزيزا للقوى الطائفية رغم انخراطه المبكر والجريء في العمل المسلح ضد الوجود الصهيوني والأمريكي والفرنسي، واستهدافه أكثر من مرة للقوى الانعزالية المرتبطة بجيش الاحتلال. لم يعزز الحزب العمل الوطني اللاطائفي بل تصادم معه وصفى بعض رموزه (مهدي عامل مثلا). ورغم عمله الطويل وتضحياته وبطولاته وتصدره للانتصارات إلا أنه حرم قسما هاما من الشعب اللبناني من الانتماء العضوي للمقاومة التي بقيت حكرا على الهوية الطائفية. لقد تعززت البيئة الحاضنة للمقاومة وتحدت الحدود الطائفية والمذهبية والمناطقية، وتحوّل “السيّد حسن” إلى زعيم وطني يحظى بالتقدير والتبجيل من كل الصف الوطني اللبناني، الصف اللاطائفي، الصف المعادي للصهيونية والامبريالية، والمعادي أيضا ولنفس الدرجة للطائفية التي ظلت على الدوام أحد ورقات تقسيم لبنان والمنطقة بافتعال محاور صراع رجعية لا تستفيد منها إلا الدوائر الاستعمارية وخدمها، ولا أدلّ على ذلك ممّا يعيشه لبنان اليوم بعد الانكسارات التي تعرضت لها المقاومة في لبنان وفلسطين، وهو ما شرّع الباب أمام القوى الانعزالية الطائفية العميلة من أضراب سمير جعجع وآل جميّل وسكان القصور الطائفية الثلاثة (قصور بعبدا والسرايا ورأس التينة) من تمريغ أنف لبنان في تراب الخضوع لإرادة الإرهابيين مجرمي الحرب ترامب وناتن ياهو.

لبنان العلماني لا لبنان الطائفي

لقد فقد لبنان الوطني أحد زعمائه الأفذاذ في لحظة مفصلية دقيقة من تاريخه. لحظة قد تكون هي الأخطر في التاريخ المعاصر للبنان والمنطقة. لكن إرادة الشعب اللبناني الذي لم يعرف طوال العقود المتتالية إلا الحروب والعدوان والتدمير سيعرف كيف يخرج من عنق الزجاجة، وكيف يحول الانتكاسات إلى مخارج للنصر. إن تجربة لبنان القريبة تقدم أروع الملاحم التي قادتها أسلم المقاربات، لقد تصدت القوى الوطنية اللبنانية للحرب الأهلية وللاختراق الصهيوني وللطائفية ببعث “الحركة الوطنية اللبنانية” سنة 1977 والتي كان من قادتها المعلم كمال جنبلاط. لقد شكلت الحركة الإجابة اللبنانية على خطة تفكيك لبنان بواسطة أيادي أمراء الطوائف المدعومين من أمراء البترودولار ومن مطابخ القرار السياسي والاستخباراتي الإقليمي والدولي. وشكل بعث “جمول” في 1982 والتي قام أبطالها بتنفيذ العملية الأولى وحبر البيان التأسيسي لم يجف بعد. “جمول” التي أبدعها أبناء لبنان المعادين للطائفية من أضراب الشهيد جورج حاوي ومحسن إبراهيم وقادة آخرون.

إن لبنان اليوم الذي التحق حكامه بقطار التطبيع، لبنان المحتل والذي تعجز بنادق أمرائه العملاء على إطلاق رصاصة واحدة، لبنان الجريح الذي يرثي حسن نصر الله وجورج حاوي وكمال جنبلاط وسناء المحيدلي وسمير القنطار ومهدي عامل وحسين مروة وغيرهم من رموزه، لبنان الإرث النير لا خيار أمامه إلّا حرق ورقة الطائفية والتخلص منها باعتبارها وباء ومرضا عضالا. إن شفاء لبنان يتمّ باستخلاص دروس الانتصار ودروس الهزائم والنكسات. إن لبنان العلماني، الوطني، المواطني، المعادي للاحتلال وللإمبريالية والصهيونية هو لبنان القادر على المواجهة وتحويل أرضه إلى مقابر للغزاة. دونا عن ذلك سيبقى لقمة سائغة على طاولة أعدائه المحليين والخارجيين.

إلى الأعلى
×