
لا تُقاس ميزانية أي دولة بما تتضمنه من أرقام وتقديرات مالية فحسب، بل بما تكشفه من اختيارات سياسية واقتصادية، وبما تحدده من أولويات في توزيع الثروة والأعباء، وأيضا بما تتركه من أثر على حياة المواطنين وعيشهم وكرامتهم. ومن هنا تبدو ميزانية الدولة لسنة 2027 أكثر من مجرد وثيقة محاسبية لتقدير النفقات والمداخيل، فهي مرآة لخيارات سلطة الشعبوية في التعامل مع أزمة اقتصادية واجتماعية لم تنجح في تقديم أي مشروع أو تصور للخروج منها.
تُقدّر نفقات الدولة بنحو 69 مليار دينار، مقابل مداخيل في حدود 54 مليارا، منها قرابة 50 مليار دينار من الموارد الجبائية. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة تمويلية كبيرة، تضاف إليها حاجيات تمويل إجمالية تتجاوز 28 مليار دينار. وهي مؤشرات تؤكد أن المالية العمومية ما زالت تتحرك تحت ضغط العجز والمديونية، وأن الدولة لم تتمكن من بناء قاعدة إنتاجية وموارد مستدامة تتيح لها تمويل نفقاتها دون اللجوء المتكرر إلى الاقتراض والآليات الاستثنائية.
لكن السؤال ليس فقط كيف ستموّل الدولة عجزها؟ بل لماذا ما زالت تونس عاجزة عن تغيير الشروط الاقتصادية التي تنتج هذا العجز عاما بعد آخر؟
نموّ محدود بلا تحوّل اقتصادي جذري
تتوقع السلطة التي وضعت هذه الميزانية نموا اقتصاديا بنسبة 3.1% خلال سنة 2027، مقابل 2.7% في 2026، وهي نسبة تظل دون مستوى الطموحات المعلنة في المخطط التنموي 2026-2030، الذي يستهدف تحقيق معدل نمو سنوي متوسط في حدود 4.2%.
ولا تكمن المشكلة في الفارق الرقمي وحده بل في طبيعة هذا النمو ومصادره ومدى قدرته على خلق الثروة وفرص العمل وتحسين القدرة الشرائية. فالنمو الذي لا يستند إلى توسع حقيقي في الاستثمار والإنتاج والتصنيع، ولا يترجم إلى تحسن ملموس في الأجور والخدمات وظروف العيش، يظل نموا محدود الأثر اجتماعيا.
وتزداد هذه المفارقة وضوحا عند النظر إلى الاستثمار، الذي يُنتظر أن تبلغ نسبته 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2027، في حين يستهدف المخطط التنموي رفعها إلى 20% بحلول 2030. وهذا يعني أن الفجوة بين الخطاب التنموي والواقع الاستثماري لا تزال قائمة، وأن الاقتصاد لم يستعد بعد قدرته على استقطاب استثمارات كافية لتحريك عجلة الإنتاج وخلق مواطن الشغل.
فلا يمكن الحديث عن تغيير المنوال الاقتصادي دون استثمار منتج، ولا عن تنمية عادلة في ظل استمرار ضعف المبادرة الاقتصادية وتراجع قدرة الدولة على إطلاق مشاريع كبرى، أو توفير بيئة مستقرة ومحفزة للاستثمار.
العبء الجبائي.. من يتحمّل كلفة الأزمة؟
تُظهر الميزانية اعتمادا كبيرا على الموارد الجبائية، التي يُنتظر أن تبلغ 50 مليار دينار من مجموع المداخيل المقدرة بنحو 54 مليارا. وهذا الاعتماد يطرح إشكاليات وتناقضات حول طبيعة العدالة الجبائية، وكيفية توزيع الأعباء بين مختلف الفئات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية.
فارتفاع الموارد الجبائية ليس في حد ذاته مؤشرا على عدالة النظام الضريبي أو على تحسن أداء الاقتصاد. فالمعيار الحقيقي هو معرفة من يدفع الضرائب، وما إذا كانت الأعباء موزعة بشكل منصف، أم أنها تستمر في الضغط على الأجراء والمستهلكين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، بينما لا تتوفر معطيات كافية لتقييم مدى مساهمة الثروات الكبرى والأنشطة ذات الأرباح المرتفعة في تمويل المالية العمومية.
وحتى في ظل التوجه المعلن لعدم الترفيع مبدئيا في الضرائب الأساسية على الدخل والشركات والأداء على القيمة المضافة، فإن ذلك لا يكفي للحكم على السياسة الجبائية. فالعدالة لا تتحقق بمجرد تثبيت النسب الضريبية، بل تتطلب مراجعة منظومة الاستخلاص، ومقاومة التهرب، وتوسيع قاعدة المساهمين، وإعادة توزيع العبء بما يضمن مساهمة أكبر لمن يمتلكون قدرة اقتصادية ومالية أعلى.
وتظل المفارقة هنا كيف يمكن للسلطة أن تتحدث عن العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، بينما تظل مسألة توزيع الأعباء الجبائية ووجهة الإنفاق العمومي غير واضحتين بما يكفي لتقييم مدى استفادة الفئات الأكثر هشاشة من الخيارات المالية للدولة؟
المديونية وتضييق هامش القرار
تتجاوز حاجيات التمويل الإجمالية 28 مليار دينار، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تواجهه المالية العمومية، ويعيد طرح مسألة المديونية باعتبارها قضية تتصل بالسيادة الاقتصادية وبقدرة الدولة على تحديد أولوياتها. فالمديونية لا تُختزل في حجم الأموال التي تقترضها الدولة، بل في طبيعة استخدامها وكلفة تسديدها وتأثيرها على الإنفاق المستقبلي. وعندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة متكررة لتغطية النفقات وسد فجوات التمويل، دون أن يقترن باستثمارات منتجة ترفع قدرة الاقتصاد على خلق الثروة، تصبح الدولة أمام حلقة مغلقة، فهي تقترض لتغطية التزاماتها، ثم تخصص موارد إضافية لتسديد الديون، فتتقلص قدرتها على الاستثمار وتحسين الخدمات العامة.
كما أن اللجوء إلى التمويل الاستثنائي من البنك المركزي، مهما كانت مبرراته الظرفية، لا يمكن أن يشكل بديلا دائما عن إصلاح هيكلي للمالية العمومية. فالمشكلة لا تُحل بتغيير مصدر التمويل وحده، بل بمعالجة أسباب العجز، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد.
إن الحديث عن السيادة المالية يظل مجرد شعار شعبوي ما لم يُطرح السؤال المتعلق بكيفية استعادة الدولة قدرتها على تمويل خياراتها دون الوقوع في التبعية المستمرة لآليات الاقتراض أو الحلول الاستثنائية.
الانتداب والأجور.. بين الحاجة الاجتماعية والقدرة المالية
تتضمن الميزانية انتداب 32،557 عونا في القطاع العمومي، إلى جانب تغطية الزيادات في الأجور خلال الفترة 2026-2028. لكن تقييم هذه الإجراءات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الانتدابات أو حجم الزيادات، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة الوظائف المستحدثة، وتوزيعها بين القطاعات والجهات، ومدى ارتباطها بتحسين جودة الخدمات العامة.
فالمطلوب ليس فقط ضخ موارد بشرية جديدة في الإدارة، بل معالجة النقص في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والنقل، وإعادة الاعتبار للمرفق العمومي باعتباره حقا للمواطن وأحد شروط العدالة الاجتماعية، لا مجرد بند إضافي في نفقات الدولة.
كما أن تحسين الأجور يظل ضرورة اجتماعية، لكنه لا يمكن أن يكون سياسة اقتصادية مكتملة في غياب استراتيجية لمواجهة التضخم ورفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل اللائق. فالزيادة التي تلتهمها الأسعار لا تحقق تحسنا في مستوى العيش وكرامة التونسيات والتونسيين.
الانتقال الطاقي والتنمية الجهوية.. أهداف مؤجلة
تتوقع الميزانية أن تبلغ حصة الطاقات المتجددة من إنتاج الكهرباء نحو 16% سنة 2027، مقابل قرابة 12% سنة 2026، في حين يستهدف المخطط التنموي بلوغ 35% بحلول 2030. وهذا التدرج يكشف أن الانتقال الطاقي ما زال يسير بوتيرة دون مستوى الأهداف المعلنة، رغم ما يمكن أن يتيحه من فرص لتقليص التبعية الطاقية، وتخفيف كلفة التوريد، وخلق استثمارات ومواطن شغل جديدة. ولا يتعلق الأمر بمجرد زيادة نسبة إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، بل بضرورة بناء سياسة طاقية متكاملة تضمن الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الصناعة المحلية المرتبطة بهذا القطاع وتوسيع استفادة الجهات من المشاريع الجديدة.
والأمر نفسه ينطبق على التنمية الجهوية فالمؤشرات الوطنية العامة لا تكفي للحكم على عدالة التوزيع، ما لم تُترجم إلى استثمارات فعلية في المناطق الداخلية والجهات التي ظلت لعقود خارج دوائر التنمية. ولا يمكن الحديث عن منوال اقتصادي جديد إذا بقيت الفوارق الجهوية قائمة، وظلت فرص الاستثمار والتشغيل والخدمات الجيدة ممركزة في مناطق محددة.
إدارة الأزمة ليست بديلا عن تغيير المنوال
في المحصلة، لا تكمن المعضلة الأساسية في هذه الميزانية في ارتفاع النفقات أو محدودية المداخيل وحدهما، بل في استمرار إدارة الاختلالات نفسها دون تقديم مؤشرات كافية على تحول اقتصادي واجتماعي عميق.
إن الخطر الحقيقي هو أن تتحول إدارة الأزمة إلى سياسة دائمة، وأن يصبح ضبط العجز وتوفير التمويل وتسديد الالتزامات غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون أدوات لخدمة مشروع اقتصادي واجتماعي واسع.
فتونس لا تحتاج فقط إلى ميزانية تضمن استمرار الدولة في أداء التزاماتها، بل إلى ميزانية تعيد الاعتبار للإنتاج والاستثمار العمومي والخدمات الأساسية، وتؤسس لعدالة جبائية حقيقية، وتضع تقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية في صلب أولوياتها.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح في مواجهة ميزانية 2027 ليس فقط من أين ستأتي الأموال، بل من سيدفع ثمن الأزمة، ومن سيستفيد من توزيع الموارد، ولماذا يستمر المنوال الاقتصادي الذي أنتج هذه الأزمة أصلا؟
فلا معنى للحديث عن السيادة إذا لم تقترن بالقدرة على إنتاج الثروة، ولا عن العدالة الاجتماعية إذا ظلت كلفة الأزمة موزعة بصورة غير متكافئة، ولا عن تغيير المنوال الاقتصادي إذا بقيت السياسات العمومية تدير نتائجه بدل معالجة أسبابه.