بقلم ميساء الأحمدي
حين يخيّم الصمت على الساحات، لا يعني ذلك أن الأرض فقدت ذاكرتها؛ ففي عمق المدرجات التي أنهكها الركود، وتحت طبقات الرماد التي تراكمت فوق ذاكرة الأجيال، تظلّ جمرة قديمة تنتظر لحظة الهواء.
في علاقة الجامعة بالمجتمع
إن الحديث عن عودة الحركة الطلابية التونسية إلى موقعها في الحركة الشعبية يبدأ من فهم الموقع الذي احتلته الحركة تاريخيًا، والأسباب التي جعلتها تتراجع عنه، والشروط التي يمكن أن تسمح لها باستعادته. فالحركة الطلابية لم تكن في تاريخها مجرد حركة مطلبية محصورة داخل أسوار الجامعة، وإنما كانت، في لحظات معينة، جزءًا من الصراع الاجتماعي الأوسع، تتقاطع مطالبها مع قضايا العمال والشباب والفئات المهمشة، وتحوّل الجامعة إلى فضاء يتفاعل مع ما يعتمل داخل المجتمع.
فمهما ران على ساحاتنا، المعمّدة بالدم ركودٌ ظاهري، ومهما أعلن البعض أن الحركة الطلابية التونسية قد استنفدت طاقتها وأُحيلت إلى سرير الموت، ومهما راهن خصوم الطبقة العاملة والشباب المفقر على اندثار هذا الجسد العنيد، يبقى التاريخ أعقد من أن يُختزل في لحظة انحسار. فالحركات الاجتماعية لا تسير على خط مستقيم، ولا تعرف طريقًا واحدًا من الصعود إلى التأثير. إنها تتقدم وتتراجع، تتراكم ثم تنفجر، ومن هذا المنظور، إن تراجع الحركة الطلابية لا يعني بالضرورة انتهاءها، كما أن عودتها لا تعني مجرد استعادة أشكال نضالية من الماضي. فالمسألة الأساسية هي استعادة موقعها داخل الحركة الشعبية، أي استعادة قدرتها على تحويل التجربة الجامعية إلى جزء من الوعي بالقضايا الاجتماعية الأوسع، وعلى جعل الطالب يرى في مشاكله اليومية امتدادًا لتناقضات تتجاوز الجامعة نفسها. فالجامعة كانت مرآة مكثفة لما يعتمل داخل المجتمع من تناقضات. وما يحدث في المدرجات والمبيتات والأحياء الجامعية يتقاطع بصورة مباشرة مع ما يحدث في الأحياء الشعبية والجهات المهمشة وسوق الشغل. وحين تتراجع قيمة التعليم العمومي، وتضيق فرص العمل، وتتعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويجد الطالب نفسه أمام مستقبل يزداد غموضًا، تصبح المنحة والسكن والنقل والحق في التعليم وجوهًا متعددة لمسألة اجتماعية واحدة.
فالطالب الذي يدخل الجامعة محمّلًا بثقل البطالة والهشاشة والفقر والتفاوت الجهوي لا يدخلها منفصلًا عن مجتمعه. إنه يحمل معه تناقضات طبقته ومحيطه الاجتماعي. وما يبدأ كمطلب فردي أو جامعي محدود يمكن أن يتحول، مع تراكم التجارب، إلى سؤال أكبر حول طبيعة المجتمع الذي ينتج هذه الأوضاع ويعيد إنتاجها.
هل تخلفت الحركة الطلابية عن الحركة الاجتماعية؟
وهنا تحديدًا تتحدد أهمية عودة الحركة الطلابية إلى الحركة الشعبية. وهذا لا يعني أن تتحول الجامعة إلى فضاء تابع لقوى سياسية أو اجتماعية خارجها، ولا أن يفقد الطالب استقلالية مطالبه وخصوصية موقعه. كما أنها لا تعني رفع شعارات كبرى منفصلة عن الواقع اليومي للطلبة. وإنما تعني أن تدرك الحركة أن القضايا الجامعية ليست منفصلة عن القضايا الاجتماعية، وأن الدفاع عن التعليم العمومي، والمنحة، والسكن، والنقل، والعمل، والحق في مستقبل كريم، هو في الوقت نفسه انخراط في أسئلة اجتماعية تتجاوز حدود الجامعة.
وقد عرف تاريخ الحركة الطلابية التونسية لحظات كان فيها هذا الوعي يتشكل على نحو واضح. وكانت أحداث 5 فيفري 1972 إحدى المحطات التي أعادت طرح سؤال استقلالية الحركة الطلابية وصلتها بالمجتمع وبالقضايا الشعبية. ومنذ تلك المرحلة، أصبح حضور الجامعة في الصراع الاجتماعي والسياسي جزءًا من الذاكرة السياسية التونسية، ثم تعزز ذلك في محطات لاحقة، من الاحتجاجات الاجتماعية في السبعينات والثمانينات، إلى انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008، وصولًا إلى الثورة التونسية.
كانت كل هذه المحطات تحمل آثار ما سبقها، وتترك بدورها خبرة جديدة للجيل الذي يأتي بعدها.
ومن هذا المنظور، يصبح الحديث عن موت الحركة الطلابية حديثًا متسرعًا. فالحركة قد تفقد قدرتها على التأثير في مرحلة، وقد تنقسم، وقد تتراجع التنظيمات، وقد تنسحب قطاعات من الطلبة من الفعل السياسي؛ غير أن أسباب وجودها الاجتماعي لا تختفي بمجرد تراجع حضورها التنظيمي. طالما بقيت التناقضات التي أنتجت الحاجة إلى الحركة قائمة، تظل إمكانية عودتها التاريخية مفتوحة.
في شروط العودة…
غير أن هذه العودة لا تحدث تلقائيًا فهناك فرق بين وجود أسباب موضوعية للاحتجاج وبين امتلاك حركة قادرة على تحويل هذه الأسباب إلى فعل جماعي. وهنا يظهر دور المناضلين، دون الظن بكونهم أصحاب عصا سحرية قادرة على استدعاء الحركة من العدم، لكن باعتبارهم جزءًا من الوعي الذي يستطيع أن يقرأ لحظة الركود، وأن يفهم جذورها، وأن يحول الخبرة المتفرقة إلى معرفة مشتركة.
فالمناضل الحقيقي، في هذا المعنى، لا يعيش خارج الحركة ولا يتحدث باسمها من برج مرتفع؛ إنه ابن تناقضاتها، يتعلم منها كما يحاول أن يساهم في تطوير وعيها. وهذه المسألة كانت حاضرة بقوة في التفكير اللينيني حول العلاقة بين العفوية والوعي. ففي «ما العمل؟» يميز لينين بين الاحتجاجات العفوية وبين الانتقال إلى وعي سياسي أكثر تنظيمًا، معتبرًا أن الخبرة النضالية وحدها لا تكفي دائمًا لبناء وعي شامل بطبيعة الصراع الاجتماعي. لذلك يصبح المناضل، في أحسن تجلياته، وسيطًا بين التجربة اليومية والنظرية، بين المطلب الجزئي والرؤية الكلية، وبين غضب الفرد والوعي الجماعي.
ومن هنا أيضًا تأتي أهمية قناعاتنا الفكرية التي تمنحنا أدوات لفهم الحركة والتناقض والمصلحة والطبقة والدولة. ولذلك كان لينين شديد الحذر من تحويل الماركسية إلى مجموعة من القوالب الجامدة؛ فالماركسي مطالب بالنظر إلى الواقع الملموس بدل التمسك بصيغة نظرية تجاوزتها الأحداث.
ولعل هذا ما تحتاجه الحركة الطلابية اليوم أكثر من أي وقت مضى: قراءة واقعها كما هو، لا كما كان في السبعينات، ولا كما تتمنى بعض التيارات أن يكون. فالطالب التونسي اليوم يعيش في جامعة مختلفة، ويتعامل مع عالم رقمي جديد، ويواجه أشكالًا مختلفة من الهشاشة والعمل والبطالة والاغتراب. وفي الوقت نفسه أكثر عرضة للتشتت والعزلة الفردية.
وهنا تكمن المفارقة الأدوات التي تسمح للشباب بالتواصل أكثر من أي وقت مضى يمكنها أيضًا أن تجعلهم أكثر تفرقًا. وكثرة التعبير لا تعني بالضرورة وجود حركة، كما أن كثرة الغضب لا تعني وجود وعي جماعي. الحركة تبدأ حين يتحول الإحساس الفردي بالمشكلة إلى إدراك مشترك، وحين تتحول التجارب المتناثرة إلى ذاكرة جماعية، وحين يجد هذا الوعي أشكالًا قادرة على التعبير عنه.
ومن ثم، فإن استعادة الحركة الطلابية لموقعها في الحركة الشعبية تقتضي قبل كل شيء إعادة بناء هذه الصلة: صلة الطالب بواقعه الاجتماعي، وصلة الجامعة بمحيطها، وصلة المطالب الجزئية بالقضايا العامة. فالمطلب الجامعي لا يفقد خصوصيته حين يرتبط بقضية اجتماعية أوسع، وإنما يكتسب معنى إضافيًا حين يُفهم باعتباره جزءًا من واقع يعيشه جزء كبير من الشباب والطبقات الشعبية.
دور المناضلين في إعادة إشعاع الحركة الطلابية
وفي هذا المعنى، فإن المناضلين الذين سيحملون عبء إعادة الحركة الطلابية إلى موقعها التاريخي سيكونون مطالبين أولًا بفهم هذا الجيل. عليهم أن يكتشفوا لغته الجديدة دون أن يتخلوا عن جوهر الصراع الاجتماعي، وأن يصلوا بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي دون أن يحولوا الطالب إلى مجرد تابع لشعارات جاهزة. فالحركة التي تنفصل عن واقع جمهورها تتحول مع الوقت إلى خطاب على هامش التاريخ، مهما كان قاموسها ثوريًا ومهما ازدانت بياناتها بالمفردات الكبرى.
لقد علّمنا ماركس أن التاريخ يُصنع داخل ظروف لم يخترها البشر، وعلّمنا لينين أن العفوية وحدها لا تكفي لبناء وعي سياسي منظم. وبين الفكرتين تتشكل مسؤولية المناضلً أن يفهم شروط اللحظة دون أن يستسلم لها، وأن يرى حدود الواقع دون أن يحوّلها إلى قدر أبدي. إن التحول لا يأتي من لحظة سحرية تهبط على الساحات، وإنما من تراكم الخبرة والوعي والتنظيم والصراع. وحتى حين تبدو الحركة ساكنة، فإن التاريخ يواصل عمله في العمق. فهناك جيل يتعلم، وآخر يتذكر، ومناضلون يعيدون قراءة الهزائم قبل الانتصارات، وتجارب قديمة تبحث عن لغة جديدة.
وهكذا يبقى السؤال مطروحًا فوق الجامعة التونسية، عن قدرتها على استعادة وظيفتها التاريخية: هل تستطيع أن تعيد بناء الصلة بين الجامعة والمجتمع، وبين الطالب وقضاياه الاجتماعية، وبين الحركة الطلابية والحركة الشعبية؟
فإذا كانت أسباب وجود الحركة لم تختفِ، وإذا كانت تناقضات المجتمع ما تزال تجد صداها داخل الجامعة، فإن عودتها تظلّ حتمية، وتحمل على عاتق مناضليها مسؤولية إعادة إشعاعها، دون الوقوع في فخ إسقاط الماضي ومحاولة اجتراره. فالواقع اليوم يستدعي أدوات نضالية متطورة، بما يجعل من الانغراس في واقع الجماهير والارتقاء بوعيها مسألةً تتطلب قراءة جديدة للواقع واستيعابًا لتحولاته. إذ إن الواقع الموضوعي، في جوهر تناقضاته، لم يتغير، غير أن التعاطي معه، وأشكال استيعابه، وآفاق الطلبة وتطلعاتهم قد تغيرت.
لذلك لا بد من مرونةٍ ممارساتية تقابلها صلابةٌ نظرية، حتى تتشكل الخلطة المناسبة التي تسمح للحركة بأن تتجدد دون أن تفقد بوصلتها. ففي اللحظة التي يدرك فيها الطالب أن الحدّ الأدنى الذي يطلبه من الجامعة قد يكون، في واقع الأمر، أقصى ما تستطيع الدولة تقديمه لهذا المجتمع، سيبدأ في رؤية موقعه وعلاقته بالمجتمع بصورة أوضح. وهنا تحديدًا تتجلى مسؤولية المناضلين: أن يساهموا في كشف هذه العلاقة، وأن يحولوا الوعي بالمطلب الجزئي إلى وعي بالمجمل الاجتماعي الذي أنتجه.
فالمطلوب ليس الانجرار وراء التفاهة تحت عنوان التحديث، كما أنه ليس التربع في سيل الركود واجترار أشكال الماضي. المطلوب هو تجاوز الاثنين معًا: أن تتطور الممارسة دون أن تتخلى عن جوهرها، وأن تتجدد الأدوات دون أن تفقد الحركة بوصلتها النظرية، بما يسمح باستئناف عملية الانسيال بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي، وبين الحركة الطلابية والحركة الشعبية، وفتح المجال أمام وعي جديد قادر على استعادة الحركة الطلابية لموقعها التاريخي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
