الرئيسية / صوت الشباب / اليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية: تونس 2026 بين الأسئلة الراهنة وأفق التحرر
اليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية:  تونس 2026 بين الأسئلة الراهنة وأفق التحرر

اليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية: تونس 2026 بين الأسئلة الراهنة وأفق التحرر

بقلم : محمد بلخيرية

يُحيي شباب العالم في الرابع والعشرين من أفريل من كل سنة اليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية، وفاءً لنضالات الشبيبة المكافحة، واستحضارًا لانتفاضة جماهيرية شهدتها جمهورية الدومينيكان سنة 1965، حين تصدّت الجماهير، وفي طليعتها الشباب، للتدخل العسكري الأمريكي دفاعًا عن السيادة والحرية في مواجهة الديكتاتورية المدعومة خارجيًا. وقد تحوّلت تلك اللحظة التاريخية إلى رمز أممي لنضال الشبيبة ضد الهيمنة، وإلى مرجعية تُستعاد اليوم في سياق عالمي مأزوم تتكثف فيه الحروب، وتتعمق فيه الأزمات الاقتصادية، وتتسع فيه أشكال السيطرة المباشرة وغير المباشرة.

في سنة 2026، لا يمكن اختزال هذا اليوم في بعده الرمزي، بل يفرض نفسه كمدخل لطرح أسئلة جوهرية تمسّ واقعنا كشباب في تونس، في قلب أزمة متعددة الأبعاد، متشابكة محليًا وعالميًا.

أولًا: في راهنية المفهوم – ما هي الإمبريالية اليوم؟

لم تعد الإمبريالية مجرد تدخل عسكري مباشر، بل أصبحت منظومة عالمية متكاملة تشمل الهيمنة الاقتصادية عبر المديونية وشروط المؤسسات المالية الدولية، والهيمنة الثقافية عبر الإعلام وأنماط الاستهلاك، وصولًا إلى التأثير العميق في القرار السياسي للدول. إنها، كما شُخّصت في الأدبيات الماركسية، أعلى مراحل تطور الرأسمالية، حيث يتمركز رأس المال وتُعاد صياغة العالم وفق منطق الربح وفائض القيمة. في هذا الإطار، لم تعد السيطرة تُمارس فقط بالقوة الصلبة، بل كذلك عبر أشكال ناعمةتتسلل إلى الوعي والقيم، فتُعيد تشكيل الإنسان ذاته.

ثانيًا: تونس 2026 – بين التبعية والأزمة

تعيش تونس اليوم وضعًا اقتصاديًا واجتماعيًا حادًا: تضخم متصاعد، بطالة مرتفعة، مديونية متفاقمة، وتدهور في الخدمات الأساسية. وفي ظل هذا الواقع، يُطرح بإلحاح سؤال السيادة: إلى أي مدى يعكس القرار الاقتصادي حاجيات الشعب؟ وإلى أي حد يخضع لإملاءات خارجية؟ هنا تتجلى ملامح الاستعمار الاقتصاديكصيغة حديثة للهيمنة، لا ترفع أعلامًا ولا تعتمد الجيوش، لكنها تتحكم في الموارد والخيارات الاستراتيجية، وتُثقل كاهل الشعوب بسياسات التقشف والتفقير.

ثالثًا: من الاستعمار المباشر إلى الهيمنة المعولمة

إذا كان الاستعمار الكلاسيكي قائمًا على الاحتلال المباشر، فإن الإمبريالية المعاصرة تُعيد إنتاج السيطرة بأدوات أكثر تعقيدًا. فهي لا تكتفي بالهيمنة على الأرض، بل تمتد إلى الثقافة والاقتصاد والوعي. وهنا يصبح كل شيء خاضعًا لمنطق السوق: من القيم إلى الإبداع، ومن العلاقات الإنسانية إلى أشكال التعبير. إن تسليع العالمليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو تعبير عن اختراق شامل يهدد المعنى الإنساني ذاته.

رابعًا: الشبيبة التونسية – بين الإحباط وإمكانيات الفعل

منذ 2011، شكّل الشباب التونسي قوة دافعة في مسار التغيير، لكنه اليوم يعيش حالة من الإحباط نتيجة انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي. البطالة، الهجرة، التهميش، وتراجع الثقة في المؤسسات، كلها عوامل ساهمت في هذا الوضع. غير أن هذا الإحباط لا يلغي إمكانيات الفعل، بل يطرح سؤالًا مركزيًا: هل تتجه الشبيبة نحو الانسحاب، أم نحو ابتكار أشكال جديدة للنضال؟

خامسًا: الفضاءات النضالية – من الجامعة إلى الفضاء الرقمي

لطالما كانت الجامعة فضاءً للنقاش والتأطير، إلا أن دورها اليوم يشهد تراجعًا نسبيًا في ظل الأزمة العامة. كما تطرح مسألة النضال الرقمي نفسها بقوة: هل يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعوض الشارع؟ أم أنها تبقى محدودة ما لم تُترجم إلى فعل ميداني منظم؟ إن التحدي الحقيقي يكمن في الربط بين الرقمي والواقعي، وبين الوعي والتنظيم.

سادسًا: الثقافة والفن كأدوات مقاومة

في مواجهة هيمنة السوق، يبرز الفن الملتزم كفضاء بديل لإنتاج المعنى. المسرح، السينما، الموسيقى، والتعبير الجسدي، يمكن أن تتحول إلى أدوات نضالية، تفضح القبح وتعيد الاعتبار للقيم الإنسانية. غير أن هذه المجالات تعاني بدورها من التهميش وضعف الإمكانيات، مما يجعل معركة الثقافة جزءًا لا يتجزأ من معركة التحرر.

سابعًا: بين المحلي والعالمي – فلسطين نموذجًا

رغم تعقيدات الواقع المحلي، يُظهر الشباب التونسي تفاعلًا قويًا مع القضايا العالمية، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، التي تمثل اليوم أحد أبرز تجليات التوحش الإمبريالي، في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حرب إبادة ممنهجة. هذا التفاعل لا يعكس هروبًا من الواقع، بل وعيًا بترابط النضالات، وبأن التحرر لا يمكن أن يكون مجزأ.

ثامنًا: نحو أفق تحرري – دور الشبيبة في إعادة بناء المشروع

في عالم تتسارع فيه وتيرة الأزمات، تبرز الحاجة إلى استنهاض قوى اجتماعية جديدة، وفي مقدمتها الشبيبة، بوصفها طليعة نضالية قادرة على الجمع بين الوعي والمعرفة والفعل. إن دور الشباب لا يقتصر على الاحتجاج، بل يمتد إلى بناء بدائل حقيقية، عبر تنظيم جماعي، ونضال من أجل السيادة الاقتصادية، وإعادة النظر في الخيارات التنموية، وفرض رقابة شعبية على الموارد.

انتهي إلى أن اليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية في تونس 2026 ليس مجرد ذكرى، بل هو لحظة وعي ومساءلة وتجديد التزام. هو دعوة لربط المحلي بالعالمي، ولإدراك أن ما نعيشه من أزمات هو جزء من بنية عالمية أوسع. وبين واقع صعب وأفق مفتوح، تبقى الشبيبة، بقدرتها على الحلم والتنظيم والمقاومة، الفاعل الأقدر على إعادة صياغة المستقبل، وبناء عالم أكثر عدالة وحرية، حيث لا تكون السيادة شعارًا، بل ممارسة فعلية، ولا يكون الإنسان مجرد أداة في آلة السوق، بل غاية كل مشروع تحرري.

إلى الأعلى
×