الرئيسية / صوت الشباب / في اليوم العالمي لمناهضتها الإمبريالية بين التجدد والتأزم
في اليوم العالمي لمناهضتها الإمبريالية بين التجدد والتأزم

في اليوم العالمي لمناهضتها الإمبريالية بين التجدد والتأزم

بقلم فرات السلامي

يحيي الشباب الثوري في مختلف أنحاء العالم الذكرى الحادية والستين لليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية، وهي ذكرى تعود إلى يوم 24 أفريل 1965، حين انتفضت الجماهير ضد إنزال قوات أمريكية بأحد موانئ جمهورية الدومينيكان، بهدف كبح الثورة المندلعة ضد الدكتاتورية. وقد أصبح هذا اليوم مناسبة للتذكير بخطورة الإمبريالية على سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، واستحضار قيم الثورة والتحرر الوطني.

الخلفية التاريخية لليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية

جاء هذا اليوم في سياق تميّز باحتداد تناقضات الإمبريالية خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية. فعلاوة على تناقضات الرأسمالية التي اكتشفها ماركس، حدّد لينين تناقضات الإمبريالية في ثلاث مستويات أساسية:

  1. 1. التناقض بين الاشتراكية والإمبريالية
  2. 2. التناقض بين الإمبرياليات فيما بينها
  3. 3. التناقض بين الإمبريالية والشعوب

ونتيجة لهذه التناقضات، تصاعدت حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد شكّل هذا المدّ الوطني السمة الثانية التي ميّزت السياق العام ليوم 24 أفريل 1965. كما وجد الشباب الثائر في كوبا حليفًا سياسيًا له، فبعد نجاح ثورتها بقيادة فيدال كاسترو، أصبحت كوبا مرتكزًا لحركات التحرر الوطني في أمريكا اللاتينية، ونقطة إشعاع ثوري ألهمت شعوب المنطقة للنضال ضد الإمبريالية الجاثمة على صدورها، والإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية التابعة لها، بل إن كوبا احتضنت في هافانا المؤتمر التأسيسي لمنظمة التضامن لطلبة أمريكا اللاتينية والكاريبي، في إطار دعم التنسيق بين القوى الطلابية التقدمية وتعزيز النضال المشترك ضد الإمبريالية.

حرب أفريل

في هذا السياق، انطلقت حركة شعبية هدفت إلى إنهاء الحكم العسكري الذي انقلب على خوان بوش سنة 1963، وإلى إعادة هذا الأخير إلى الحكم. وقد لقيت هذه الحركة مساندة من بعض الضباط والجنود التقدميين. وسرعان ما تحولت المواجهة إلى صراع مسلح مفتوح بين معسكرين رئيسيين: المعسكر الديمقراطي، والمعسكر الموالي للحكم العسكري

ولم تتأخر الولايات المتحدة الأمريكية في التدخل حمايةً لمصالحها وللنظام العسكري الموالي لها في جمهورية الدومينيكان، فأنزلت عشرات الآلاف من جنودها في أحد موانئها يوم 28 أفريل 1965، تحت غطاء حماية الديمقراطية وأمن المواطنين، و”التصدي لخطر الشيوعية”. ومن المهم الإشارة إلى أن الخوف الأمريكي من التوسع الشيوعي بلغ أقصاه في تلك الفترة، حيث امتلأت الشوارع الأمريكية بالمعلقات التي تحذر من الشيوعية، وداوم المذيعون عبر موجات الراديو على بثّ دعاية كاذبة ورخيصة، تصوّر الشيوعيين على أنهم وحوش، وتقدّم الشيوعية باعتبارها نظامًا للفقر والدكتاتورية.

وانتشر في شوارع الدومينيكان خبر عزم الولايات المتحدة الأمريكية التدخل عسكريًا لحماية النظام العسكري القائم، فانتظمت، حتى قبل عملية الإنزال، مظاهرات في الشوارع رفعت شعارات مناهضة للإمبريالية والاستعمار. كما أعلنت النقابات العمالية إضرابات عامة احتجاجًا على التدخل العسكري الأجنبي في الشأن الداخلي. وتكوّنت لجان شعبية نصبت المتاريس في أحيائها، والتحق الشباب بالوحدات القتالية تصديًا للنظام العسكري المدعوم بالقوات الأمريكية.

تنامي دور الشباب في النضال ضد الإمبريالية والاستعمار

وعيًا بأهمية تنظيم الصفوف وبعث إطار شبابي وطلابي يوحّد نضالات شباب أمريكا اللاتينية ضد الإمبريالية، انعقد المؤتمر التأسيسي لمنظمة التضامن لطلبة أمريكا اللاتينية والكاريبي في هافانا يوم 24 أفريل 1965، وشكّل لحظة فارقة في مسار توحيد نضالات الشباب والطلبة ضد الإمبريالية والاستعمار.

وتختلف المعطيات حسب المصادر، غير أن أكثرها تداولًا يشير إلى مشاركة نحو 300 مندوب مثّلوا أكثر من 20 بلدًا من أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، إضافة إلى حضور ملاحظين وممثلين عن منظمات وحركات تحرر وطني من مختلف أنحاء العالم. وقد سعى المشاركون خلال أشغال المؤتمر إلى بناء إطار تنسيق دائم بين الشباب والطلبة، يعزز التضامن الأممي بينهم.

ومثّل هذا المؤتمر انتقال الحركة الشبابية والطلابية من العمل على المستوى المحلي إلى المستوى القاري والأممي، ومحاولة ربط نضالاتها بالتخطيط والعمل المنظم، تأكيدًا على دورها كجزء من المعسكر المناهض للامبريالية.

كما شكل نقطة انطلاق للحركات الشبابية والطلابية في أمريكا اللاتينية، حيث ساهم طلبة المكسيك سنة 1968 في قيادة حركة جماهيرية واسعة في مكسيكو ضد النظام الحاكم آنذاك. وفي الشيلي، ربط الطلبة الجامعة بالحركة العمالية، ودعموا صعود اليسار، وكانوا من ركائز تجربة سلفادور أليندي وصعوده إلى الحكم.  وفي نيكاراغوا، انخرط الشباب في الجبهة الساندينية للتحرر الوطني خلال السبعينات، ولعبوا دورًا مهمًا في إسقاط نظام سوموزا لاحقًا. أما في الأرجنتين، فقد لعبت الحركة الطلابية دور قوة إسناد للحركة العمالية في “كوردوبازو”، وهي انتفاضة شعبية اندلعت في ماي 1969 ضد النظام العسكري بقيادة خوان كارلوس أونغانيا، حيث أعلن العمال الإضرابات في المصانع، بينما قاد الطلبة مظاهرات خرجت من الجامعة، سرعان ما التحمت بالعمال، وبنت المتاريس، وسيطرت على أجزاء من المدينة.

تجدر الإشارة إلى أن مختلف هذه الحركات وعلى أهميتها قد واجهت منعطفات حادة تراوحت بين التراجع تحت وطأة عصي القمع الدكتاتوري والانحرافات الإصلاحية. لقد أكدت هذه التجارب صحة موضوعات الماركسية حول قوى التغيير والتحالف بينها وتبين بالكاشف أن الطلبة لا يمكن أن يكونوا قوة التغيير الرئيسية ولا يمكنهم تغيير الأوضاع لوحدهم وأن الحركة الطلابية تكتسي أهميتها كعامل محفز ضمن تحالف طبقي تكون الطبقة العاملة في طليعته.

الإمبريالية والتجدد

بعد أكثر من قرن على صدوره، لا يزال كتاب “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” الذي أصدره لينين سنة 1918 المرجع الأول في فهم الإمبريالية ونقدها. لم يكتف لينين فيه بالتوصيف والملاحظات العامة بل اتخذ مقاربة علمية دقيقة انطلاقا من قراءة ونقد ما يقارب 150 كتابا نشر في تلك الفترة حول الاقتصاد الرأسمالي سواء من قبل الاقتصاديين البرجوازيين أو زعماء الأممية الثانية الانتهازية. وقد حدد ببراعة خصائص الإمبريالية الخمس ألا وهي:

  1. 1. تركز الإنتاج وظهور الاحتكارات
  2. 2. اندماجالرأسمال البنكي والرأسمال الصناعي
  3. 3. تصدير رؤوس الأموال
  4. 4. تكون اتحاداتاحتكاريةدولية
  5. 5.تقسيم العالم بين القوى الإمبريالية

ويزداد عمل لينين المذكور اليوم راهنية، ذلك أن الخصائص التي عددها وحللها لا تزال تميز الإمبريالية حتى يومنا هذا وتمكننا من فهم مسارها.

ففي سنة 1918 عندما كتب لينين العمل المذكور، لم يكن في العالم سوى شركة كبرى واحدة وهي ” شركة الفولاذ بالولايات المتحدة الأمريكية” ذات رأسمال يبلغ مليار دولار أمريكي أما في 1976 فإن عدد الشركات الكبرى تضاعف مئات المرات ليبلغ عددها 350 شركة. في تلك الفترة، تجاوز رأسمال شركة “جنرال موتورز” 22 مليار دولار واستغلت ما يقارب 800 ألف عامل. أما في مارس 2026، فقد بلغت القيمة السوقية لرأسمال نفس الشركة 67 مليار دولار، أي أنه سجل تضاعفا بثلاث مرات في غضون 50 سنة. يجب أن نأخذ بعين الاعتبار في هذا السياق، أن هذه الشركة لم تعد القوة الأولى في العالم، فقد تجاوزتها بعض الشركات الأخرى في الترتيب، خصوصا الشركات التكنولوجية، مثل شركة “أپل” التي يبلغ رأسمالها 3.8 تريليون دولار و”مايكروسوفت” التي يبلغ رأسمالها 2.92 تريليون دولار. إذا تؤكد هذه الأرقام اتسام الرأسمالية اليوم بالخاصية الأولى للإمبريالية، أي تركز رأسمال، الذي يتميز بازدياد قيمة الرأسمال. يرافق تركيز وتمركز رأس المال تعمق الفوارق الطبقية، إذ يحتكر 0.1 % من سكان العالم نصف ثروات الكوكب، كما تتعاظم قيمة الملكية الفردية لدى طبقة البرجوازية، إذ تتجاوز ثروات بعض البرجوازيين أمثال إيلون ماسك ثروات بلدان مثل تونس والسينغال وبوليفيا.

أما ظاهرة اندماج الرأسمال البنكي بالرأسمال الصناعي فهي ظاهرة تزداد تعمقا اليوم كما تؤكد ذلك المعطيات المتوفرة. إذ تدير الشركات الاستثمارية تريليونات الدولارات مع امتلاكها حصصا في الشركات الصناعية والتكنولوجية. فعلى سبيل المثال تدير الشركة الاستثمارية “بلاك روك” أكثر من 10 تريليون دولار من الأصول خلال سنة 2026 فضلا عن امتلاكها حصصا في شركة “أبل” و”مايكروسوفت” و”إكسون موبيل” وغيرها من شركات صناعة السيارات والأدوية.

تتميّز المرحلة الإمبريالية بخاصية تصدير الرساميل، إذ تعمد القوى الإمبريالية إلى توجيه رؤوس الأموال والاستثمارات نحو البلدان التابعة، بما يفاقم استغلال مواردها الطبيعية والثروة التي تنتجها الطبقة العاملة فيها. وتُعدّ هذه الظاهرة في تصاعد مستمر، حيث تشير المعطيات التقريبية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تصدر أكثر من 300 مليار دولار سنويًا، كما تصدّر الصين، باعتبارها قوة صاعدة، أكثر من 100 مليار دولار سنويًا، في حين تصدّر روسيا ما يقارب 50 مليار دولار سنويًا.

لقد انتهت المنافسة الحرة بانتقال الرأسمالية من المرحلة التنافسية إلى المرحلة الاحتكارية ولا تزال تحالفات الاحتكارات والكارتالات تسيطر على السوق وتوجهها كما تشاء. ففي مجال الطيران تتقاسم شركتا “ستار ألاينس” و”سكاي تيم” الرحلات والخطوط وتضبط الأسعار. وتتحكم المنظمة الدولية “أوباك” وشركاؤها في الإنتاج العالمي للنفط وتحدد سقف الأسعار وتحتكر أكثر من 70% من الاحتياطي العالمي للنفط. وفي الفترة الممتدة بين 1997 و2011، عقدت شركات صناعة الشاحنات “ديملار” و”ڤولڤو” و”مان” و”داف” اتفاقا سريا لتحديد أسعار الشاحنات وتجنب المنافسة السعرية وتحميل الزبائن تكاليف التكنولوجيا. وقد تشكلت احتكارات تقتسم الملكية والأسواق فيما بينها حتى في مجال الإنتاج الفلاحي إذ تسيطر 1% من شركات الزراعة والفلاحة على 70% من الأراضي الفلاحية.

ينتقل النظام العالمي اليوم من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب وذلك نتيجة لصعود قوى إمبريالية جديدة على الساحة، هي أساسا، الصين وروسيا. هذا المشهد الجديد يفرض صراعا جديدا يقوم على إعادة اقتسام مناطق النفوذ والأسواق ومصادر المواد الأولية. وما الحرب الروسية الأوكرانية إلا ترجمة لهذا الصراع القائم بين الصين كقوة إمبريالية صاعدة تسعى لافتكاك نصيبها من العالم والولايات المتحدة الأمريكية كقوة إمبريالية تسعى للحفاظ على مكاسبها، مما يؤكد أن الخاصية الخامسة للإمبريالية لا تزال سمة أساسية من سمات الرأسمالية اليوم.

الإمبريالية ومتلازمة الأزمة

لا يقتصر تركز الرأسمال على ازدياد قيمته ونمو الرأسمال الاجتماعي في مجمله، بل يشمل أيضا تنامي الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج. وكما نعلم جيدا فإن التناقض الرئيسي للرأسمالية هو التناقض بين الطابع الخاص للملكية (ملكية وسائل الإنتاج) والطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج، مما يحتم القضاء على الأولى لحل هذا التناقض. وباتساع نطاق الإنتاج وتعقد مجالاته تنمو الطبقة العاملة، حفارة قبر البرجوازية كما يصفها ماركس، كما ونوعا وتحتشد في تجمعات عمالية كبرى في المصانع مما يوفر ظروف ملائمة لاتحادها.

يفرض قانون التطور اللامتكافئ صعود قوى جديدة تنازع القوى القديمة في أسواقها ونفوذها ومصادر المواد الأولية التي تستغلها، هذا الصراع والتناقض بين الإمبرياليات، لا تجد له هذه الأخيرة حلا غير الحرب لحسم مجال كل منها. وتبين مختلف الأحداث الجارية على الساحة العالمية نزوع الإمبريالية نحو العسكرة والحرب، فقد ضاعفت جل الأقطاب الرأسمالية ميزانياتها المخصصة للتسلح، كما أصبح العالم اليوم يحبس أنفاسه على وقع حروب تودي بحياة آلاف الأبرياء وتدمر البنى التحتية والمصانع والآلات كما تشهد على ذلك الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية. إن نزوع الإمبريالية نحو الحرب يقابله دفاع مختلف شعوب العالم عن السلم إذ لا مصلحة لها في سفك الدماء، مما يضع الإمبريالية وشعوب العالم المطالبة بالسلم على طرفي نقيض. ومن المؤشرات الدالة على ذلك هو المظاهرات المنددة بالحرب على إيران ولبنان وفلسطين في العديد من بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. وتعي شعوب البلدان التابعة أنها تتعرض للاستغلال والنهب من قبل الشركات متعددة الجنسية والقوى الاقتصادية الكبرى في العالم، مما يغذي فيها معاداتها للإمبريالية وأذنابها.

ويلاحظ منذ بداية القرن العشرين، تواتر الأزمات الاقتصادية الناتجة عن تناقضات الإمبريالية وقوانينها (1930، 1973، 2008…) حتى أصبحت هذه الأخيرة تخرج من أزمة لتقع في أخرى. تحمل هذه الأزمات آثارا مدمرة، مكلفة الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات من الخسائر. إلا أن البرجوازية المتسببة في هذه الأزمات لا تدفع فاتورتها، فالكادحون في بلدان العالم قاطبة هم من يتحملون عبء هذه الأزمات بتراجع الأجور وغلاء الأسعار والحد من التوظيفات وبتخريب مكاسبهم التي ناضلوا من أجلها أمام أعينهم.

ختاما

تهدد الإمبريالية جميع المجتمعات البشرية فهي تهدد البيئة وتنتهك سيادة الشعوب على أوطانها وتحكم على ملايين العمال والشغالين بالفقر ويرافقها خطر الحرب جنبا إلى جنب وتحول كافة مجالات الحياة إلى مجالات للربح وتمحو العولمة الثقافية الخصوصيات الثقافية للشعوب. إلا أن ذلك لا ينفي كونها رأسمالية تحتضر وضعت الأساس المادي للاشتراكية بتعاظم الطابع الاجتماعي للإنتاج والتطور الكمي والنوعي لقواه. إن الثورة الاشتراكية قادمة عاجلا أم آجلا، فمهما ناورت البرجوازية فإنها لا تستطيع وقف مسار التاريخ.

 

إلى الأعلى
×