لا يزال ملف المعطلين من حاملي الشهادات يراوح مكانه. فالدولة تؤكد يوميا نكثها لالتزاماتها الصادرة في قوانينها المنشورة في الرائد الرسمي مثلما يتعلق الأمر بالقانون عدد18 الخاص بالشروع في تشغيل الدفعة الأولى ممن طالت بطالتهم على أساس قاعدة البيانات التي ترتب الملفات وفقا لمعايير يتمّ ضبطها مثل الأقدمية في التخرج والسن وعدد المعنيين من الخريجين في العائلة الواحدة. وها هو العام الإداري والمالي يشارف على الانتهاء، وها هو مشروع ميزانية العام القادم يناقَش في أروقة الحكومة قبل إحالته في الأيام القليلة القادمة لمجلس الدمى للمصادقة، لكن الدولة بكل مستويات هيئاتها التقريرية، رئاسة وحكومة، تواصل العجز عن مخاطبة المعنيين حول مآل القانون الذي يهمّهم والذي تمّ فرضه في قانون المالية الحالي بفضل نضالات واحتجاجات آلاف المعطلين في كل جهات البلاد. فالحكومة بطبعها خرساء لا تتكلم ولا تنطق ولا تصرّح، لا تؤكّد ولا تكذّب، وقد تكون من الحكومات النادرة في العالم التي ليس لها ناطق باسمها ولا باسم مجلس وزرائها. وحده قيس سعيد يتكلم ويصدر البلاغات التي باتت قناعة أغلب التونسيين عميقة بأنها لا تزيدهم إلا ضبابية وغموضا. دولة تصرّ بأن لا تواجه استحقاقا مدوّنا في قانون المالية، وهو استحقاق يعمل زبانية النظام وحشوده على توظيفه دعائيا للحديث عن وهم “الدولة الاجتماعية” وانتصار الرئيس للفقراء والبؤساء، لكن الوقائع عنيدة وصادمة. فالمعطلون لم يكفوا يوما عن الاحتجاج وقضوا صيفا في الحراك والاحتجاج رغم الحرارة الاستثنائية والعطش والظلام ورغم تجاوز البعض منهم العقد الخامس من عمر البؤس والفاقة. وبطبيعة الحال لم تتواصل معهم هياكل الدولة، بل خاطبتهم عصا القمع ومتراك الإهانة في ساحة القصبة، وعلى مدارج المسرح البلدي، وأمام عديد الوزارات، ولم تقابل إضرابات الجوع والاعتصامات في المعتمديات وفي الشوارع إلا باللامبالاة والتشويه والعمل بكل السبل على اختراق الحركة وتفتيتها لإرباك التحركات والحدّ من توسعها ومزيد تجذرها.
وقد وصل التعاطي مع نضالات المعطلين ذروة العبث والاحتقار من خلال التعامل مع المشاركين/ات في “مسيرة الكرامة ” التي انطلقت مشيا على الأقدام من منزل بوزيان يوم 29 سبتمبر لتصل إلى تخوم العاصمة يوم 4 أكتوبر حيث كان في استقبالها جدار أمني منع تقدمها إلى قصر قرطاج وفرض توقفها في برج السدرية جنوب العاصمة. وقد تابع التونسيون على الأثير ما نطق به مسؤول أمني أمام مسيرة المعطلين بالقول «ماو قلنالكم تونس لا»، قاصدا أنه لا سبيل إلى عبورهم إلى وسط العاصمة ولا إلى بلوغ قصر الرئاسة. وهو قول وضع على المحك حقيقة خطاب قيس سعيد ووضعه في مواجهة مباشرة مع جماهير الهامش أمام منطق المركز الذي لا يرى في سكان التخوم والثغور إلا رعايا له مطلق الحق في ضبط مجال حركتهم. إنه استعادة تراجيدية لماضي دولة المخزن التي عانى من قهرها أجداد القادمين من منزل بوزيان ومن باقي مناطق الهامش. وانتهى الأمر بإهانة إضافية بعد نقل وفد من المحتجين لينتظر ساعات ويعود على أعقابه دون مقابلة ساكن قصر قرطاج، جاءت هذه الإهانة لتعزز مسلسل المهانة وكيفية تعاطي نظام الاستبداد مع رعاياه.
لقد شكل التعاطي مع “مسيرة الكرامة” نقطة فارقة صعّدت من منسوب الغضب لدى المعطلين وأسقط وهم المراهنة على الرئيس “نصيرا للمعطلين”. إن قيس سعيد هو رأس الدولة، والدولة هي خيارات طبقية منحازة للطبقات المسيطرة والنافذة، وليقل هو ما يريد. والدليل على ذلك هو تعطل ملف انتداب بضعة مئات ممن طالت بطالتهم، وهذا التعطل لا معنى له خارج تفصي الدولة من مهماتها وأدوارها الاجتماعية وفي مقدمتها الحق في الشغل الذي يهمّ الآلاف سواء من حاملي الشهادات أو من غيرهم. إن الخلل الهيكلي الذي يعيشه المنوال الاقتصادي/الاجتماعي المتبع يدفع فاتورته الشعب بأجرائه وكادحيه ومعطليه الذين لم تستوعبهم آلة الإنتاج المعطلة والمختلة بحكم توجيه الاقتصاد إلى خدمة الريع عوض إنتاج الثروة. وأن يتمّ الإخلال بالتزامات قانونية صادرة في قانون المالية فهذا ليس بدعة لدى دولة الكمبرادور، وهو نتيجة حتمية لخيارات نيوليبرالية لا ترى في التشغيل إلا عبئا ماليا واقتصاديا، وهي بطبيعة الحال مستعدة وجاهزة للتضحية به ولقمع المتضررين منه. ورغم التصريح السابق بكون الاعتمادات المالية المخصصة للدفعة الأولى من الانتدابات جاهزة، إلا أن منظومة الفشل عاجزة عن مصارحة الشعب بكون تلك المخصصات تبخرت وتوجهت لأبواب أخرى بحكم ارتفاع أسعار النفط وأسعار الحبوب… فالاقتصاد التابع يتأثر بكل ربع دولار ينضاف في أسعار مواد الاستهلاك الأساسية، حينها يجب التضحية بالخدمات والمرافق الاجتماعية، ولا يتمّ مطلقا المسّ من أرباح أصحاب النفوذ من قوى الريع التي تحكم فعليا.
إن الإجابة الأسلم والأقصر في التعاطي مع ملف المعطلين هو إعادة تنظيم حركة المعطلين وتوحيد أطرها النضالية على أساس المواجهة الجماهيرية الواسعة وتعبئة آلاف المعطلين وتنظيم حركة الاحتجاج والنضال وتخليصها من وهم الرهانات الخاسرة على قيس سعيد الذي لا يجب التعاطي معه إلا باعتباره رأس هذه الدولة القائمة بخياراتها وسياساتها. كما أن الاختراق الحاصل في جزء من حراك المعطلين باسم “رفض التسييس” فهو عمل خبيث لعزل حركة المعطلين بما يسهّل الاستفراد بها وإضعافها وضربها. إن رفض التعاطي مع القوى المدنية والسياسية والنقابية هو فكرة رجعية لا ترى في حراك المعطلين إلا حراكا قاصرا يمكن التلاعب به وحرفه. إن حراك المعطلين هو جزء من حراك المجتمع، وهو يتعاطى مع مكونات هذا المجتمع وتعبيراته وفق سلوكها إزاءه، فهناك قوى صديقة ومناصرة للمطالب العادلة للمعطلين مثل النقابات والمنظمات الحقوقية والأحزاب التقدمية، كما أن هناك قوى أخرى معادية لحراك المعطلين، وهي عموما القوى المساندة للخيارات القائمة وللقوى الطبقية والسياسية المدافعة عن السياسيات الليبرالية المتوحشة التي تنتج مزيدا من المعطلين والمهمشين. إن الحملة الأخيرة التي نظمتها الحشود الفاشية ليس لها من هدف سوى عزل المعطلين عن محيطهم الطبيعي وهو القوى التقدمية التي يحاولون شيطنتها للاستفراد بحراك المعطلين وإضعافه كما حدث مع “مسيرة الكرامة”. إن حركة المعطلين في بلادنا لها تاريخ ناصع وتجربة نضالية منذ انطلاقتها المنظمة بداية السنوات الألفين مما بوّأها موقعا رياديا خاصة منذ انتفاضة الحوض المنجمي وأحداث الثورة التي كان اتحاد المعطلين أحد قادتها الميدانيين إن لم يكن أهمهم. فليستخلص المعطلون/ات الدروس من تجاربهم السابقة والحالية، وليعيدوا تنظيم صفوفهم لأخذ موقعهم في صدارة المعارك الاجتماعية الجارية في بلادنا.
صوت الشعب صوت الحقيقة
