انتظمت “المسيرة الوطنية” صبيحة السبت 17 أكتوبر بمشاركة آلاف التونسيين/ات الذين لبّوا دعوة المنظّمات التسع التي شكّلت إطارا للتنسيق الجمعوي والتي لقيت الدعم من كل القوى السياسية الديمقراطية، التقدمية المناهضة للاستبداد. إنّ نجاح المسيرة قد شكّل صفعة هامة لجوقة المشككين من أعوان الفاشية الشعبوية الحاكمة الذين باتوا لا يتحرّجون في اعتبار أيّ دعوة للتحرك ضدّها، دعوة من قبل “الخونة والعملاء والإرهابيين”، وهو تسويق مفضوح لنفس معجم قيس سعيّد الديماغوجي والتضليلي. ورغم صدور الدعوة عن منظمات اجتماعية وحقوقيّة ديمقراطية، فإن جوقة المرتزقة لا تتورّع في نسبها إلى “حركة النهضة وقتلة الشهداء” بهدف تشويه المسيرة من جهة وتبرير عدائهم لها من جهة ثانية، علما وأنّ هؤلاء المرتزقة هم أوّل من خان ذاكرة الشهداء بارتمائهم في أحضان نظام إنجازه الوحيد تصفية مكاسب الثورة الديمقراطيّة وإغراق البلاد في مزيد التبعيّة ومفاقمة البطالة والفقر والبؤس وتردّي الخدمات العامّة وتحويل تونس إلى موضوع «حفل شواء دولي» تتنافس عليها الكواسر من كل جهة لابتلاعها وتدميرها.
نزل الطيف الديمقراطي التقدمي بثقل واضح في المسيرة حضورا وشعارات فضحت الطبيعة الطبقية الرجعيّة لمنظومة الحكم وعرّت عداء الحاكم بأمره للحريات وتحويله البلاد إلى سجن كبير لبنات الشعب وأبنائه لأبسط الأسباب. وصل الآلاف إلى ساحة محمد علي وافدين من تونس الكبرى ومن الجهات رغم كل التضييقات الأمنية. فقد سُيّج وسط العاصمة تسييجا كليا بالحواجز كما تمّ استدعاء تعزيزات أمنية كبرى أحاطت بمسار المسيرة من كل الجهات، وهو ما نتج عنه منع عدد كبير من المواطنات /المواطنين من الالتحاق بها والمشاركة فيها. إن مسيرة 17 أكتوبر تشكل، بظروف اليوم، لحظة مفصلية هامة في استعادة التعبئة والنزول إلى الشارع للاحتجاج على سلطة الانقلاب وسياساتها وخياراتها المعادية للشعب. فهي المسيرة الأكبر منذ سنوات وخاصة منذ الانقلاب الذي قسّم القوى السياسية والاجتماعية والمدنية وأربك بعضها، علاوة على مساهمة الهجوم الممنهج على الحريات والاعتقالات العشوائيّة والمحاكمات الجائرة في زرع الخوف وتعطيل النشاط الاحتجاجي.
إن مسيرة 17 أكتوبر تعبّر عن اتجاه الحراك الغاضب الذي لاحت مؤشراته منذ الصائفة الماضية مع احتجاجات المواطنين ضدّ انقطاعات الماء والكهرباء وكذلك مع حراك المعطلين عن العمل نحو التصاعد، مع ميزة جديدة وهي بداية تنظيم الحراك وتأطيره. لقد مثّل نجاح المسيرة اختبارا جديا لاستعداد كل الأطراف المتضررة من منظومة الاستبداد للمعارك القادمة بما في ذلك ما يهمّ الحركة العمالية والنقابية ومنظمتها التي تلقت في المدة الماضية ضربات موجعة من تلك المنظومة. أثبت الاتحاد، مبدئيّا، قدرة على لملمة صفوفه وإعادة تعبئة قواه في قطاعات أساسية ومؤثرة. ومن المؤكّد أن نجاح المسيرة سيساعده على السير قدما في تعزيز هذه القدرة وربّما المرور إلى الإضراب العام الذي ثبّته المؤتمر الوطني الأخير والذي سيشكل، في صورة تنفيذه، لحظة مهمة في التصدّي للاستبداد الذي يدوس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمّال والأجراء ويجمّد الحق النقابي ويستهدف المنظمة في وجودها، وذات الأمر بالنسبة إلى المنظمات المهنية التي تهمّ المحامين والصحفيّين والأطبّاء والمعطّلين والطلّاب الذين تتفاقم أوضاعهم وتتراكم مطالبهم ويتصاعد غضبهم. إن المسيرة، إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية، هي مسيرة ناجحة وتعبوية ويمكن أن تدفع إلى الأمام حالة التعبئة وتأطير الغضب المتنامي.
وهي أيضا مراكمة هامة للفعل النضالي السياسي التقدمي ذي المضمون الاجتماعي والوطني الذي عبّرت عنه الشعارات المرفوعة بكل وضوح، إذ لم يكن للقوى الليبرالية والرجعية من هذه الزاوية حضور مؤثر أو لافت. إن هذه القوى وإن كانت معنية بمسألة الحريات في حدود استهداف قادتها وأعضائها، فإنها غير معنية واقعيّا بالمطالب الوطنية والاجتماعية بحكم توجهاتها التي خبرها الشعب والتي لا تختلف عن توجهات المنظومة القائمة، وإن رفعتها فمن باب الرياء والمغالطة. من جهة أخرى وجب حسم موضوع طالما تعلّل به زبانية النظام الذين يعتبرون، مثلهم مثل “وليّ أمرهم”، أي ممارسة احتجاجية إمّا أنّها بدفع من حركة النهضة والحزب الدستوري وإمّا أنّهما المستفيدان منها وما ذلك إلّا لتشويه النضالات الشعبية والتحركات الديمقراطية والتشكيك في مشروعيتها وتغطية انهزاميتهم وتواطئهم وقيامهم بدور الطابور الخامس للاستبداد والدكتاتوريّة.
إن الشعب التونسي الذي التفّت قوى الثورة المضادّة لمدة عشر سنوات على مطالبه وطموحاته وفتحت الطريق إلى صعود قيس سعيد ومنظومته الشعبوية كي يعيد البلاد إلى مربّع الدكتاتورية بأشكال أكثر فظاعة أحيانا ممّا عرفته من قبل، من حقه بل من واجبه تصعيد احتجاجه وتنظيمه وطرح مطالبه التي تهمّ معيشته وحريته وكرامته، ومن حقه وواجبه طرح مهمة التغيير على جدول أعماله وهو ما صدحت به حناجر آلاف المشاكرين/المشاركات في مسيرة السبت رافعين الشعار الذي يرعب الطغاة: “ديقاج”. إن القول بأن شعار التغيير لا يفيد إلا “القوى المتربصة ببلادنا محليا وخارجيا” لأنها الأكثر جاهزية للانقضاض على الحكم، مردود على أصحابه، فالذي أضعف قوى المجتمع وعلى رأسها القوى الاجتماعية والمدنية والسياسية الديمقراطية هو نظام سعيّد، والذي فتح البلاد للقوى الإقليمية والدولية لتتآمر على أمن البلاد ومستقبل حكمها هو نظام سعيّد أيضا، علاوة على أنّه هو الذي يدفع، بسياساته الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة والمدمرة، بعض الفئات المهمّشة والمدمّرة من المجتمع، إلى الحنين سواء إلى الماضي القريب (حكم النهضة وحلفائها) أو البعيد (حكم الدساترة والتجمعيّين)، وهو وضع مرّت به أغلب تجارب “الانتقال الديمقراطي” التي لم يتمكن فيها الشعب وقواه الثورية من حسم مسألة الحكم لصالحه، إذ أعادت الصناديق حكام الأمس بداعي “الأفضلية والخبرة” وهو ما يعبّر عنه بعض التونسيين بالقول “ما أبركك يا راجل أمي الأول”.
إن الموقف والسلوك المتماسكين للقوى الثورية والتقدمية ومنها حزبنا هو أوّلا الارتباط بحركة احتجاج الشعب لإيجاد موقع مؤثّر فيها، وهو ثانيا التعاون مع القوى السياسية والنقابية والمدنية الديمقراطية من أجل تحقيق أوسع ائتلاف أو تجمّع ضدّ منظومة قيس سعيد الدكتاتورية لتحقيق مطالب مشتركة تخفّف وطأة القمع والتفقير على شعبنا. إن موقع المتفرّج لا يفيد الشعب بل يفيد أعداءه. إن القوى الثورية انبعثت من رحم النضال كي تقوم بمهمة تأطير حركة النضال وتنظيمها وتوعيتها وقيادتها حتى لا يتمّ السطو عليها أو توجيهها نحو أغراض ضدّ مصلحة الشعب. إن الغليان ينتشر ويتوسّع ويطال قوى اجتماعية جديدة دمّرتها المعيشة والقمع. إن مسألة التغيير مطروحة بجدية فلتكن من الشعب ولصالح الشعب، لا من صنع مطابخ القرار الرجعية المحلية والخارجية. إن غلق الطريق أمام كل السيناريوهات المعادية لشعبنا ووطننا تفرض على كل القوى الثورية والتقدمية توحيد مجهوداتها لتمثيل الشعب وقيادة نضاله نحو الظفر والانتصار. ولتفتح مسيرة 17 أكتوبر آفاقا أرحب لنضال شعبنا ومنظماته وقواه الشعبية التقدمية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
