
انتهت بداية الأسبوع الجاري انتخابات “الكنيست” التي نظمها العدو الصهيوني والتي عمل بأقصى جهده، رفقة زبانيته، التسويق بكونها “الدليل القاطع” على واحة “الديمقراطية الإسرائيلية” في “صحراء الاستبداد العربي“. إضافة إلى هذه الأغنية المشروخة اشتغلت الماكينة الإعلامية الضخمة داخل كيان الاحتلال، وفي مختلف البلدان الامبريالية، على ترويج مغالطة كبيرة مفادها أن الصراع الجاري بمناسبة هذه الانتخابات يقابل بين “كتلة الحرب” بزعامة نتنياهو، و“كتلة السلام” بقيادة آيزنكوت، الرئيس الأسبق لأركان الجيش الصهيوني بما يحمل في سجلّه من دم أطفال غزة ونسائها ورجالها، ودم مزارعي الضفة وسكان القدس، فضلا عن دماء الأبرياء في لبنان. تمّ الاشتغال بقوة من أجل تسويق أن بكيان الاحتلال “معسكر سلام” له قاعدة واسعة تؤهله للفوز وتشكيل الحكومة القادمة التي ستكون بجرة قلم “حكومة السلام مع الفلسطينيين“، وتمّ التسويق الواسع أن تحالف آيزنكوت سيكون مدعوما من «الكتلة العربية ليتمكن من تشكيل الحكومة». لتأثيث هذه الحملة وقع التسويق لفكرة أن وعيا صاعدا داخل المجتمع الصهيوني للتصدي لعتاة المتطرفين ممثلين في الوزيرين النازيين بن غفير وسموتريتش، باعتبارهما يرمزان للوحشية والفاشية والذين يمثل بقربهما نتنياهو “حمامة سلام“.
إن هذا المجهود غير المسبوق لتسويق الانتخابات الصهيونيّة على أنّها علامة على “ديمقراطية الكيان” و“سلامة خياراته“، وأن التوجهات العسكرية الإبادية التي باتت تسبب حرجا كبيرا لعديد حلفائه تمثل “مجرّد انحراف” وأنّه ثمّة من يرفضها من داخل الكيان ذاته، وأن “الأقلية الفلسطينية” يمكنها إن أرادت الاحتكام إلى “الآليات الديمقراطية المكفولة“ أن تقوم بدور “مواطني” بما في ذلك في تحديد مصير الحكومة القادمة وهو ما يروّج له بعض أعضاء قائمات عرب 1948 التي استنفرت 80 % من الكيان الفلسطيني داخل الخط الأخضر لتحصد مجتمعة 19 مقعدا راسمة هدفا سياسيا/انتخابيا وهو إسقاط نتنياهو وحليفيه المجرمين المتطرفين بن غفير وسموتريتش تحت شعار “إسقاط الأسوأ“، وعلى أساس ذلك أبدت الاستعداد لدعم تحالف آيزنكوت. لكنّ المغالطة سرعان ما انكشفت إذ أعلن هذا الأخير أربعة شروط لأي تحالف معه وهي: التمسّك بـ“الهوية اليهودية للدولة“، و“وثيقة الاستقلال“، و«إلزامية الخدمة العسكرية للجميع دون استثناء»، وبكون «حماس حركة إرهابية يجب استئصالها» ووضع اليد على غزة لمنع أيّ عودة للمقاومة ومواصلة الاستيطان في معظم مناطق الضفّة. وبهذا ينزع هذا العسكري الدموي أي غموض أو تضليل تم تسويقه من هذا الطرف أو ذاك أثناء الحملة الانتخابية.
إن الفلسطينيين في كل الأراضي المحتلة وفي مواطن اللجوء والشتات يعون جيدا أن الصراع بين الصهاينة هو صراع من أجل الكراسي والمواقع ومن أجل سفك دماء أكثر وضمّ أراض جديدة وتشريد وتهجير الشعب الأصلي خاصة بعد ضربة 7 أكتوبر الموجعة التي خيّمت على كل ردهات الانتخابات وخاصة من جهة المطالبة بمحاسبة المسؤولين عما لحق بالكيان من إذلال وعلى رأسهم المجرم نتنياهو الذي لم يغفر له حجم الجرائم التي ارتكبها والتي يحال بسببها على أنظار القضاء الدولي. تسابق المتنافسون على مزيد الوعيد والتهديد تجاه فلسطين ولبنان وسوريا وإيران. إن المشترك في العقيدة الصهيونية هو العمل على تحقيق الإستراتيجية الصهيونية العالمية وهي بعث “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات أي مزيد توسيع السرطان في خاصرة المنطقة لمزيد امتصاص ثرواتها ونهبها ومزيد التحكم في حركاتها وسكناتها من أجل تأبيد السيطرة والتحكم في منطقة هي الأهم موقعا ومقدرات. إن دولة العصابات الصهيونية التي انتصبت على جماجم الفلسطينيين، لا يمكن أن تكون دولة وئام “قومي وديني” و“مصالحة تاريخية” بين الجلاد والضحية ولا يمكن أن تكون علاقتها بشعوب المنطقة غير علاقة عداء مطلق.
إنّ أقصر الطرق أمام الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة لتحقيق كرامتها هو التخلّص من كل وهم حول الثالوث السرطاني الذي يمتص دماءنا، أي ثالوث الامبريالية والصهيونية وأنظمة العمالة، باعتبار الوحدة العضوية التي تربط أطرافه بعضها ببعض، فهو العائق الأساسي أمام نهوض شعوبنا واستقلالها وتحررها. فلولا الدعم الامبريالي اللامحدود للمشروع الصهيوني، ولولا التواطؤ الرسمي العربي السري والعلني، لما تمّ احتلال فلسطين وتقتيل شعبها وانتزاعه من أرضه، في مسلسل يستمرّ لنصف قرن منذ إعلان دولة العصابات، ومنذ أكثر من قرن منذ إعلان وعد بلفور. إن أقصر الطرق هو المواجهة الشاملة مع الكيان المصطنع الذي أثبتت ملحمة 7 أكتوبر البطولية أنه كيان ورقي وزائف لولا دعم الامبريالية وتواطؤ حكام المنطقة. لقد نازلت المقاومة الوطنية الفلسطينية طيلة عقود هذا الكيان وحققت ضدّه عديد الانتصارات. وأكدت التجربة أنّ وهم السلام معه هو مضيعة للوقت وهو ما تؤكده التداعيات المدمّرة لمسار أوسلو الذي صنع سلطة تشتغل حارسا لأمن كيان الاحتلال. كما تؤكد النتائج الصفرية لمسار التفاوض اللبناني الذي انخرط فيه حكام لبنان نفس الاستنتاج وهو أنّ العدو لا يفهم إلا لغة واحدة هي لغة المقاومة وهو ما أكدته تجربة لبنان في 2000 و2006 إذ انسحب جيش الاحتلال تحت وابل رصاص المقاومة، أمّا تفاوض الجبناء فلن يحقق إلا مزيدا من الاحتلال والإذلال.
إن شعوبنا وقواها الوطنية والتقدمية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتوجيه المجهود للأولويات والتناقضات الرئيسية والأساسية من أجل دحر الاحتلال وتحرير الأوطان، وهو ما يتطلّب من الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية الوحدة والنضال من أجل التحرير، ومن شعوب المنطقة إسقاط أنظمة التبعية والاستبداد والفساد، هذه العلقة التي تمتصّ دماء الشعوب وتؤبد تخلف البلدان على مختلف الأصعدة، فالنظام السعودي مثلا يصرف مقدرات البلاد من أجل السيطرة على اليمن خدمة لمصالح أسياده الذين يتضررون من وجود الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب لضرب السفن الصهيو–أمريكية وتوجيه الضربات الموجعة لكيان الاحتلال، في الوقت الذي يلازم فيه الصمت المخزي والمتواطئ حيال ما يجري في فلسطين ولبنان وسوريا والسودان. وهو نفس سلوك أنظمة العار مشرقا ومغربا التي لا ينطلق رصاصها ولا توزّع أموالها إلا لمزيد التدمير ومزيد الاستبداد والفساد حتى تبقى شعوبنا غارقة في التخلّف. إن هذه الأنظمة تتصيّد الفرص كي تطبّع مع الكيان الغاصب التي يتسرّب كالسرطان بما في ذلك في منطقتنا المغاربيّة حيث كسب موطأ قدم في المغرب وهو يحاول الانطلاق منها للتمدّد في كامل المنطقة وهو ما يجعل من مقاومة التطبيع من أوكد المهام في بلادنا دفاعا عن وطننا ودعما لنضال الشعب الفلسطيني في ظلّ نظام مستبدّ سبق له أن منع قانونا لتجريم التطبيع.