قبل يوم واحد من افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة سارع قيس سعيّد بتجميع حكومته التي لم تجتمع بكامل أعضائها منذ ما يزيد عن العام، للنظر في مجموعة من المراسيم تهمّ خاصة تنقيح المرسوم عدد 54 والقانون الأساسي عدد 23 الخاص بالهيئة العليا المستقلّة للانتخابات. كما نظر المجلس في مرسوم جديد خاص بالمجالس البلديّة المنحلّة منذ 2022وآخر خاص بالصلح الجزائي. ونُشرت التنقيحات بشكل مستعجل في نفس اليوم في عدد خاص بالرائد الرسمي لينتهي كلّ شيء قبل انطلاق الدورة البرلمانيّة السنويّة. وقد أثارت هذه العمليّة جدلا في الوسط السياسي والمدني. فما المقصود بالإصرار على تسيير الدولة بالمراسيم والحال أن “الوظيفة التشريعية” منتصبة في قصر باردو؟ وما القصد من إدخال تعديل على الفصل 24 من المرسوم 54 سيء الذكر والحال أن عددا من “النواب” تقدموا منذ أشهر بمشروع بالمضمون نفسه أي استبدال العقوبة السجنية بعقوبة ماليّة وسُدّ الباب أمام مناقشته؟ وما الوجاهة في إدخال تعديل جوهري على القانون الأساسي الخاص بهيئة الانتخابات الفاقدة للشرعية والمشروعية منذ دخول البلاد في طور الانتخابات الشكلية؟ وما المغزى من إصدار مرسوم يخصّ المجالس البلدية دون أي جدل مجتمعي ولا حتى صلب الأجهزة الحاكمة؟ إن الجواب على كلّ هذه الأسئلة واضح وهو أولا رغبة قيس سعيّد الجامحة في التفرّد المطلق بالقرار وتحويل الاستثناء إلى نظام حكم. وهو ثانيا تعزيز الطابع الدكتاتوري الفاشستي لهذا النظام. إنّ سعيّد الذي يتوهّم أنّه “صاحب رسالة” لا يتحمّل حتى مناقشة مبادراته في برلمان الدمى الذي لم يلوِ العصا في يده يوما رغم ما يحدث فيه أحيانا من بعض تململ وضجيج. وهو ما يعني أنّ هذه المراسيم ستجد طريقها إلى التنفيذ دون أن ينظر فيها البرلمان كي تتحول إلى قوانين مثلما يجري في الدول التي تحترم مواطنيها إذ أنّ المراسيم التي لا تعرض في هذه الدول على البرلمان ليصادق عليها أو يلغيها لا يعتدّ بها قانونيا.
أمّا بخصوص مضمون المراسيم فإنّ تعديل الفصل 24 من المرسوم 54 الذي افتضح أمره في العالم أجمع، بتحويل «عقوبة الجرائم الاتصاليّة» الواردة فيه من سجنية إلى مالية ليس إلّا تحايلا على عقول الناس لا لشيء إلّا لأنّ تجريم حرية الرأي ظلّ قائما ببقاء القانون نفسه مع تغيير يشمل نوع العقوبة فقط… ومن جهة أخرى فإنّ ضحايا المرسوم الكثيرين “كلاوها في عضامهم” وحكم عليهم بالسجن… فيهم من قضّى عقوبته وخرج من السجن وفيهم من لا يزال بصدد قضائها… فماذا سيكون مصير هؤلاء جميعا بعد أن لحقهم ضرر المرسوم خاصة أنّه لا يبدو من سلوك السلطة أنّها ستوقف المظلمة التي سُلطت عليهم. يضاف إلى ذلك أنّ الحركة الديمقراطية في تونس ومن صلبها الصحافيون/الصحافيات الأحرار/الحرائر لم تطالب بتعديل جزئي لفصل من فصول سيّء الصيت بل طالبت بإلغائه بالكامل والعودة إلى المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة. إنّ تعويض العقوبة السجنيّة والماليّة الواردة فيه (5 سنوات وخطيّة مالية بـ50 ألف دينار) بعقوبة ماليّة تتراوح بين 10 و20 ألف دينار في المرة الأولى وفي حال العود يعاقب الشخص بـ6 أشهر سجنا و50 ألف دينار مع عدم إمكانية تطبيق ظروف التخفيف كما جاء في الفصل 53 من المجلّة الجزائيّة إضافة إلى مضاعفة هذه العقوبات المالية والسجنية إذا كان الشخص المستهدف من الإشاعة أو التشهير موظفا عموميا أو شبهه، لا يغيّر من جوهر القانون القمعي. فهذه التنصيصات الجديدة هي نفسها تمثل انتهاكا لحرية التعبير ووسيلة للتخويف والترويع لا من السجن فحسب بل من العقوبة المالية التي تتحوّل بدورها إلى عقوبة سالبة للحرية في حال عدم الدفع. وفوق ذلك كلّه فإنّ ترسانة القوانين القامعة لحرية التعبير لا تنحصر في المرسوم 54 فقط فقيس سعيّد له قوانين أخرى ما انفك يستعملها ومنها مجلة الاتصالات (الفصل 86) وقانون الإرهاب والفصول المتعلقة بالتآمر على أمن الدولة وغيرها. وبالتالي فإن تعديل المرسوم 54 علاوة على كونه ذرا للرماد في العيون لا يغيّر من حالة القمع المستشرية والمتصاعدة في شيء فالأمر يتعلق بمنظومة استبدادية، فاشية بأكملها لا بقانون واحد أو بفصل منه.
أمّا بخصوص المرسوم المتعلق بتنقيح أحكام القانون الأساسي الخاص بالهيئة العليا للانتخابات فإنّه يكرّس وضع اليد بالكامل على هذه الهيئة التي أصبحت شكلية بكل المقاييس. فقيس سعيّد هو الذي يتحكّم في النهاية في تعيينها وفي تعيين رئيسها بعد أن كانت تركيبتها، أعضاء ورئيسا، تنتخب من البرلمان حسب دستور 2014 لضمان استقلاليّتها. ومن البديهي أنّه لا معنى لهذا التغيير الذي أحدثه سعيّد بمرسوم سوى الإعداد للمواعيد “الانتخابية” القادمة التي تهمّ مجلسي باردو (البرلمان ومجلس الأقاليم) والرئاسة مرورا بالبلديات إن عنّ للحاكم بأمره تنظيمها، وهي مواعيد باتت القناعة عميقة لدى عموم الحركة الديمقراطيّة فضلا عن عامة الشعب بكونها دخلت خانة اللامعنى إذ أنّها لن تختلف عن سابقاتها كانتخابات شكلية معلومة النتائج مسبقا. وكان الأجدر بقيس سعيّد، تخفيفا للمصاريف، إسناد مهمة تنظيم مهازله الانتخابية إلى إحدى المصالح في قصر قرطاج و«كفي المؤمنين شرّ القتال».
وفيما يخص البلديات فحدّث ولا حرج. ألغى قيس سعيّد مجلّة الجماعات المحلية القديمة الصادرة سنة 2018 وأصدر مرسومه الجديد في مسألة كان من المفروض أن تكون محلّ نقاش مجتمعي، حرّ وديمقراطي لبلورة تصّور لما يسمّى السلطة المحلية التي تعطي فكرة عمّا يمكن أن نسمّيه “الديمقراطيّة القاعدية“. لكن قيس سعيّد ليس همّه تحقيق الديمقراطية وإشاعتها بل همّه الأول والأخير السيطرة المطلقة على كافة مؤسسات الحكم في كل المستويات. إنّ المرسوم الجديد يلغي كافة ما جاء في قانون 2018 من أحكام وإجراءات تدعم اللامركزية وبالتالي استقلالية القرار المحلّي وتعطي ضمانات هامة للمجالس المنتخبة. كما أنّه خفّض العدد الإجمالي لأعضاء المجالس بأكثر من النصف. وفي نفس الوقت وسّع القانون الجديد تدخّل وزارة الداخلية في مجالات الإيقاف والحلّ والإعفاء إلى جانب تفعيل الرقابة المسبقة والمتابعة عن قرب من قبل الوالي وسلطات الإشراف. كما وسّع صلاحيات الكاتب العام الذي كان دوره يقتصر في قانون 2018 على الجانب الإداري والتنفيذيّ تحت قيادة رئيس المجلس المنتخب فأصبح اليوم آمر صرف وضابط حالة مدنية ومسؤولا يتقاضى راتبه من وزارة الداخلية. وهكذا عادت البلديات لتخضع كما كانت في عهد الدكتاتورية لسلطة وزارة الداخلية مع كل ما يعني ذلك من تهميش للمجلس المنتخب (إذا قُدّر له أن يُنتخب).
وأخيرا فإنّ المرسوم الخاص بالصلح الجزائيّ يأتي ليؤكّد فشل هذه العمليّة. فقد نصّ المرسوم الجديد على تمديد آجال الدفع في الصلح الوقتي وصلاحية إقرار دفع نسبة أدنى من 50 بالمائة “إذا اقتضت الضرورة ذلك” وأخيرا التنصيص على كيفية توظيف عائدات الصلح. لقد صرّح قيس سعيّد سنة 2022 عند انطلاق لجنة الصلح الجزائي أن القيمة الجملية المطلوب جمعها تبلغ 13.5 مليار دينار تونسي. لكن المبالغ المسترجعة فعليا حتى منتصف 2026 تتراوح ما بين 26.9 مليون دينار و30 مليون دينار فقط وهو مبلغ يمثّل أقلّ من 0.2 بالمائة من المبلغ الإجمالي المعلن في البداية. وهو ما يؤكّد وجها آخر من أوجه الفشل الذريع الذي مني به قيس سعيد وأسلوبه العبثي في إدارة الدولة الأمر الذي دفعه إلى إصدار المرسوم الجديد مع التخفيف في الشروط لكن ما لم ينجح فيه خلال السنوات الأربع الماضية لن ينجح فيه خلال السنوات المقبلة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد.
إن ما يقوم به قيس سعيد هو تدمير ممنهج للهياكل والمؤسسات من أجل تركيعها كليا وتحويلها إلى مجرّد أدوات للحكم الفردي المطلق. لكن الواضح والأكيد أنه بسلوكه هذا يواصل صبّ مزيد من الزيت على النار. إنّه بصدد تصليب عود رافضيه ورافضي أسلوب حكم الفاشي، هذا الأسلوب الذي لم ولن يحلّ مشكلا واحدا من المشاكل التي قضى سبع سنوات في قصره يتحدّث عنها ويخرج ليلا لشتم ”المتآمرين والخونة“. لقد بدأت تعابير الغضب تغادر الصدور إلى الفعل الميداني، كما أن صورة “المصلح النظيف” بدأت تتبخّر وتتبدّد أمام صِفرية المنجز. وها هي الحناجر والسواعد تتحرر في ربوع الفقر ومواقع التمرّد والثورة، الجهات الداخلية التي ظلت تتوارث الحرمان والتهميش والبؤس. كما أن أصوات الغضب والاحتجاج تتوسع يوميا على طول البلاد وعرضها لتشمل فئات متنامية من الأجراء والموظفين والكادحين، فضلا عن المعطلين والمهمشين، رفضا لواقع الفاقة المعمّم. لقد عاشت البلاد على وقع صيف الغضب، صيف العطش والظلام، وها هي تستقبل خريفا وشتاء مثقلين أبضا بالمشاكل. وها هو سعيد عوض تفعيل القانون عدد18 دون مزيد المماطلة والتسويف، وعوض الالتفات إلى المشاكل والمعضلات التي يعيشها قطاع التربية والتعليم بمناسبة العودة، وقطاعات الصحة والنقل والسكن، وإلى مشاكل عمال الغراسة والبستنة وهموم عمال المناجم وقطاع المحروقات والبنوك، ها هو مهموم بهيئة “الانتخابات” والمجالس البلدية و“الصلح الجزائي” الفاشل، والتحايل على المرسوم 54 الفاشي لأنّ همّه الوحيد إخضاع الشعب وإطالة عمر حكمه خدمة لحفنة الأثرياء المحليين والأجانب الذين لا تعنيهم سوى مصالحهم الضيّقة. إنّ الردّ السليم على العبث الاستبدادي لا يكون بالركون إلى الانتظارية التي لن تزيد شعبنا وبلادنا إلا مزيدا من التدهور. مرّة أخرى نؤكّد أنّ أقصر الطرق للتحرّر والانعتاق هو تصعيد النضال الواعي والمنظم من أجل كنس الدكتاتورية وقاعدتها الطبقية لصالح الشعب والحرية والديمقراطية والعدالة.
يسقط نظام الاستثناء
يسقط نظام المراسيم
الحرية للشعب ولمعتقلي الرأي
صوت الشعب صوت الحقيقة
