الرئيسية / الافتتاحية / خريف القمع والغضب : جبنيانة، حيّ التضامن، عقارب، منزل بوزلفة، صفاقس… والبقيّة تأتي…
خريف القمع والغضب : جبنيانة، حيّ التضامن، عقارب، منزل بوزلفة، صفاقس… والبقيّة تأتي…

خريف القمع والغضب : جبنيانة، حيّ التضامن، عقارب، منزل بوزلفة، صفاقس… والبقيّة تأتي…

تتوالى في المدّة الأخيرة مؤشّرات القوادح التي يؤكّد جميعها أنّ الأوضاع في بلادنا تعاني اختلالا كبيرا يرشّحها يوميا إلى الانفجار. فبعد احتجاجات الصيف على العطش والظلام واحتجاجات المعطّلين التي لم تهدأ طوال العام لتشهد اتساعا ملحوظا منذ شهر سبتمبر الماضي تخللته “مسيرة الكرامة” التي منع المشاركون فيها من دخول العاصمة، ها هي كرة النار تتدحرج معبّرة عن حجم الانسداد الذي نعيشه تحت حكم الفرد المطلق. جاء الغضب هذه المرة من مدينة جبنيانة على خلفية تدخّل أمني فضّ وعنيف أدّى إلى مقتل شاب بشكل متعمّد من قبل دورية أمنية لـ”تشتعل” المدينة كما اعتادت منذ عقود. إن إيقاف شاب مهما كانت التهمة، ولو تعلّقت بالمخدرات التي اخترقت المجتمع أفقيّا وعموديا نتيجة خيارات التفقير والتدمير الممنهج للشباب، لا يبرّر بأيّ حال القتل، علما وأنّ الاعتقالات في هذا المجال عامة ما تستهدف الحلقات الدنيا في شبكات المخدرات دون المساس بالحلقات الرئيسية أو إن شئنا الرؤوس الكبيرة التي لها علاقاتها التي تحميها وتستفيد منها في الأجهزة. وقد تكرّرت نفس العملية في نفس اليوم في حي التضامن في العاصمة حيث قُتل شاب في منزل والديه بعد تعرّضه لعنف كبير أكدته شهادة العائلة والجيران، فخرج سكّان الحي، كما في جبنيانة، للاحتجاج على هذا القتل العمد وعلى سياسة القبضة الأمنية التي لا هدف منها سوى الإمعان في التخويف والترويع لإخضاع المجتمع وفرض صمت المقابر عليه. وفي عقارب من ولاية صفاقس، اندلعت احتجاجات على خلفية إقدام أحد أبناء المنطقة على إحراق نفسه على خلفية ما يعانيه من فقر وبؤس، وهو مشهد ما انفكّ يتكرّر في الآونة الأخيرة (قفصة، سليمان…) ممّا يعطي الدليل المادي والقطعي على حجم الاحتقان الذي بات ساكنا في الصدور والذي يعبّر عن نفسه في بعض الحالات بالاتجاه إلى الحلول القصوى.

وانتهى الأسبوع بحصول جريمة في منزل بوزلفة، من ولاية نابل، التي خرج سكانها منذ أكثر من شهر للاحتجاج على نصب مصنع ملوث في قلب المدينة ذات الطابع الريفي، وفيما واجهت السلطة سكان المنطقة بسدّ الآذان، وجد صاحب المعمل الفرنسي وزبانيته كل الحظوة من قبل نظام سعيّد وفي تحدّ صارخ لمشاعر الأهالي نظّموا “حفلا” وهو ما كانت نتيجته دهس أحد المحتجين، “عم حسين”، ممّا زاد الاحتقان وضاعف الغضب ضدّ تحالف رأس المال والسلطة. ثمّ اكتمل أسبوع الموت بقضاء طالبة في الحي الجامعي سيدي منصور بصفاقس بعد وعكة صحية لم تجد التدخل الطبي السريع لإنقاذها، وهو ما طرح مجددا ملف الوضع الطلابي في ظل التدهور المريع للمرفق العمومي التربوي والجامعي، وهو ما عبّر عنه الإضراب العام الطلابي الذي شهدته جامعة صفاقس يوم الجمعة بدعوة من الاتحاد العام لطلبة تونس.

خرج الناس في كل هذه الأحياء والمدن إلى الاحتجاج فواجهتهم عصا القمع وانهالت عليهم، ولم تتردد السلطة في إنزال المدرعات إلى الشارع في حي التضامن في إشارة إلى استعدادها وجاهزيتها لسفك الدماء وتقتيل التونسيين حفاظا على سيطرتها ونفوذها. وهكذا ففي الوقت الذي تشهد فيه أوضاع طبقات الشعب وفئاته الكادحة والمفقّرة التدهور والتراجع الممنهج على مختلف الأصعدة، تزداد سطوة سلطة الانقلاب ونزوعها المتصاعد لاستخدام عصا القمع. إن نتائج خياراتها الاقتصادية والاجتماعية متجلية وواضحة وضوح الشمس ولم تعد تنفع خطابات المغالطة والتضليل خاصة وقد اتضح مرّة أخرى أنّ الميزانية الجديدة تتجه إلى مزيد التقشف ومزيد التداين ومزيد ضخ الأموال في ميزانية الرئاسة التي باتت أكثر من أي وقت مضى عبئا على الشعب. وفي وضع كهذا حيث لا تملك منظومة الاستبداد أيّ جواب جدّي على مشاغل الناس ومطالبهم فإنّه من الطبيعي أن يكون خيارها الأساسي الذي تواجه به المشاكل الاجتماعيّة والاحتجاجات هو العصا.

إن احتجاج الشباب والمواطنين في عدد من مدن تونس وأحيائها هو الجواب الأكثر جدية والأكثر مواءمة لما تقتضيه الأوضاع المتردية للشعب التونسي. إن نظام سعيّد مفلس وخياراته مفلسة ولا يمكن أن يفلّ قمعه في العزائم. وما من شكّ في أنّ الانتظارية والتردد لن يفيدا في شيء عموم الكادحين من عمال وموظفين، كما لن تفيد صغار الفلاحيين والحرفيين والتجار والصناعيين والمعطلين والمهمشين الذين يعيشون ضنك العيش أمام تغوّل حفنة العائلات الريعيّة وفروع الكارتيلات والشركات والبنوك الأجنبية المتنفذة والمستفيدة الوحيدة من منظومة الحكم الشعبوية الفاشية التي يسهر على تسييرها كبار بيروقراطية الدولة الماسكين بـ”الأجهزة الصلبة” والقضاء والإدارة. إن شعب تونس وفي مقدمته شبابه لا خيار أمامه للدفاع عن حقوقه الأساسية في الشغل والحرية والكرامة إلا تصعيد النضال الواعي والمنظم ضد الخيارات القائمة وسدّ الطريق أمام البدائل الرجعية المتربصة بالبلاد والتي تجد الإسناد من بعض مطابخ القرار المحلي والخارجي. إن تحويل خريف الغضب إلى شتاء الانتفاضة ممكن ومتاح بوحدة المطالب ورص الحركة وتنظيم التعبئة على خلفية شعارات الثورة التونسيّة وفي أفق تجاوز علاتها السابقة وخاصة ضرورة قيادتها من قبل بناتها وأبنائها ببرنامج ثوري حقيقي، وطني ديمقراطي شعبي.

إلى الأعلى
×