
ليس السؤال المطروح اليوم على النقابيين في تونس مجرد من سيقود الاتحاد العام التونسي للشغل في المرحلة القادمة ولا من سيحصل على المواقع داخل هياكله المركزية والقطاعية والجهوية بل إن السؤال الحقيقي والأعمق هو أي اتحاد نريد وأي دور نريده لهذه المنظمة العمالية في مجتمع تتعمق فيه الأزمة الاجتماعية وتتسع فيه دائرة الفقر والهشاشة وتتزايد فيه الاعتداءات على الحقوق والمكتسبات. إنها معركة تتجاوز الأشخاص والمواقع لتطرح جوهر الأزمة النقابية نفسها أزمة العلاقة بين القاعدة والقيادة وبين القرار النقابي وإرادة الشغالين وبين منظمة وجدت للدفاع عن مصالح العمال وممارسة نضالهم الجماعي ومنظمة يمكن أن تنزلق تدريجيا إلى منطق التسيير الفوقي وإدارة التوازنات والمحافظة على المواقع ومن هذا المنطلق يطرح الخط النقابي الراديكالي سؤاله المركزي بوضوح: أي اتحاد نريد؟ اتحادا ديمقراطيا مستقلا ونضاليا يحمل مطالب العمال ويدافع عنها أم اتحادا تتحول فيه الهياكل إلى مراكز قرار مغلقة وتصبح فيه القواعد مجرد قوة انتخابية تستدعى عند المؤتمرات ثم يطلب منها الصمت إلى حين. إن معركة الديمقراطية ليست معركة إجرائية حول قوانين المؤتمرات فحسب بل هي معركة حول طبيعة الاتحاد ووظيفته الاجتماعية والنقابية وحول من يملك القرار داخله وحول ما إذا كان العمال هم أصحاب المنظمة فعلا أم أن المنظمة تتحول إلى جهاز قائم بذاته تحكمه حسابات الاستمرار في المواقع.
من معركة الاستقلالية إلى معركة الديمقراطية والنضالية
لم يكن تاريخ الحركة النقابية التونسية مسارا هادئا أو خاليا من الصراعات فمنذ البدايات الأولى للتنظيم العمالي برزت مسألة استقلال العمال بتنظيماتهم وقدرتهم على الدفاع عن مصالحهم بعيدا عن الوصاية السياسية والإدارية. لكن الاستقلالية لم تكن يوما مكسبا نهائيا يتحقق مرة واحدة وإلى الأبد فقد ظلت علاقة الاتحاد بالسلطة وبمراكز النفوذ موضوع صراع متواصل وتجلت خطورة هذه العلاقة في محطات تاريخية كبرى أبرزها أحداث 26 جانفي 1978 حين واجهت السلطة الإضراب العام بالقمع والاعتقالات وسقط ضحايا في الشوارع. وقد كشفت تلك المحطة أن استقلالية المنظمة ليست شعارا يرفع في المناسبات بل شرط من شروط وجودها كقوة اجتماعية قادرة على الدفاع عن العمال في مواجهة خيارات السلطة وسياساتها.
غير أن الصراع داخل الحركة النقابية لم يكن محصورا في علاقتها بالدولة وحدها فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية وهي المعركة من أجل الديمقراطية داخل الاتحاد نفسه.
فقد شهدت الحركة النقابية خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي تصاعدا للنقاش حول طبيعة التسيير النقابي وحدود سلطة القيادة وحق الهياكل القاعدية في اتخاذ القرار ومراقبة المسؤولين النقابيين ومحاسبتهم. وفي هذا السياق برزت تيارات نقابية ديمقراطية ويسارية ونضالية انتقدت ما اعتبرته نزعة بيروقراطية وفوقية في إدارة المنظمة ورفضت أن تتحول الشرعية الانتخابية إلى تفويض مفتوح للقيادات كي تقرر باسم العمال دون الرجوع إليهم. وتقدم أحداث سنة 1984 مثالا على هذه التناقضات إذ تفجرت خلافات بشأن إدارة الملفات المطلبية واحترام قرارات الهياكل النقابية وبرزت مواجهة بين قطاعات نقابية وقواعد عمالية من جهة والقيادة المركزية من جهة أخرى ولم يكن هذا الصراع مجرد خلاف شخصي أو تنافس على المواقع بل ارتبط بسؤال جوهري ما الذي يجعل المنظمة النقابية ديمقراطية بالفعل هل يكفي أن تنتخب قياداتها أم يجب أن تبقى تلك القيادات خاضعة لرقابة القواعد وقرارات الهياكل ومحاسبتها.
الخط الراديكالي في مواجهة البيروقراطية النقابية
يقوم جوهر الموقف الراديكالي داخل الحركة النقابية على أن الاتحاد ليس ملكا لقيادته ولا إرثا تتوارثه المجموعات المتنفذة ولا جهازا إداريا غايته ضمان الاستقرار التنظيمي بأي ثمن، فالاتحاد ملك للشغالين والمناضلين وهو أداة جماعية للدفاع عن مصالحهم المادية والمعنوية وموقع من مواقع الصراع الاجتماعي، لذلك فإن قيمته لا تقاس بعدد البيانات الصادرة عن قيادته ولا بعدد الاجتماعات المنعقدة ولا بقدرتها على المحافظة على التوازنات الداخلية وإنما بمدى تجذره في مواقع العمل وبقدرته على تنظيم العمال وتأطير نضالاتهم وتحقيق مطالبهم. ومن هذا المنظور فإن البيروقراطية النقابية لا تختزل في وجود مسؤولين يتولون مواقع قيادية بل تتجلى حين تنفصل القيادة عن القواعد، وحين يصبح الحفاظ على الجهاز أولوية تتقدم على الدفاع عن المطالب، وحين تتحول المفاوضات إلى غاية في ذاتها، وحين يقع التعامل مع التحركات الاحتجاجية باعتبارها مصدر إزعاج للتوازنات القيادية لا تعبيرا عن غضب العمال وحقهم في النضال. إن الخط الراديكالي لا يطرح الديمقراطية باعتبارها زينة تنظيمية تضاف إلى النظام الداخلي بل باعتبارها شرطا لاستعادة الاتحاد لوظيفته الطبقية والنضالية، فلا يمكن لمنظمة تدافع عن الديمقراطية في المجتمع أن تقبل بتهميش الديمقراطية داخلها، ولا يمكنها أن تطالب السلطة باحترام إرادة الشعب بينما لا تحترم إرادة قواعدها، ولا يمكنها أن تدافع عن حقوق العمال إذا كان العمال أنفسهم محرومين من التأثير الفعلي في القرارات التي تحدد مستقبل نضالاتهم، لكن مواجهة البيروقراطية لا تعني رفض التنظيم أو إضعاف الهياكل أو تحويل الاختلافات إلى صراعات شخصية بل تعني إعادة بناء التنظيم على أسس ديمقراطية واضحة تجعل المسؤولية تكليفا نضاليا لا امتيازا وتجعل القيادة أداة لتنفيذ قرارات المنخرطين لا سلطة تعلو عليهم.
الديمقراطية النقابية ليست صندوق اقتراع فقط
إن اختزال الديمقراطية في الانتخابات والمؤتمرات يفرغها من مضمونها ويجعلها قابلة للتحول إلى آلية لإعادة إنتاج النفوذ نفسه دورة بعد أخرى، فالديمقراطية النقابية تبدأ من حق المنخرطين في الاطلاع على الملفات ومناقشتها بحرية وتمتد إلى حقهم في اقتراح البدائل ومحاسبة المسؤولين وتقييم نتائج المفاوضات والمشاركة في تحديد أشكال التحرك النضالي.
وتقتضي أيضا ضمان استقلال الهياكل القطاعية والجهوية والمحلية في إطار وحدة المنظمة واحترام قوانينها وتكريس التداول على المسؤوليات ورفض توظيف الإمكانات التنظيمية والإعلامية والمالية للاتحاد لخدمة مجموعات أو توازنات ضيقة.
كما تقتضي وضع حد لكل ممارسة تقصي الأصوات المعارضة أو تعاقب النقابيين بسبب اختلافهم في الرأي ما دامت ممارستهم تتم في إطار القانون النقابي واحترام الضوابط الديمقراطية. فالاتحاد القوي ليس الاتحاد الذي يخلو من الاختلاف بل الاتحاد الذي يستطيع إدارة الاختلاف بالحوار والنقاش والاحتكام إلى القواعد والبرامج والقرارات الجماعية.
والاتحاد الديمقراطي ليس الذي يطالب منخرطيه بالالتفاف حول القيادة في كل الظروف بل الذي يمنحهم الحق في مساءلتها ومحاسبتها وتغييرها متى اقتضت الإرادة الديمقراطية ذلك
أيّ اتحاد في مواجهة الأزمة الاجتماعية
لا يمكن فصل أزمة الديمقراطية النقابية عن الأزمة الاجتماعية التي يعيشها العمال وعموم الفئات الشعبية. فالتدهور المستمر للمقدرة الشرائية والهشاشة المهنية وتراجع الخدمات العمومية واتساع البطالة كلها قضايا تفرض على المنظمة النقابية استعادة المبادرة وتطوير قدرتها على التعبئة والتفاوض والنضال. ومن هنا يطرح الخط الراديكالي ضرورة تجاوز النقابية التي تكتفي بإدارة المطالب القطاعية المعزولة نحو عمل نقابي يربط بين الدفاع عن الأجور والحقوق المهنية وبين النضال من أجل العدالة الاجتماعية وحماية المرافق العمومية ومقاومة كل الخيارات التي تحمل الشغالين والفئات الشعبية كلفة الأزمات الاقتصادية.
إن الدفاع عن زيادة في الأجور يظل ضروريا لكنه لا ينفصل عن الدفاع عن الحق في العلاج والتعليم والنقل والسكن اللائق وعن مقاومة التشغيل الهش وعن حماية الحق في الإضراب والتنظم والتعبير.
كما أن الاتحاد لا يستطيع استعادة دوره الاجتماعي بمجرد استحضار تاريخه النضالي أو التذكير بتضحيات أجيال من النقابيين، بل عليه أن يحول ذلك الإرث إلى برنامج ملموس وإلى ممارسة يومية تجعل العمال يشعرون بأن منظمتهم حاضرة في مواقع العمل وفي الأحياء والجهات المهمشة وفي كل معركة من أجل الكرامة ولا يعني هذا أن تتحول المنظمة إلى تابع لأي حزب أو أن تفقد استقلالية قرارها لفائدة أي طرف سياسي بل يعني أن تستعيد استقلاليتها على أساس مصالح الشغالين وأن تنفتح على النضالات الاجتماعية وأن تجعل من الدفاع عن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية جزءا من وظيفتها النقابية والوطنية.
الوحدة النقابية لا تعني الصمت عن الخلاف
كثيرا ما يستعمل شعار الوحدة لتبرير تجميد النقاش الداخلي أو مطالبة المعارضين بالتراجع عن مواقفهم بدعوى أن الاختلاف يضعف المنظمة لكن الوحدة التي تقوم على إسكات النقد ليست وحدة صلبة بل هدنة هشة تخفي التناقضات إلى حين انفجارها.
أما الوحدة الحقيقية فهي التي تتأسس على وضوح الخيارات واحترام الاختلاف وحق كل تيار نقابي في الدفاع عن تصوره داخل الأطر الديمقراطية وعلى الاحتكام إلى إرادة القواعد لا إلى الصفقات التي تعقد في الغرف المغلقة. ولا يمكن للخط الراديكالي أن يكتفي بدور المعترض الدائم أو أن يحصر معركته في فضح الممارسات البيروقراطية بل هو مطالب ببناء بديل نقابي متماسك يمتلك برنامجا واضحا وآليات تنظيمية ديمقراطية وحضورا فعليا في مواقع العمل وقدرة على توحيد المناضلين حول المطالب المشتركة.
فالبديل لا يبنى بالشعارات وحدها ولا بمجرد رفع راية المعارضة بل بالتنظيم اليومي والعمل الميداني والتكوين النقابي وإقناع العمال بأن الديمقراطية ليست مسألة تخص القيادات وحدها وإنما أداة لتحسين شروط نضالهم والدفاع عن مصالحهم.
معركة الديمقراطية راية العمال
إن السؤال أي اتحاد نريد يضع الحركة النقابية أمام مفترق طرق حقيقي بين الاكتفاء بإدارة الجهاز والمحافظة على التوازنات وبين إعادة الاعتبار للمنظمة باعتبارها فضاء للنضال الديمقراطي الجماعي فالاتحاد الذي نريده هو اتحاد مستقل عن السلطة وعن كل أشكال الوصاية السياسية والمالية، اتحاد يستمد شرعيته من قواعده ويستمد قوته من نضالات الشغالين، اتحاد لا يخشى النقد ولا يعاقب الاختلاف ولا يختزل الديمقراطية في المؤتمرات، اتحاد تكون فيه الهياكل القاعدية صاحبة رأي وقرار وتكون فيه القيادة مسؤولة أمام المنخرطين وخاضعة لمحاسبتهم. إنها معركة من أجل تحويل الاتحاد من جهاز يدار باسم العمال إلى منظمة يصنع العمال قراراتها ويحددون خياراتها ويدافعون عنها بالفعل الجماعي. ومعركة الديمقراطية ليست منفصلة عن معركة المطالب بل هي شرط من شروط خوضها بفاعلية لأن العامل الذي لا يملك صوتا داخل منظمته يصعب أن يكون شريكا فعليا في تحديد مسار نضالها.
ومن هنا فإن مسؤولية الخط النقابي الراديكالي لا تتمثل فقط في نقد البيروقراطية بل في تقديم بديل ملموس يربط الديمقراطية بالنضالية والاستقلالية بالانحياز الطبقي والوحدة بحرية النقاش والتنظيم، بالمساءلة والمحاسبة فالاتحاد لا يحتاج إلى تغيير الوجوه وحدها إذا بقيت طرق التسيير نفسها ولا يحتاج إلى شعارات جديدة إذا ظلت القواعد خارج دائرة القرار.
إنه يحتاج إلى تجديد ديمقراطي حقيقي يعيد السلطة النقابية إلى أصحابها ويجعل من المؤتمرات محطة لتقييم التجربة وتحديد الخيارات وانتخاب قيادة تنفذ برنامج العمال لا مناسبة لتقاسم المواقع وإعادة إنتاج النفوذ.
أيّ اتحاد نريد
نريد اتحادا يكون فيه العامل صاحب الكلمة لا مجرد رقم في قوائم الانخراط ويكون فيه المناضل شريكا في القرار لا ضيفا على الاجتماعات وتكون فيه القيادة في خدمة المنظمة لا المنظمة في خدمة القيادة.
ونريد اتحادا يجعل من استقلاليته سلاحا ومن ديمقراطيته ضمانة ومن نضاليته طريقا للدفاع عن مصالح الشغالين. فمعركة الديمقراطية ليست معركة هامشية داخل الاتحاد بل هي معركة العمال من أجل امتلاك منظمتهم واستعادة دورها وتحصينها من كل أشكال التدجين والبيروقراطية. فالديمقراطية راية العمال دوما والاستقلالية ضمانة النضال والنضالية طريق الدفاع عن الحقوق والمكتسبات، وأي إصلاح لا ينطلق من هذه المبادئ سيظل تغييرا في واجهة الأزمة لا تغييرا في أسبابها.