الرئيسية / صوت النقابة / خمسة أسئلة مركزية على بوابة الهيئة الإدارية الوطنية
خمسة أسئلة مركزية على بوابة الهيئة الإدارية الوطنية

خمسة أسئلة مركزية على بوابة الهيئة الإدارية الوطنية

ابن البطحاء

ما موقف الاتحاد من هذه القضية؟ كان ولا يزال السؤال الذي يبحث له الجميع تقريبا عن إجابة. فمن أجهزة بوليس واستعلامات، إلى مصالح رئاسة جمهورية وحكومات، من معارضة موالية إلى أخرى مستقلة، من ممثلي الطغمة البرجوازية إلى زعماء الطبقة العاملة… وحري بالنقابيين سليلي شعارات 78 وكل التجارب النقابية الديمقراطية المناضلة بتونس أن يدلو بدلوهم في خصوص الملفات المتأكدة اليوم على الساحة النقابية ويقدموا الإجابات الضرورية لها والتي يمكن حصرها حسب تقديرنا في خمس ملفات مركزية:

1/ الوضع العام بالبلاد

2/ الحق النقابي

3/ تنشيط الاتحاد وهيكلته

4/ تقوية الانتساب

5/شروط وآليات توحيد الجبهة الداخلية

وهي ملفات نرى من الضروري أن تقدم الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل التي ستنعقد يوم 9 سبتمبر 2026، الأجوبة المناسبة لها.

هل ننتظر التغيير أم نقود إنجازه

مثل البيان الأخير الممضى من طرف الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ورئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعميد الهيئة الوطنية للمحامين الحدث السياسي الأبرز هذه الأيام. وفي حين سارع البعض إلى اعتباره إعادة للكرة إلى ميدان السلطة-وكأن الكرة لازالت موجودة بأرضية الملعب السياسي بتونس ولم تستحوذ عليها الشعبوية بعد، تمسك آخرون بموقف فتح أفق وطني جديد بما يحيل على رحيل الشعبوية كمدخل لإنقاذ البلاد. ويخبرنا التاريخ أن انقلاب 7 نوفمبر الذي قاده بن علي افتتح عهد الانقلابات ولكنه كان نافعا للاتحاد الذي عاد إلى النشاط القانوني خاصة مع مناورة الانفتاح التي قادها بن علي سنة 89 ..فهل علينا أن ننتظر صدفة أخرى من هذا القبيل أم أن نصارح العمال والنقابيين بحقيقة ألا سبيل لتونس للنجاة من الأزمة العامة التي تتخبط فيها إلا بفتح أفق وطني جديد على أنقاض الشعبوية. وأن المعركة مع الشعبوية اليوم هي معركة وجود وأن الصراع الذي تقوده ضد حياة سياسية سليمة بالبلاد ينفي كل إمكانية للتعايش بينها وبين المجتمع ومكوناته الحية.

لا معنى للحديث عن حقوق عامة في ظل ضرب الحق النقابي

تعتبر شيطنة العمل النقابي لازمة من لوازم خطاب الدعاية الشعبوية المضادة للمنظمات والجمعيات المستقلة في تونس، خطاب عزز القابلية النفسية الشعبية لتنفيذ حملات تصفية العمل النقابي في القطاع العام والخاص والوظيفة العمومية. وقد تراوحت إجراءات الشعبوية ضد العمل النقابي بين غلق باب التفاوض وتعطيل مؤسساته إلى التفاوض على غير الصيغ القانونية، وبين النقل التعسفية من مقرات العمل الأصلية إلى الطرد من العمل لمجرد تأسيس نقابة، وبين تحريك القضاء الوظيفي لفبركة قضايا ضد النقابيين وجعلها سيفا مسلطا على رقابهم إلى الزج بعدد منهم في السجون. وفي حين تواجه الشعبوية النقابيين داخليا بالملاحقات والتشويه فإنها تجيب صاغرة على ملاحظات المنظمات الدولية وخاصة منظمة العمل الدولية محاولة التلون بلون احترام العمل النقابي وحقوق العمال. ويتجاوز إثر ضرب حرية العمل النقابي المسؤول النقابي وأحيانا الهيكل النقابي إلى ما هو أبعد من ذلك، أي تجريد العمال من سلاحهم التنظيمي الوحيد في مواجهة رأس المال المنظم بإحكام صلب أجهزة الحكم ومؤسسات الدولة. ولم يشهد العمال والشعب ككل وضعا أسوء من الوضع الذي يعيشونه اليوم في ظل ضرب حرية العمل النقابي. فلقد بات تسريح العمال من أسهل ما يكون وتجرأت مؤسسات على تحميلهم مسؤولية عجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية وخاصة انقطاع الكهرباء واقتطاع فترات انقطاعه من أجورهم وتواترت حالات الوفاة بفضاءات العمل نتيجة إهمال المؤسسات لشروط الصحة والسلامة المهنية ودخل العمال في ماراطون الركض بين مصالح التفقديات والدوائر الشغلية بالمحاكم ويشقون للتشبث بخيط أمل قانوني وسط التعقيدات الإدارية والبيروقراطية.

إن ضرب حرية العمل النقابي بالإضافة إلى كل ما سبق الإشارة إليه تضرب في العمق معنويات العمال وتجعل الشك في قدرتهم على تحقيق مطالبهم يسري بينهم بما يضعف وحدتهم ويسهل ضرب مصالحهم. وعلى النقيض من ذلك فإن إعلاء قيم التضامن النقابي وإحياء تقاليده وحسن تنظيمه هو خط الدفاع الأول عن حرية العمل النقابي. ولقد أقر المؤتمر الأخير إجراءات وخطوات عملية في هذا الاتجاه لا يجب التخلي عنها لما في ذلك من ضرب لمصداقية “المشروع الإصلاحي” الذي انبنت عليه دعاية القيادة الحالية قبل وأثناء المؤتمر.

تنشيط هياكل الاتحاد: أي معنويات وأي عقلية؟

لقد مثلت سنوات “الدلال النقابي” مجالا لهيمنة عقلية تحقيق المكاسب الشخصية والقطاعوية. ومع تغير الوضع اليوم وجد الاتحاد نفسه عاجزا على مسايرته والحفاظ على تماسكه وانفضت في كثير من الأحيان الرابطة النقابية بتغير قاعدتها المادية أي السلامة والحظوة الإدارية وباتت المشاركة في تحرك لا يؤمن الاتحاد مصاريف الإعاشة الخاصة به غير ذي جدوى. وبالمقابل لم تنطفئ شعلة النضال النقابي بل إن تحركات من قبيل تحركات عمال الرصيف والبنوك والنقل وسائقي شاحنات نقل المحروقات وعمال المناجم، أثبتت أن العمال والهياكل النقابية لازال بإمكانها خوض النضالات والدفاع عن حقوقها رغم غلق باب التفاوض. وتجدر الإشارة أيضا إلى الهيئات الإدارية الجهوية وبيانات بعض الاتحادات الجهوية ومسيرة صفاقس في ذكرى 5 أوت وحملة التضامن الجهوي والقطاعي مع إضراب عمال المناجم الأخير كلها مداخل لإعادة إحياء هياكل الاتحاد شرط ربط كل هذه التحركات في تيار نضالي واحد يجمع كل المطالب القطاعية ويوحدها في مواجهة استهداف الاتحاد العام التونسي للشغل.

تقوية الانتساب عبر تقوية الثقة في النضال

يرافق الحديث عن أزمة الانتساب وانهيار عدد منخرطي الاتحاد حديث عن الأزمة المالية للاتحاد. وهو ما يؤشر عن أزمة وعي بطبيعة الأزمة التي يمر بها الاتحاد. فرغم أن “المال قوام الأعمال” كما يقال فإن من تبقى من منتسبين اليوم الاتحاد يؤكد أن “القواعد هي الكل” كما أكدت ذلك شعارات 78. ويرتبط الانخراط في الاتحاد بقضية الوعي عبر اطلاع المنخرط على ميثاق والمصادقة عليه، ولكنه إجراء بقي متروكا لسنين. ومن جهة أخرى ينتعش العمل النقابي بنجاح النضالات النقابية وغالبا ما يكون لفشلها ارتدادات على معنويات العمال وتحفزهم على الحفاظ على الانتساب. أما التعددية النقابية في تونس ورغم ما أفضت إليه من انسلاخات فإن تأثيرها لم يكن كبيرا في هذا المجال.

إن قضية الانتساب ليست معزولة عن قضية نضال الطبقة العاملة فالنضال النقابي يقوي وحدة العمال والعمال الملتفون حول هياكلهم يعطون للنضال النقابي زخمه الجماهيري ويقوون مشروعيته ويؤمنون ديمومته. صحيح أيضا أن انخراط العامل في المنظمات تقوده رغبته في تحسين ظروفه فإن ظروفه ذاتها التي يتشاركها مع رفيقه العامل قد تنطوي في حد ذاتها على خصوصية وهو ما يجب أن تنتبه له الهياكل النقابية فكثيرا ما مثلت الوداديات مجالا لإرشاء العمال وتعتبر التنسيقيات والجمعيات الناشطة حول بعض القطاعات أبرز أمثلة عن ذلك. وعملت الشعبوية على امتداد سنوات على تشويه وضرب العمل النقابي بالتجني أحيانا وبالاعتماد على أخطاء النقابيين أحيانا أخرى. وقد يمثل الاعتراف بالأخطاء ومصارحة القواعد بذلك مدخلا واعيا لتخليص العمال من تأثيرات الدعاية الرسمية ضد العمل النقابي ويحفزهم على تقاسم أعباء النضال مع رفاقهم النقابيين.

الجبهة النقابية الداخلية: تقوية الوحدة النضالية والشفافية والديمقراطية الداخلية هي صمام أمان انتعاش المنظمة

ويمثل تخلف إدارة والمنشور المالي وعدم ضمان استقلالية هيئة الرقابة المالية قاعدة لكل نزوع نحو إفساد أخلاق النقابيين بالمحسوبية وربط قربهم من حقوقهم بقربهم من هذا القيادي أو ذاك. وعليه يمثل ملف الإدارة وما يستوجبه من شفافية المعاملات من بين عوامل تقوية اللحمة النقابية وأدوات مصالحتها مع محيطها النقابي والشعبي. أما الهيئة الوطنية للنظام الداخلي، فان بعض النصوص القانونية وكذلك تقاليد الولاءات التي دأبت عليها البيروقراطية جعلت منها العصا التي يضرب بها هذا النقابي أو ذاك ويتفصّى عبرها آخر من المسؤولية. ولقد كان للهيئة دور يعكس حجم الصلاحيات التي يمكن أن تأخذها بيدها خلال الأزمة الداخلية الأخيرة بمناسبة المؤتمر الأخير حيث مارست نوعا من التعهد التلقائي خارج وصاية المكتب التنفيذي. ولئن ارتبط ذلك بصراع محدد فإن تمتيع الهيئة الوطنية للنظام الداخلي ولم لا إقرار “التقاضي على درجات” في الاتحاد قد يمثل ضمانة أخرى للنقابيين بحيث يكون اللجوء إلى فض الخلافات النقابية خارج الأطر النقابية محجوجا أكثر. إن العفو عن النقابيين يجد تبريره في تجربة تبعية الهيئة للمكتب التنفيذي وهو ما يجعل أعمالها مشوبة بعدم النزاهة خاصة أمام تواصل العمل بأحكام تنظم سلطة المكتب التنفيذي عليها. إن توفير ضمانة استقلالية الهيئات هي ضمانة لهذه الهيئات أولا وضمانة للنقابيين ثانيا وضمانة للتسيير الديمقراطي ثالثا.

إن البيروقراطية النقابية بما هي تعبيرة عن شريحة مرتبطة بجهاز الدولة البيروقراطي العام وبممثلي البرجوازية قد نشأت وترعرعت واشتد عودها في هذا المحيط وليس من باب الصدفة أن البيروقراطية التي تمكنت من قيادة الاتحاد قد لعبت دوما دور كبح جماح العمال نحو وعيهم بذاتهم طبقة على طرف نقيض من التحالف الطبقي الذي يقود البلاد.

إن النقابيين وهم يخوضون معركتهم اليوم مع السلطة عليه أن يتحلوا باليقظة الخارجية والوحدة الداخلية وأن يقاوموا كل نزعة بيروقراطية صلب الحركة النقابية بما يضمن وحدة الطبقة العاملة وفعالية نضالها ضد الشعبوية ومن أجل فتح أفق حكم جديد يتحقق في ظله للشعب الحرية والانعتاق الاجتماعي.

إلى الأعلى
×