الرئيسية / صوت النقابة / ما بعد المؤتمر السادس والعشرين لاتّحاد الشّغل: أيّ رهانات للمنظّمة للخروج من الانكماش والعطالة؟ (الجزء الثاني)
ما بعد المؤتمر السادس والعشرين لاتّحاد الشّغل: أيّ رهانات للمنظّمة للخروج من الانكماش والعطالة؟ (الجزء الثاني)

ما بعد المؤتمر السادس والعشرين لاتّحاد الشّغل: أيّ رهانات للمنظّمة للخروج من الانكماش والعطالة؟ (الجزء الثاني)

بقلم سها ميعادي

وانعقد مؤتمر الاتّحاد ماذا بعد؟ (الجزء الأوّل)

انعقد المؤتمر، رغم كلّ محاولات الإرباك. فما كان يمكن انتظار سنة أخرى من الشّلل الذي طال هيئته التّسييرية المكتب التنفيذي الوطني، وما كان من الممكن الإطالة في عمر الأزمة التي مزّقت أوصال المنظّمة وجعلتها تعيش أصعب فتراتها وأحلكها. ولكن من المؤكّد أنّ هذا المؤتمر ليس سوى محطّة في مسار جديد يعلّق عليه عموم النّقابيّين آمالا للخروج من الأزمة رغم الهجمة وحملات التّشكيك التي صاحبت أيّام انعقاد المؤتمر وتواصلت بعده.

مباشرة بعد القيام ببروتوكول تسليم وتسلّم المهام بين أعضاء المكتب التنفيذي المتخلّي والجديد، بدأت الاجتماعات الدورية الأسبوعيّة للمكتب التنفيذي في الانعقاد. كما بدأت الأقسام في إنجاز أو تحديد موعد اجتماع مجاميعها على غرار مجمع القطاع الخاص تحت إشراف قسم القطاع الخاص (10 أفريل) ومجمع القطاع العام تحت إشراف قسم الدواوين والمنشآت العمومية (18 أفريل) في انتظار عقد اجتماع مجمع الوظيفة العموميّة. وهي حركيّة من شأنها أن تعيد الرّوح والنّشاط للهياكل القيادية للمنظّمة ولأن تعيد ترتيب البيت الدّاخلي بشكل متدرّج من الفوق إلى التّحت. هذا وقد دعا المكتب التنفيذي الهيئة الإدارية إلى أوّل اجتماع لها يوم الخميس 16 أفريل لمتابعة مخرجات المؤتمر السادس والعشرين والإعداد لغرّة ماي.

خطوات تبدو مهمّة لكنّها تبقى منقوصة وفي حاجة إلى استنهاض بقية هياكل المنظمة بمختلف مستوياتها وقطاعاتها وتنشيطها لتدبّ فيها الحياة من جديد على قاعدة صياغة برنامج متكامل قادر على الخروج التدريجي من الأزمة ويحقّق أهداف المؤتمر الأخير. وكما هو معلوم فإنّ ملفات متراكمة ومعقّدة على المستويين الدّاخلي والخارجي تنتظر البدء في معالجتها من قبيل الحقّ النّقابي والملفات الاجتماعية العالقة والعلاقة مع السّلطة ومالية الاتحاد والديمقراطية الداخلية وغيرها من الملفات الحارقة. ومن المحتمل أن يبدأ المكتب التنفيذي بتحديد الأولويات في هذه الملفّات كأن يبتّ في قضايا متّصلة بالحياة الدّاخلية للمنظّمة بالاتّجاه نحو تسوية النّزاع النقابي القديم والدّعوة إلى مصالحة شاملة والقيام بعفو نقابي عام من أجل تنقية الأجواء وتوحيد الصّفوف الدّاخليّة. وهو إجراء يمكن أن يحمل رسالة قوية تمثّل الوعي بضرورة القطع مع سياسة الإقصاء لكلّ صوت نقابي مختلف والقطع مع إعطاء المكتب التنفيذي والنّظام الداخلي الحقّ في المساس بانخراط كلّ منتسب للاتّحاد على خلفيّة مواقفه. وهو ما يتطلّب إيجاد آليات ديمقراطيّة صلب المنظّمة تستطيع استيعاب مختلف المواقف والآراء. إنّ هذا العفو سيكون خطوة إيجابية يعيد الاعتبار لطرق إدارة الصّراع وليس مجرّد رغبة في امتصاص الغضب كما أنّه سيكون فرصة لإعادة الاعتبار أيضا للأخلاق النقابيّة والالتزام بالضوابط النقابية.

إنّ العمل على توحيد الصّفوف الدّاخليّة لمواجهة المخاطر الخارجيّة من شأنه أن يساهم بشكل ما في إعادة الثّقة ليس فقط بين القيادة النقابية والقواعد بل وأيضا لدى عموم الأجراء والرّأي العام. فكما هو معلوم اهترأت في السنوات الأخيرة صورة الاتحاد نتيجة انحسار دوره وعجزه عن تحقيق مكاسب لمنظوريه فدبّ اليأس والإحباط والتّململ وعدم الجدوى من النّضال بسبب ضبابيّة الأفق، وهو أمر لا يعود فقط إلى طريقة تعاطي السلطة مع المنظمة الشغيلة ومجمل الإجراءات المتّخذة من قِبَلها لتهميش دور الاتّحاد وإضعافه وضمان انفضاض حاضنته النقابية والشعبية من حوله بقدر ما يعود أيضا إلى أداء المكتب التنفيذي المتخلّي والذي دخل في صمت مريب إزاء استهداف السلطة له وعجزه عن الخروج من حالة العطالة التي دخل فيها. إنّ مختلف هياكل الاتّحاد قد انطلقت في القيام بحملات انخراطات جديدة وإن بخطى بطيئة وهي مطالبة بحسن إدارة هذا الأسلوب الجديد في واقع يشهد العديد من الصعوبات. وقد يكون 01 ماي هذه السّنة فرصة لتجديد الخطاب ومدّ جسور الثقة وإعطاء إشارات على عزم القيادة على الدفاع الجدّي عن الأجراء والعمال بعيدا عن خطابات “التبريد” والتسخين” وبعيدا عن المفارقة بين الخطاب والممارسة. من المهمّ إذا أن تنكبّ قيادة الاتّحاد على إنجاح هذه المحطّة بعد أن أصبحت مناسبة روتينيّة لا روح فيها. إنّ الساحة النقابية في حاجة إلى ردّ الاعتبار إلى هذا اليوم حتى يكون فرصة لها لتجاوز الوهن الذي أصابها.

هذه المناسبة إذن تحيلنا مباشرة إلى مسألة الفعل النضالي المطروح صلب المنظّمة والمتعلّقة أساسا بافتكاك مكاسب للعمّال والطّبقة العاملة في ظلّ واقع اقتصادي واجتماعي متدهور سمته الأساسية اشتعال الأسعار وانهيار المقدرة الشرائية بشكل غير مسبوق ما يستوجب التّدارك بالبحث في سبل صياغة خطط وأساليب نضالية قادرة على تعبئة العمال حولها حتى لا يُتركوا لقمة سائغة للسّلطة تتحكّم في رقابهم وهم مجرّدون من كلّ أسلحتهم في المقاومة وفي التعبير عن احتجاجهم ورفضهم لما آلت إليه أوضاعهم. لذلك مطروح اليوم أكثر من أيّ وقت مضى أن يخرج الفعل النّضالي للمنظّمة من انكماشه وعطالته وأن يعود الاتحاد إلى لعب أدواره في الدّفاع عن المقدرة الشرائية وعن الزيادة في الأجور دون أن يتخلّى عن أدواره الوطنية والسّياسية المتعلّقة خاصّة بقضايا الحريات العامة والفردية وبالعدالة الاجتماعية وبالخيارات الاقتصادية والسياسية سواء بإبداء المواقف منها أو بتقديم البدائل حولها. أدوار قد تبدو صعبة ولكنّها ليست مستحيلة بل هي في صميم الإرث التاريخي لاتّحاد الشغل.

إلاّ أنّ هذا الأمر لا يمكن الحسم فيه دون الحسم في مسألة استقلالية المنظمة، هذه المسألة التي كانت محلّ جدل واختلاف في الآونة الأخيرة التي شهدتها أزمة الاتّحاد. ويبدو في هذا الاتّجاه أنّ المكتب التنفيذي الحالي في حالة ترقّب وترصّد لردود أفعال السّلطة ما بعد المؤتمر. وإن كان لا يوجد شيء ملموس يوحي بتغييرٍ في سلوكها وموقفها من الاتّحاد. لا مناص من أن تفضّ المركزيّة النقابية الجديدة عناوين الخلافات التي كانت سببا في الأزمة وأن تنآى بنفسها عن إعادة إنتاجها من جديد.

في المحصّلة يمكن القول أنّ المنظمة الشغلية مازالت تتلمّس طريقها للخروج من عنق الزّجاجة. وما على قيادة الاتّحاد إلاّ أن تنجح في التّصرّف بحنكة وبمبدئيّة وأن تصمد في واقع معقّد ومركّب فتعيد بناء صرح المنظّمة واستعادة موقعه صلب المجتمع.

إلى الأعلى
×