الرئيسية / صوت النقابة / رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة
رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة

رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة

بقلم جيلاني الهمامي

في واحدة من القراءات في أسباب الأزمة التي تردّى فيها الاتّحاد العام التّونسي للشّغل في السّنوات الأخيرة يرى بعضهم أن القرارات التّعسفية المتّخذة في حقّ العديد من النقابيين من جهات وقطاعات مختلفة بمناسبة الانقلاب على الفصل 20 كانت عاملا من عوامل اندلاع أزمة الاتحاد الأخيرة وسببا حاسما في تفاقمها. أكثر من روج هذه القراءة “المعارضة النقابية”، وإذا كان من المفهوم ومن غير المستغرب أن تصدر هذه القراءة عمن شملتهم قرارات التجميد والتجريد بسبب مواقفهم النقابية المعارضة للبيروقراطية النقابية، وجب بصرف النظر عن ذلك الاعتراف أنها قراءة على قدر من الوجاهة والصحة رغم ما فيها من مبالغات. فالحقيقة أنه لو لا تلك الإجراءات التعسفية (قرارات التجميد والتجريد) لما ظهرت ما بات يعرف بـ”المعارضة النقابية” ولما عادت مسألة الديمقراطية الداخلية لتطرح بقوة في المدة الأخيرة.

صحيح أن الساحة النقابية التونسية لم تخلُ منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي (عريضة الـ 600 وأزمة التعليم الثانوي) من “معارضة نقابية” قارعت القيادات التي تعاقبت على رأس الاتحاد، غير أن “المعارضة” الحالية تتميز بكونها ولدت في إطار ردّة فعل على مساعي القيادة السّابقة إلى الانقلاب على قوانين المنظمة وخاصة الفصل 20 الشهير (الفصل 10 القديم).

الصّراع الذي حصل بخصوص هذه المسألة ليس جديدا ويذكر الجميع الجولات السابقة وبالتحديد منذ أزمة ما سمّي بـ”التصحيح النقابي” مستهل سنوات الألفين ثم خلال سنوات 2009 – 2010 مباشرة قبيل الثورة التي أوصدت الباب في وجه محاولات الانقلاب على الفصل 10 يعد أن كانت، أي المحاولات، أوشكت أن تنجز انقلابها. وفي مسعى متجدد بمناسبة مؤتمر قمرت سنة 2017 ظهرت دعوات محتشمة لوّحت بنفس الفكرة القديمة ولكنّها سرعان ما خَمَدَتْ لأنّها لم تَلْقَ الرّواج الكافي آنذاك. وأُجْبِرَتْ البيروقراطية النّقابية على الانتظار لسنوات أخرى حتى يتحوّل الانقلاب على الفصل المذكور من “حلم” ظل يراودها فترة طويلة إلى حقيقة عبر “المؤتمر غير الانتخابي” ثم مؤتمر صفاقس مستفيدة من تغاضي أو قُلْ تواطؤ السلطة الشعبوية الجديدة المنشغلة آنذاك بتركيز منظومتها في الحكم.

كان واضحا أن القيادة البيروقراطية قد عقدت العزْمَ على الانقلاب على مكسب مؤتمر جربة كمدخل للاطمئنان على كرسيها على رأس الاتحاد كلفها ذلك ما كلفها. لذلك لم تتردد في الضّرب بقوة وتجميد وتجريد العديد من النقابيين الذين عبّروا عن معارضتهم لذلك التّمشّي. وككّل مرّة استحضرت البيروقراطية تعلّات وتبريرات متنوّعة لتبرير قراراتها ونشّطت “لجنة النظام” لتصفية العشرات من النقابيين(1). وقد شهدت حملة الإحالات على لجنة النظام تجاوزات كثيرة وخطيرة اتخذت طابعا مهزليا في بعض الحالات. أذكر هنا حالة تجريد الكاتب العام للفرع الجامعي للتعليم الثانوي بالمهدية من المسؤولية النقابية بسبب قصيدة “حشاد يبكي” رغم أنه رفع عنه التجميد بعد أن قبل بتقديم اعتذار مهين.

ويمكن القول، كما جاء في بيان النقابة العامة للتعليم الثانوي بتاريخ 15 جويلية 2021، إن تلك “الممارسات الفوقية الانتقامية المتشفّية” كانت عنوانا لـ”إعادة تأسيس حقبة من أحلك حقب الاستبداد التي عاشتها المنظمة”(2).

طي صفحة حقبة مظلمة

الآن وقد انعقد مؤتمر المنستير الأخير اعْتَبَرَهُ البعض مؤشّرا على تجاوز تلك الحقبة المظلمة وبوابة لمرحلة جديدة، تُطْرَحُ مسْألة مَحْو أثار تلك الممارسات وإعادة الاعتبار لضحاياها كبرهان على صدق وعود القيادة الجديدة التي أفرزها هذا المؤتمر. غير أن ما تناقلته أخبار الساحة النقابية في الأيام الأخيرة عن نيّة المكتب التنفيذي الوطني في تصنيف ضحايا إجراءات التجميد والتجريد ومحو أثارها إلى أصناف بعضها قابل للمراجعة أي رفع العقوبات عنه وبعضها الآخر غير قابل بتبريرات متنوعة، فتح الباب من جديد للجدل و”الصراع”.

إن الخطيئة الكبرى التي أتاها المكتب التنفيذي السابق، خطيئة المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي وإلغاء الفصل 20، هي السّبب المُباشر للأزْمة الدّاخلية التي سُرْعان ما ظهرت أعْراضُها بُعَيْدَ مؤتمر صفاقس وتسبّبت منْ ثَمّةَ في الأزمة الحادّة التي تردّى فيها الاتحاد طيلة السنوات الماضية. وحسنا فعل نواب المؤتمر الأخير أن نقّحوا قوانين المنظمة في هذا الباب بالذّات رغم أن مراجعة مجمل النظام الدّاخلي أرجئ للمجلس الوطني القادم. وكان من المنتظر أن تشفع هذه الخطوة بداهة بقرار محو العقوبات المتخذة على خلفية الخلاف بخصوص الفصل 20.

أتوقف هنا للتأكيد أن الأمر يتعلق بالعقوبات التي اُتّخِذَتْ في حق النقابيين لأسباب نقابية عامة وفي علاقة بالانقلاب على الفصل 20 خاصة.

إن العفو أو رفع العقوبات – كما يحبذ البعض الاصطلاح عليه – على ضحايا قرارات التعسف المشار إليها هو مكمّل ضروري وطبيعي لقرار المؤتمر بإعادة الاعتبار للفصل 20. وفي خلاف ذلك فإن استثناء البعض بتعلات وذرائع يجري الترويج لها لن يساعد على “تنقية الأجواء الداخلية” ولن “يعزز الديمقراطية الداخلية” كما يتردّد في الخطاب النّقابي الجديد ولن يؤدّي في المحصّلة إلى توحيد الصفّ النّقابي في ظرف يحتاج الاتّحاد إلى وحدة داخلية متينة لمواجهة تحدّيات كثيرة لا تَخْفى على أَحَدٍ.

إن ما راج حول إمكانية استثناء الذين لجأوا إلى القضاء من “العفو النقابي” بتعلّة أن هؤلاء نقلوا الخلافات النّقابية خارج الأطر النقابية إلى أروقة المحاكم وما راج أيضا من إمكانية استثناء من تورّط في الشّتم وهَتْكِ أعراض قيادات نقابية من قرار المصالحة بتعلّة عدم التساهل مع هذه الممارسات هو في الحقيقة إعادة إنتاج منطق القيادة السّابقة وتكرار لمقولة “العقوق النقابي”(3) والإصرار على مواصلة السّياسة البيروقراطية التصفوية التي لا يتّسع صدرها للرّأي المخالف ولا تقبل بالتنوع في المواقف ووجهات النظر.

هو من المحبّذ حقّا أن يقع حلّ الخلافات والنّزاعات الّنقابية داخل أطر المنظمة دون اللجوء إلى فضاءات أخرى خارجها لكن شرط أن تسمح المنظمة لأبنائها بالتعبير عن آرائهم بحرية وشرط أن تُحْدِثَ الإطار الكفيل بإجراء الحوار والجدل وإدارة الخلاف بشكل ديمقراطي. ومن المحبذ أيضا ألّا تتجاوز الخلافات والصراعات الحدّ الأدنى من الاحترام وألا تنحرف إلى أساليب السبّ والتهجّم، ولكن عندما ينعدم هذا الشرط وبدلا عن ذلك يقع الاستقواء بالمنصب القيادي وبـ”لجنة النظام” لمعاقبة النقابيين لا للاستماع إلى آرائهم ومواقفهم، فبأيّ حق يلام ضحايا التعسف من اللجوء إلى القضاء بحثا عن الإنصاف ورفع المظالم. وفوق كل ذلك يذكر النقابيون التجاوزات التي صاحبت الإحالات على لجنة النظام مثل التلاعب بتوجيه الدعوة وعدم تمكين المحالين من ملفاتهم لإعداد الدفاع عن أنفسهم وما إلى ذلك من الممارسات التعسفية.

إن إعلان عفو عام على جميع النقابيين الذين طالتهم قرارات التجميد والتجريد في علاقة بالخلافات التي جدت بخصوص مراجعة الفصل 20 مهمة ملحة وأكيدة فضلا عن كونها في المتناول لأن تعبئة كل الطاقات والتفرغ لمواجهة التحديات الخارجية تقتضي تنقية الأوضاع الداخلية تنقية تامة. والمطلوب الآن من المكتب التنفيذي الجديد التحلي بما يجب من الشجاعة والألمعية في قراءة خصائص الوضع وتعقيداته للخروج من حالة التردد والانتظارية.

الهوامش

1 – تقدر المعارضة النقابية أن عدد ضحايا إجراءات التجميد والتجريد طالت ما يزيد عن 200 نقابي ونقابية.

2 – أنظر بيان النقابية العامة للتعليم الثانوي بتاريخ 15 جويلية 2021.

3 – على حد تعبير الناطق الرسمي باسم الاتحاد على صفحته الخاصة في الفايسبوك.

إلى الأعلى
×