بقلم ولد البطحاء
انعقدت يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل، ثالث سلطة قرار داخل المنظمة، بدعوة من المكتب التنفيذي الوطني، للتداول في الوضع العام كنقطة وحيدة على جدول أعمالها. وقد قدّم الأمين العام للمنظمة في كلمته الافتتاحية السمات العامة للأوضاع بالبلاد المتسمة بفشل السلطة في إدارة الشأن العام معرّجا على تطور خطاب المكتب التنفيذي الوطني منذ غرة ماي إلى 25 جويلية 2026، وعلى المشاورات التي يجريها مع عديد مكونات المجتمع المدني وأفق التنسيق معها. كما أثنى على البيانات الصادرة عن عديد الاتحادات الجهوية وتحركاتها، وعلى التحركات النضالية التي تخوضها بعض القطاعات وخاصة النقل وفسفاط قفصة، منتهيا إلى كون المكتب التنفيذي على قناعة بانسداد أفق أيّ علاقة إيجابية مع السلطة معتبرا ذلك مؤشرا إضافيا على فشلها وأن الطريق نحو وضع جديد بالبلاد ليس طريقا معبدا، بل طريقا مفروشا بالوَهَدَات، وَهَدَاتٌ اتضح أنها داخلية وخارجية.
وَهَدَاتٌ داخلية
مع انتهاء كلمة الأمين العام تعالت بعض الأصوات من داخل الهيئة الإدارية الوطنية، اتحادات جهوية وقطاعات، اتفقت حول ضرورة مناقشة ومعالجة القضايا النقابية الداخلية كخطوة ضرورية في اتجاه حسن الإعداد للمحطات النضالية المتخذة سابقا، أي قرار الإضراب العام، أو المطروحة على جدول أعمال الاتحاد ضمن الإطار التنسيقي مع مكونات المجتمع المدني، أي المسيرة الوطنية. ومن بين هذه الملفات أثيرت قضية المالية بوصفها أحد متطلبات عقد هيئات إدارية قطاعية. كما أثيرت قضية المصالحة النقابية الشاملة وملف مؤتمرات بعض الاتحادات الجهوية وأزمة الانتساب، غير أن السياق العام للهيئة الإدارية الوطنية اتجه نحو إقرار أسبقية المهام الخارجية للاتحاد على الملفات الداخلية مع توصية المكتب التنفيذي بالسعي في مساعدة القطاعات على عقد هيئاتها الإدارية، والاشتغال على ملف المصالحة النقابية، وعقّب المكتب التنفيذي بأن إصدار منشور لمراجعة العقوبات وفق مقتضيات الفصل 139(*) من النظام الداخلي للاتحاد العام التونسي للشغل هو الآلية القانونية المتاحة في هذا الاتجاه. كما تمت دعوة المكتب التنفيذي الوطني إلى عقد هيئة إدارية وطنية تخصص للوضع الداخلي للاتحاد، ولم يتمّ اتخاذ قرار في ذلك مثلما لم يتمّ اتخاذ قرار بشأن تأمين متطلبات عقد هيئات إدارية قطاعية ولا بشأن إقرار عقد مؤتمرات بعض الجهات التي تمرّ بصعوبات والتي طالبت بذلك.
وإذا كانت الهيئة الإدارية الوطنية قد سارت في اتجاه تسبيق الملفات الخارجية على الملفات الداخلية، فهل انعكس ذلك حقا في مخرجاتها أم أن عربة الاتحاد لا زالت تهتز على وقع وهداتٍ خارجية؟
وَهَدَاتٌ خارجية
إن الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد هي بيانها الختامي الذي يوحّد الخطاب والسلوك النقابيين وهو ذاكرة الموقف النقابي وفي وضعنا الراهن هو محرار العلاقة بالسلطة على اعتبار اقتصار جدول أعمال الهيئة الإدارية الوطنية على نقطة وحيدة متعلقة بالوضع العام.
ورغم نجاح الهيئة الإدارية الوطنية في تثبيت انخراط الاتحاد في قضايا الشعب التونسي في عديد نقاط بيانها، ومنها النقطة الأولى التي أكدت على مساندة تحركات المعطلين عن العمل وغيرهم ورفضها لتجريم الاحتجاج الاجتماعي والتعامل الأمني مع المطالب المشروعة، والنقطة الثالثة التي عبرت عن استنكار الهيئة الإدارية لتواصل معاناة الجهات وكل الفئات الشعبية وحرمانها من مقومات العيش الكريم، والنقطة الخامسة التي أكدت على عجز السلطة عن تقديم حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل التونسيين، وأشارت باحتشام إلى استمرار غياب الحوار ملمحة إلى إمكانية عودته، والنقطة السادسة التي أعلنت خلالها تحدي حاكم قرطاج بكون الاتحاد سيظل مدافعا عن مصالح الشغالين والحق النقابي والديمقراطية، والنقطة التاسعة حيث أعلنت تمسكها بتنفيذ قرار الإضراب العام المصادق عليه بالمؤتمر العادي السادس والعشرون، والنقطة العاشرة التي تضمنت تثمين بعث الإطار التنسيقي مع قوى المجتمع المدني والمنظمات والجمعيات دفاعا عن تونس ومؤسساتها ومكاسب شعبها، والنقطة الحادية عشر التي حددت توجه الهيئة الإدارية الوطنية نحو تنفيذ خطة نضالية تصاعدية وصولا للإضراب العام أوكلت مهمة إعدادها للمكتب التنفيذي بالتشاور مع الإطار التنسيقي وإصدارها توصية للجهات والقطاعات لإعداد خطط في الغرض، لم تسلم بقية النقاط من صياغات جعلتها تبدو مهتزة ناهيك عن بعض النقاط المهتزة من ألفها إلى يائها:
ففي حين أكد البيان في النقطة الثانية منه على تضامن الهيئة الإدارية الوطنية مع عائلات ضحايا فاجعة الهجرة غير النظامية فإنه استطرد ليدعو –ولا ندري من– إلى وضع سياسة وطنية حقيقية للتنمية والتشغيل وحماية الشباب فأغفل حقيقة كون الرئيس الشعبوي ما هو إلا “حارس للطليان” بموجب اتفاقية في الغرض ناهيك عن كون أغلبية تدخلات أعضاء الهيئة الإدارية أكدت أن سلطة سعيد أصبحت عبئا على الجميع جماهير ومنظمات وهياكل بحيث لا يمكن لـ“فاقد الشيء أن يعطيه“.
وفي حين تم تأكيد رفض الخطابات التبريرية وإلقاء التهم على الآخرين طيلة خمس سنوات من الحكم الفردي في فاتحة النقطة الرابعة من البيان، فقد تمّ زراعة لغم بداخله عبر دعوة الحاكم الفردي إلى الإنصات إلى الشعب وقواه الحية، وهو وهم حذرت منه مداخلات معظم أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية وقراءتها لاتجاه تطور الأوضاع المتجه نحو استمرار أجهزة الدولة الصلبة في نهج حماية الحاكم الفردي المطلق واتجاه الأوضاع معها نحو مواجهة بينها وبين المجتمع ومكوناته وأن معركة إنقاذ البلاد منها لازالت مستمرة، بحيث لا يمكن التعويل على قبول الحاكم الفردي المطلق بغير الإنصات لنفسه.
وفي حين عكست النقطة السابعة من البيان تمسك الهيئة الإدارية الوطنية باستقلالية القضاء وضرورة توفير ضمانات المحاكمة العادلة ومساندتها للصحفيين وتنديدها بالظروف القاسية وغير الإنسانية داخل السجون، فإنها تجنبت ذكر فضيحة الدولة التونسية في تواتر وقوع وفيات داخل السجون التونسية ومسؤولية الحاكم الفردي المطلق في ذلك.
وفي حين تمّ إعلان التعبئة العامة استعدادا للمرحلة القادمة صراحة في النقطة الثانية عشر، يصاب كل قارئ ذي بصيرة بالدهشة من المقطع الأخير من الفقرة الذي يحدد الغاية من التعبئة في فتح حوار حقيقي حول مستقبل البلاد وهو ما يمثل مغازلة في قصة حب من جانب واحد لكاتب مشروع البيان، ساعده في ذلك وقوع الهيئة الإدارية الوطنية تحت ضغط عودة أعضائها إلى ديارهم بحيث ضاع التركيز في اللحظات الأخيرة من تلاوة مشروع بيان الهيئة الإدارية الوطنية وعرضه للمصادقة عليه.
النقطة الأخيرة من البيان بدورها لم تخل من عدم التناغم فرغم تذكيرها بموقف الاتحاد من القضية الفلسطينية ورفضها لجرائم الاحتلال في النقطة الثالثة بعد العشرة والأخيرة من بيانها، فإنها تغافلت عن ذكر النقطة الأساسية التي تفضح زيف الدعاية الشعبوية بخصوص القضية الفلسطينية ألا وهو إسقاطها لمشروع قانون تجريم التطبيع بعد أن كان شعار “التطبيع خيانة عظمى” أحد أعمدة الدعاية الانتخابية للرئيس الشعبوي وكون الثابت في حكمه هو التظاهر بدعم القضية الفلسطينية في حين أن ممارسته الفعلية تؤكد معاداته لكل منافسة حول القضية الفلسطينية التي تحولت في كثير من الأحيان إلى “أصل تجاري” لا يقبل الحاكم الفردي المطلق أي منافسة حول تملكه له.
وتبقى النقطة الثامنة من البيان، النقطة التي تكشف الصوت النشاز داخل الهيئة الإدارية الوطنية الذي تسلل إلى بيانها، حيث تسرّبت من خلاله “بالونة” وضع خطة وطنية عاجلة للإنقاذ، “بالونة” يؤكد النقاش الذي دار في الهيئة الإدارية الوطنية، أنها جاءت من خارج الوعي النقابي الجمعي للهيئة الإدارية الوطنية.
ختاما
رغم الوهدات الداخلية والخارجية التي أثرت سلبا في جودة البيان الختامي للهيئة الإدارية الوطنية، واهتزت لها عربة الاتحاد، فلا شيء إلى حد الآن يؤشر على ارتباطها بمشكل في قيادة عربة الاتحاد، بقدر ما تعكس خيار السير في طريق وعر مفروش بالمطبات والمخاطر، هو في الحقيقة الطريق الوحيد الممكن في ظل حكم الفاشية الشعبوية، وهو الطريق الذي يربط مع شعار تونس أولا والشعب فوق كل اعتبار، كما جاء في عنوان بيان الثلاثي المؤرخ في 3 سبتمبر 2026، طريق يقود نحو فتح أفق وطني جديد لصالح البلاد والعباد.
الهوامش
(*) ينص الفصل 139 من النظام الداخلي للاتحاد العام التونسي للشغل على الآتي:
تجوز مراجعة العقوبات طبقا للصور التالية:
-
يمكن لكل من سلطت عليه عقوبة أن يلتمس العفو برفعها عنه سواء بصفة جزئية أو كلية دون أن يؤدي ذلك إلى رجوعه إلى سالف المسؤولية التي كان يتحملها قبل العقوبة. وفي هذه الحالة يجب أخذ رأي الهيكل والقطاع والجهة التابع له المعني بالأمر قبل اتخاذ القرار من قبل المكتب التنفيذي الوطني.
-
يمكن للمكتب التنفيذي الوطني اتخاذ قرار العفو عن كل أو بعض النقابيين الصادرة في شانهم عقوبات والذين أبدوا انضباطا وتمسكا بالاتحاد ومبادئه دون أن يؤدي ذلك إلى رجوعهم إلى سالف المسؤوليات التي كانوا يتحملونها قبل العقوبة.
-
يحق لمن صدر في شانه قرار عقوبة أن يطلب مراجعة هذا القرار كليا أو جزئيا لدى المكتب التنفيذي الوطني أو الهيئة الإدارية الوطنية أو المجلس الوطني، كما يمكنه أن يلتجئ إلى المؤتمر العام لعرض قضيته.
صوت الشعب صوت الحقيقة
