بقلم زهرة حاكيمي
إن النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية، كما نراه في حزب النهج الديمقراطي العمالي، ليس مجرد حادثة أمنية طارئة، بل هو إدانة سياسية وأخلاقية للسياسات الطبقية السائدة، والتي تدفع بالشباب المغربي، خاصة من النساء والعمال والكادحين، إلى خيار اليأس والمجازفة بحياتهم.
فما هي الأسباب الجذرية لهذه الأزمة؟ هل هي أزمة بنيوية، أم أنها ظرفية؟
شهدت مدينتا سبتة ومليلية في نهاية يوليوز 2026 موجة نزوح جماعي غير مسبوقة، طالت آلاف النساء والأسر والعائلات التي حاولت عبور الحدود نحو هاتين المدينتين المحتلتين. هذه الظاهرة، التي أسفرت عن سقوط مئات الضحايا، لا يمكن فهمها بمعزل عن التناقضات البنيوية للرأسمالية العالمية، بل هي تجسيد حي لقوانين التراكم الرأسمالي والتبعية الاستعمارية. إن التناقض الأساسي يكمن في حرية رأس المال مقابل تقييد حرية الإنسان، ومن منظورنا، تكمن جذور النزوح الجماعي في التناقض الجوهري للنظام الرأسمالي، فمن جهة، تتدفق رؤوس الأموال والسلع بحرية عبر البحر الأبيض المتوسط، ومن جهة أخرى، تُقام الجدران والتأشيرات لعرقلة حركة العمال والفقراء. إن الفجوة الهائلة في الناتج المحلي الإجمالي ــ حيث بلغ في المغرب 4,153 دولاراً فقط عام 2024 مقابل 26,774 دولاراً في سبتة ــ ليست نتاجاً عابراً، بل هي نتيجة مباشرة لقرون من النهب الاستعماري وعلاقات التبعية التي لا تزال مستمرة في ظل الإمبريالية.
إن ما تصفه الجمعيات الحقوقية، وبصفة خاصة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بـانسداد الأفق الاجتماعي والفشل الذريع لسياسات الدولة في توفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، ليس سوى مظهر من مظاهر الأزمة البنيوية للرأسمالية المغربية التابعة، حيث يستولي فئة قليلة على مقدرات البلاد من خلال اقتصاد الريع والفساد. فالنزوح الجماعي، كما تؤكد الجمعية، يعكس أزمة بنيوية عميقة وتراكمات عقود من التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يمكن القول بتأنيث الفقر واستغلال العمل النسائي، حيث تتخذ هذه الموجة من النزوح طابعاً جندرياً مميزاً، إذ تشكل النساء جزءاً فاعلاً منها، سواء في محاولات العبور المباشرة أو في الأنماط اليومية للتنقل عبر الحدود.
إن ظاهرة “النساء البغال (mule women) اللواتي يحملن على ظهورهن بضائع تفوق أوزان أجسادهن لبيعها في سبتة تحت ظروف خطيرة ومميتة تجسّد بامتياز الاستغلال الفائق الذي يمارسه النظام الرأسمالي على جسد المرأة العاملة. ففي عام 2017 وحده، لقيت اثنتان من هؤلاء النساء حتفهما في تدافع على الحدود. وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 ألف امرأة كنّ يعبرن الحدود يومياً بهذه الصفة، كما يعمل أكثر من 2,100 امرأة عبر الحدود يومياً في قطاع الخدمة المنزلية بسبتة ومليلية، وهو قطاع شديد التأنيث وغير رسمي ومُهمَّش، حيث تمثل النساء أكثر من 90% من العاملات في هذا المجال. وتخضع هؤلاء العاملات لأنظمة تقييدية صارمة تحدّ من تنقلهن بساعات النهار وتمنعهن من الوصول إلى البر الرئيسي الإسباني.
إذن أصبحت الحدود كاستمرار للمشروع الاستعمار، حيث تشكل سبتة ومليلية امتداداً للمشروع الاستعماري الأوروبي الذي لم ينتهِ بعد. فهاتان المدينتان المحتلتان، اللتان لا تزالان تحت السيطرة الإسبانية رغم وجودهما في شمال إفريقيا، تمثلان بقايا استعمارية تكرس التقسيم الطبقي على أسس عنصرية وجغرافية.
إن الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية لحماية السيادة الوطنية، بل هي آلية رأسمالية لإنتاج فئات اجتماعية من التمييز، وتكريس الفصل العنصري المتجذّر في الاستعمار.
إن النزوح الجماعي للنساء إلى سبتة ومليلية ليس “أزمة هجرة” يمكن حلها بالمزيد من الجدران أو الاتفاقات الأمنية، بل هو تعبير عن أزمة النظام الرأسمالي برمته. فالمهاجرات لسن مشكلة ينبغي احتواؤها، بل هنّ جزء من البروليتاريا العالمية التي يسحقها نظام يستفيد من استغلالها، فإن استغلال عمل النساء المهاجرات يساهم في خفض قيمة القوة العاملة برمتها، مما يخدم مصالح الرأسمالية على حساب الطبقة العاملة بأكملها.
إن تحرر النساء لا يمكن أن يتحقق في ظل رأسمالية تعتمد على استغلالهن، بل يتطلب تجاوزاً جذرياً للنظام القائم، وإقامة علاقات إنتاجية جديدة تقوم على العدالة الاجتماعية، وتحرير النساء من ربقة الاستغلال الطبقي والتمييز الجندري والتبعية الاستعمارية في آن واحد
لهذا، نرفض الاختزال الأمني للقضية، مؤكدين أن ما حدث هو “تعبير مكثف عن الأزمة البنيوية التي يعيشها المجتمع المغربي. ففي نظرنا، يعود هذا النزوح الجماعي إلى السياسات الطبقية والنيوليبرالية التي أدت إلى تركيز الثروة والسلطة في يد أقلية مستفيدة، في مقابل تعميم البطالة والفقر والتهميش على غالبية الشعب، إضافة إلى فشل النموذج التنموي الرسمي والذي لم ينتج سوى اتساع رقعة الفقر والفوارق الطبقية، وتآكل القدرة الشرائية وتراجع الخدمات العمومية، وغياب الأفق وحرمان الشباب من الحقوق الأساسية من شغل وتعليم وصحة وسكن، مما جعل الوطن فضاءً مغلقًا في وجه أحلامهم.
ننتقد بشدة اعتماد المقاربة الأمنية في تدبير ملف الهجرة، على اعتبار أنها لا تعالج الأسباب الحقيقية وتزيد من المخاطر، ونحمل الدولة المغربية المسؤولية الكاملة عن الفواجع الناتجة عن هذه الهجرة، وتحويل المغرب إلى فضاء لحراسة الحدود الأوروبية بدل معالجة الأسباب العميقة للهجرة. وفي هذا السياق، نستنكر فشل الأحزاب الحكومية والإدارية في تمثيل مصالح الشعب، وتحولها إلى أدوات لتدبير الأزمة بدلاً من تغييرها.
هناك بعد استعماري لقضية سبتة ومليلية، فبالنسبة انا في حزب النهج الديمقراطي العمالي، لا يمكن فصل أزمة الهجرة عن قضية استعمار سبتة ومليلية، التي نعتبرها “من أقدم جيوب الاستعمار بالقارة الإفريقية“. ونطالب بتصفية هذا الاستعمار وعودة المدينتين إلى السيادة المغربية.
وبالتالي فالبديل هو النضال من اجل مغرب الكرامة والعدالة الاجتماعية، ولا نكتفي بالنقد، بل نقدم رؤيتنا البديلة القائمة على ما يلي:
نضال شعبي من أجل تغيير ديمقراطي جذري، يقطع مع الاستبداد والريع والفساد والتبعية.
بناء نظام وطني متحرر من التبعية، يكون ديمقراطياً وشعبياً، يعلي مصالح الشعب ويوفر أسباب العيش الكريم للجميع.
توفير العمل المنتج ومحاربة التهميش والتفقير، خاصة في المناطق المهمشة.
اعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تركز على التشغيل والتنمية المتوازنة والعدالة المجالية.
وختاماً، نرى أن مشاهد النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية هي صرخة شباب وشابات في وجه أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية خانقة، وإعلان فشل للنموذج السياسي والاقتصادي القائم، مما يستدعي تغييراً جذرياً يضع الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية في صميم أي حل مستقبلي.
طنجة 11 غشت 2026
زهرة حاكيمي الكاتبة الوطنية للقطاع النسائي
حزب النهج الديمقراطي العمالي ـ المغرب
صوت الشعب صوت الحقيقة
