صوت العالم

مغزى نجاح لولا في الانتخابات الرئاسية في البرازيل

بقلم جيلاني البرهومي

يشهد النظام الرأسمالي العالمي منذ عقود أزمة بنيوية متفاقمة، تتجلى في تعمّق التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للاستحواذ على الثروة، وفي اتساع الفوارق الطبقية وتراجع المكاسب الاجتماعية للشعوب، فضلًا عن احتداد التنافس بين القوى الإمبريالية وتواتر الأزمات الاقتصادية والمالية والحروب. وقد كشفت الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، وما أعقبها من أزمات متلاحقة، حدود السياسات النيوليبرالية التي بشّرت بتحقيق الرفاه والتقدم من خلال تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة وإطلاق العنان لرأس المال مما عمق الأزمات السياسية للحكومات الليبيرالية. ففسح المجال لصعود قوى يمينية شعبوية متطرفة.

وقد تجلّى هذا المسار بوضوح في أوروبا، مع صعود الأحزاب القومية والعنصرية واليمينية المتطرفة، كما في أمريكا اللاتينية التي شهدت بدورها صراعًا محتدمًا بين القوى التقدمية واليسارية من جهة، والقوى المحافظة واليمينية المرتبطة بمصالح رأس المال المحلي والدولي من جهة أخرى.

وفي خضم هذه التحولات، يكتسي نجاح لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية يوم 25 أكتوبر 2026 أهمية سياسية تتجاوز حدود البرازيل، باعتباره انتصارًا جديدًا على التيار البولسوناري اليميني المتطرف، بعد انتصار سابق على جايير بولسونارو سنة 2022. فقد تمكن مرشح حزب العمال من الفوز بنسبة 51.79% من الأصوات، مقابل 48.21% لمنافسه فلافيو بولسونارو، في انتخابات عكست حدة الاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية.

غير أن هذا الانتصار يطرح جملة من الأسئلة الجوهرية: ما دلالته في ظل الأزمة البنيوية التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي؟ وهل يعكس هزيمة فعلية للنيوليبرالية أم مجرد تراجع انتخابي لأحد تعبيراتها السياسية الأكثر تطرفًا؟ وإلى أي مدى يمكن أن يشكل مقدمة لتحولات سياسية أعمق في أمريكا اللاتينية، وأن يؤثر في موازين القوى السياسية داخل أوروبا؟

أزمة الرأسمالية وصعود اليمين المتطرف

إن صعود اليمين المتطرف في العالم ليس ظاهرة معزولة عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها الرأسمالية المعاصرة، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأزمتها البنيوية وعجزها المتزايد عن الاستجابة للحاجات الأساسية للطبقات الشعبية.

فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، فرضت البرجوازية العالمية، تحت إشراف المؤسسات المالية الدولية، سياسات نيوليبرالية قائمة على الخوصصة وتحرير التجارة وتفكيك القطاع العمومي والضغط على الأجور وتقليص الإنفاق الاجتماعي. وقد أدت هذه السياسات إلى مزيد من تركيز الثروة والسلطة الاقتصادية، مقابل تدهور شروط العمل والحياة بالنسبة إلى ملايين العمال والكادحين.

كما ساهمت التحولات التي عرفها الاقتصاد الرأسمالي، وخاصة تعاظم دور رأس المال المالي وانتقال الاستثمارات بحثًا عن اليد العاملة الأقل كلفة، في إضعاف قطاعات صناعية واسعة وتعميق هشاشة التشغيل، وهو ما ولّد حالة من القلق الاجتماعي وعدم الاستقرار.

وفي ظل عجز الأحزاب الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية التقليدية عن تقديم بدائل حقيقية، استطاعت القوى اليمينية المتطرفة استثمار هذا الغضب الشعبي وتوجيهه نحو المهاجرين والأقليات والحركات التقدمية، عوض توجيهه نحو علاقات الاستغلال الرأسمالي المسؤولة عن إنتاج الأزمة.

وهكذا تحوّل اليمين المتطرف إلى أحد المخارج السياسية التي تتيحها أزمة النظام الرأسمالي، عبر توظيف النزعات القومية والدينية والعنصرية لتقسيم الطبقات الشعبية وإضعاف نضالاتها المشتركة.

وفي البرازيل، مثّل صعود جايير بولسونارو إلى السلطة سنة 2018 تعبيرًا واضحًا عن هذا المسار. فقد جمع مشروعه بين المحافظة الاجتماعية والتسلط السياسي والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، مستندًا إلى دعم قطاعات من البرجوازية وكبار ملاك الأراضي والمؤسسات الدينية المحافظة.

لكن تجربة حكمه لم تنجح في معالجة التناقضات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البرازيل، بل ساهمت في تعميق الاستقطاب السياسي، وأثارت مقاومة واسعة من الحركات الاجتماعية والنقابية والقوى الديمقراطية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم انتصار لولا بوصفه تعبيرًا عن رفض شعبي لاستمرار المشروع البولسوناري، وعن رغبة قطاعات واسعة من المجتمع في الدفاع عن الحريات الديمقراطية والمكاسب الاجتماعية المهددة.

انتصار “لولا” السياسي وحدود المشروع الإصلاحي

يمثل فوز لولا انتصارًا سياسيًا مهمًا للقوى الديمقراطية والتقدمية في البرازيل، خاصة أنه تحقق في مواجهة تيار يميني متطرف يمتلك قاعدة اجتماعية وانتخابية واسعة، ويتمتع بنفوذ داخل مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام والأوساط الاقتصادية المحافظة.

وقد لعبت التعبئة الشعبية والحركات الاجتماعية والنقابية، إلى جانب التحالفات السياسية الواسعة، دورًا مهمًا في تحقيق هذا الانتصار.
غير أن فهم دلالته يقتضي العودة إلى طبيعة المشروع الذي يمثله حزب العمال البرازيلي.

فقد نشأ هذا الحزب في سياق النضالات العمالية والشعبية ضد الدكتاتورية العسكرية، وارتبط تاريخيًا بالحركة النقابية وبمطالب العدالة الاجتماعية. وعندما وصل لولا إلى السلطة سنة 2003، اعتمد سياسات اجتماعية ساهمت في الحد من الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية لقطاعات واسعة من السكان، وخاصة من خلال برامج التحويلات الاجتماعية والزيادة في الأجور الدنيا.

لكن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها بالنسبة إلى الفئات الشعبية، لم تترافق مع تحول جذري في علاقات الإنتاج والملكية.

فقد حافظت الحكومات التي قادها حزب العمال على الأسس الرأسمالية للاقتصاد البرازيلي، واستمر نفوذ المؤسسات المالية وكبار ملاك الأراضي والشركات متعددة الجنسيات، كما ظلت السياسة الاقتصادية محكومة إلى حد بعيد بمتطلبات التوازنات المالية والأسواق العالمية.

ويكشف ذلك التناقض الأساسي الذي يطبع التجارب الإصلاحية داخل النظام الرأسمالي: فهي تستطيع تحقيق مكاسب اجتماعية مهمة وتخفيف حدة الاستغلال، لكنها لا تقضي بالضرورة على العلاقات الاقتصادية التي تنتج الفقر والتفاوت الطبقي.

وقد أظهرت التجربة البرازيلية أن المكاسب الاجتماعية تظل معرضة للتراجع عندما تتغير الظروف الاقتصادية أو تتبدل موازين القوى السياسية والطبقية.

وعليه، فإن نجاح لولا لا يمكن اعتباره في حد ذاته انتصارًا على الرأسمالية أو تجاوزًا للنيوليبرالية، بل هو انتصار سياسي على أحد تعبيراتها اليمينية المتطرفة، يفتح إمكانات جديدة للنضال الاجتماعي والديمقراطي دون أن يحسم مسألة التغيير الجذري.

استمرار أزمة الرأسمالية بعد هزيمة اليمين المتطرف

إن التمييز بين هزيمة اليمين المتطرف انتخابيًا وهزيمة النيوليبرالية اقتصاديًا واجتماعيًا يمثل مسألة أساسية في تقييم نتائج الانتخابات البرازيلية.

فاليمين المتطرف ليس السبب الوحيد للأزمة التي تعيشها المجتمعات الرأسمالية، بل هو أحد إفرازاتها السياسية. ومن ثم فإن إبعاده عن السلطة، رغم أهميته، لا يعني القضاء على الشروط الموضوعية التي سمحت بصعوده.

فاستمرار البطالة والفقر والتفاوت الطبقي وتراجع الخدمات العمومية، إلى جانب هيمنة رأس المال المالي على الخيارات الاقتصادية، يمكن أن يعيد إنتاج الغضب الشعبي ويوفر أرضية جديدة لعودة القوى الرجعية.

وتزداد هذه المخاطر عندما تكتفي الحكومات التقدمية بإدارة الأزمة الرأسمالية بدل العمل على تجاوزها.

إن الرأسمالية لا تعاني مجرد اختلالات ظرفية يمكن تجاوزها بتغيير الحكومات أو تعديل بعض السياسات الاقتصادية، بل تعيش تناقضات بنيوية متصلة بطبيعة علاقات الإنتاج والاستغلال والتراكم الرأسمالي.

ولهذا فإن الإصلاحات الاجتماعية، مهما بلغت أهميتها، تظل محدودة ما لم تترافق مع تغيير فعلي في موازين القوى بين العمل ورأس المال.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الانتصارات الانتخابية أو المكاسب الديمقراطية، بل يقتضي النظر إليها باعتبارها محطات ضمن صراع اجتماعي وسياسي أشمل.

فالنضال ضد اليمين المتطرف والدفاع عن الحريات الديمقراطية والحقوق الاجتماعية يمثلان مهمتين أساسيتين بالنسبة إلى القوى التقدمية والثورية، لكنهما لا يمكن أن يشكلا بديلًا عن بناء مشروع مستقل يهدف إلى تجاوز علاقات الاستغلال الرأسمالي.

وتبرز هنا أهمية التنظيم المستقل للطبقة العاملة وسائر الفئات الشعبية، وتطوير نضالاتها النقابية والسياسية، وربط المطالب الاجتماعية المباشرة بأفق التغيير الجذري.

فالتجربة التاريخية تؤكد أن التحولات العميقة لا تتحقق بمجرد تغيير الحكومات، وإنما تتطلب بناء موازين قوى اجتماعية وسياسية قادرة على مواجهة سلطة رأس المال ومؤسساته.

الاستخلاص العام: انتصار لولا وانعكاساته على أوروبا

لا شك أن نجاح لولا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية يمثل حدثًا ذا دلالة دولية مهمة، خاصة في ظل تصاعد نفوذ اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ومحاولته تقديم نفسه باعتباره القوة السياسية الصاعدة القادرة على قيادة المجتمعات الرأسمالية في مرحلة أزمتها الراهنة.

فقد أظهر هذا الانتصار أن صعود اليمين المتطرف ليس مسارًا حتميًا أو غير قابل للتراجع، وأن القوى الديمقراطية والتقدمية تستطيع، متى توفرت شروط التعبئة والتنظيم والتحالف السياسي، إلحاق الهزيمة به حتى في المجتمعات التي يتمتع فيها بنفوذ واسع.

وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة إلى أوروبا، حيث استطاعت الأحزاب اليمينية المتطرفة تحقيق تقدم انتخابي ملحوظ في عدد من البلدان، مستفيدة من تدهور الأوضاع الاجتماعية وتداعيات التضخم وارتفاع كلفة المعيشة وأزمة الهجرة وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية.
كما أن أزمة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، التي انخرطت قطاعات واسعة منها في تطبيق السياسات النيوليبرالية، ساهمت في إضعاف البديل الاجتماعي وفسحت المجال أمام القوى القومية والشعبوية لتقديم نفسها ممثلًا للطبقات المتضررة من العولمة الرأسمالية.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل انتصار لولا دفعة سياسية ومعنوية للقوى اليسارية والتقدمية الأوروبية، ودليلًا على إمكانية بناء تحالفات اجتماعية وسياسية واسعة لمواجهة اليمين المتطرف.

وقد عكست ردود الفعل الأوروبية هذا البعد، إذ رحبت قيادات أوروبية عديدة بفوز لولا، بينما اعتبر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن ما حدث في البرازيل يمكن أن يتكرر في إسبانيا، في إشارة إلى إمكانية وقف تقدم القوى اليمينية المحافظة والمتطرفة.

لكن هذا التأثير لا ينبغي المبالغة في تقديره. ففوز لولا لا يعني بالضرورة بداية تراجع شامل لليمين المتطرف الأوروبي، كما أنه لا يشكل دليلًا على هزيمة النيوليبرالية في أوروبا أو في العالم.

ذلك أن الأزمة البنيوية للرأسمالية ما زالت قائمة، وأن الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي صعود اليمين المتطرف لم تتغير بصورة جوهرية.

بل إن استمرار السياسات النيوليبرالية تحت حكومات ليبرالية أو اشتراكية ديمقراطية قد يؤدي إلى تجدد الغضب الاجتماعي وإعادة إنتاج القاعدة الشعبية للقوى الرجعية.

ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذي يمكن أن تستخلصه القوى اليسارية الأوروبية من التجربة البرازيلية لا يتمثل فقط في ضرورة توحيد الجهود الانتخابية ضد اليمين المتطرف، بل كذلك في ضرورة تقديم بديل اقتصادي واجتماعي فعلي للسياسات النيوليبرالية.

فمواجهة اليمين المتطرف لا يمكن أن تنجح على المدى البعيد إذا اقتصرت على الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية القائمة، دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع قطاعات من الجماهير إلى فقدان الثقة فيها.

كما أن الاحتفاء بانتصار القوى الإصلاحية لا ينبغي أن يحجب حدود مشاريعها، خاصة عندما تظل ملتزمة بإدارة الاقتصاد الرأسمالي والمحافظة على مصالح رأس المال.

وعلى هذا الأساس، فإن نجاح لولا يحمل دلالة مزدوجة: فهو من جهة انتصار ديمقراطي وسياسي مهم على اليمين المتطرف، ومن جهة أخرى يكشف استمرار التناقض بين تطلعات الجماهير إلى العدالة الاجتماعية وحدود المشاريع الإصلاحية داخل النظام الرأسمالي.

إن المغزى الحقيقي لهذا الانتصار لا يكمن في اعتبار الرأسمالية قد هُزمت، وإنما في إثبات أن موازين القوى السياسية ليست ثابتة، وأن مقاومة اليمين المتطرف ممكنة، شريطة ألا تتحول هذه المقاومة إلى مجرد إعادة إنتاج للنظام الاقتصادي والاجتماعي الذي أنجبته أزماته.

وإذا كان انتصار لولا قد بعث برسالة أمل إلى القوى التقدمية في أوروبا والعالم، فإن تحويل هذا الأمل إلى تغيير تاريخي فعلي يظل مشروطًا بقدرة الطبقات العاملة والشعوب على بناء بديل سياسي واجتماعي مستقل، يتجاوز حدود الإصلاح داخل الرأسمالية نحو تغيير جذري في علاقات الإنتاج والملكية، ويضع حدًا لهيمنة رأس المال على الثروة والسلطة.

فالمعركة الحقيقية ليست فقط في هزيمة اليمين المتطرف داخل صناديق الاقتراع، وإنما في تجاوز الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجه وتعيد إنتاجه. ومن دون ذلك، ستظل الانتصارات الانتخابية، مهما بلغت أهميتها، مكاسب جزئية وهشة في مواجهة أزمة رأسمالية بنيوية لا يمكن حلها نهائيًا بأدوات النظام نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى
×