الرئيسية / صوت العالم / تشي جيفارا بعد تسعة وخمسين عامًا: ثائرٌ مازال حاضرا بيننا
تشي جيفارا بعد تسعة وخمسين عامًا: ثائرٌ مازال حاضرا بيننا

تشي جيفارا بعد تسعة وخمسين عامًا: ثائرٌ مازال حاضرا بيننا

بقلم نور الدرعي

في التاسع من أكتوبر 1967، أُسدل الستار على حياة إرنستو تشي جيفارا في قرية لا هيغيرا البوليفية، بعدما وقع أسيرًا في يد الجيش البوليفي. تسعة وخمسون عامًا مرّت على إعدامه. لكن الرجل الذي ظنّ قاتلوه أن رصاصةً قادرة على وضع حدّ لحكايته مازال حاضرًا كنجمٍ ثوريّ لامعٍ في الذاكرة السياسية والثقافية العالمية.

غير أن حضوره في اليومي الروتيني العادي على غرار اللحظات الثورية حين تحتدّ التناقضات وتترجمُ لأفعال أيًّا كانت، يتجاوز مجرّد الحديث عن سيرته ونضالاته إلى تأمل في العلاقة المعقدة بين الفكرة وصاحبها، وبين الثورة والرمز الذي تخلّفه، وبين الذاكرة التاريخية والسوق التي تستطيع تحويل أكثر رموز التمرّد راديكاليةً إلى سلعة. فالرجل الذي واجه نظامًا اقتصاديًا قائمًا على التنافس والربح الفردي والسلعنة بكلّ أبعادها أصبح بدوره وجها يُباع ويُشترى،

فهل نكتفي بترديد اسمه في لحظات الحماسة الثورية، أم نقرأ تجربته بما لها وما عليها، ونتعلّم من اختياراته وانتصاراته وإخفاقاته؟

تشي ما وراء الصورة

إن إحياء الذاكرة الجمعية لسيرة الطبيب الأرجنتيني الذي ترك مسارًا مهنيًا تقليديًا وانخرط في النضال الثوري أمر ضروري لفهم الرمز الذي صنعه تشي لنفسه ومحاولات آلات الدعاية الإمبريالية لتسويقه وتفريغه من قيمته النضالية.

وُلد إرنستو جيفارا دي لا سيرنا في مدينة روساريو بالأرجنتين في 14 يونيو 1928، ودرس الطب في جامعة بوينس آيرس، حيث تخرّج سنة 1953. غير أن رحلاته في أمريكا اللاتينية، ولا سيما رحلته عبر القارة سنة 1952، أتاحت له عبر الاحتكاك المباشر بالفئات الشعبية معاينة أوضاع اجتماعية كارثيّة تركت أثرًا عميقًا في داخله،  لقد عاين الفقر والمرض، والتفاوت في توزيع الثروة، وأوضاع العمال والفلاحين المحرومين من شروط العيش الكريم، لقد لامس معاناتهم وقهرهم مباشرة مما أثار حنقهُ وحقدهُ وأسهم بشكل مباشر في تشكيل وعيه السياسي.

تحوّل تشي بالفعل إلى أحد أبرز رموز الكفاح الثوري المسلح في القرن العشرين، لكن مساره لم يكن مجرد انتقال عاطفي من التعاطف مع المظلومين إلى حمل السلاح. فقد ارتبطت قناعاته الثورية بقراءة ماديّة للصراع الطّبقيّ، وبيقين تامّ بأنّ التفاوت الاقتصادي والاستغلال والتبعية السياسية ليست ظواهر معزولة، بل نتائج لبنية حتميّة للنظام الرأسماليّ الإمبرياليّ ومن هنا تبرز جدلية الفكر والممارسة في تجربته. فالإيمان بالعدالة الاجتماعية و بنصرة الطبقة العاملة لم يكن موقفًا وجدانيًا أو خطابًا أخلاقيًا معزولا بل تحوّل عنده إلى التزام عملي يوميّ يوجّه اختياراته والمسار الذي اتخذه.

ثم جاءت إقامته في غواتيمالا، حيث شهد سنة 1954 الإطاحة بحكومة الرئيس جاكوبو أربينز، في انقلاب حظي بدعم أمريكي حاسم عبر وكالة الاستخبارات المركزية ومن هناك انتقل إلى المكسيك، حيث التقى فيدل كاسترو سنة 1955، وانضمّ إلى الحركة التي كانت تستعد لمواجهة نظام فولخينسيو باتيستا في كوبا.

وفي ديسمبر 1956، وصل تشي إلى كوبا على متن اليخت «غرانما» مع مجموعة من الثوار، قبل أن يشارك في الكفاح المسلح في جبال السييرا مايسترا. ومع تطور الثورة، أصبح أحد أبرز قادتها، إلى جانب شخصيات وقوى كوبية أخرى ساهمت في إسقاط نظام باتيستا. وفي يناير 1959، انتصرت الثورة الكوبية، لتبدأ مرحلة جديدة انتقل فيها تشي من موقع المقاتل إلى موقع المسؤولية السياسية والاقتصادية.

بعد انتصار الثورة الكوبية، تولّى تشي مسؤوليات رسمية، من بينها إدارة البنك الوطني ووزارة الصناعة، وشارك في صياغة السّياسات الاقتصادية للدولة الجديدة. وهنا بالذات تبرزُ طينة تشي المختلفة عن غيرهِ فلم يكتفِ بممارسة الأدوار السياسية والإدارية البيروقراطية الموكلة إليه والتحق بالعمل الميداني كتفًا بكتفٍ مع عمال القصب السكري وعمّال البناء ليكون بذلك مثالا للتضامن والعمل الجماعي والالتحام الكلي بالطبقة التي يدافع عن مصالحها.

إن الحس الأممي لجيفارا المناهض للإمبريالية أينما غرست أنيابها دفعه للبحث عن امتداد للثورة خارج الحدود الكوبية فغادر تاركا مناصبه الرسمية، وشارك في محاولة ثورية في الكونغو سنة 1965، ثم توجّه إلى بوليفيا سنة 1966، حيث قاد حركة مسلحة انتهت بهزيمتها وأسره وإعدامه.

غير أن هذه المحطة تطرح بدورها سؤالًا جوهريًا، هل تكفي صلابة القناعة واستعداد الفرد للتضحية حتى ينجح المشروع الذي يحمله؟ أم أن تغيير الواقع يقتضي أيضًا فهمًا دقيقًا للمجتمع، وتنظيمًا سياسيًا قادرًا على بناء القوة الجماعية؟

الإنصاف التاريخي يقتضي ألّا نختزل تجربة جيفارا في صورة مناضل مثالي لا يعرف التناقض ولا تشوب مسيرته بعض الأخطاء النظرية والسياسية  والتكتيكية، فمثل هذا التسليم يمنعنا من استخلاص الحكم من تجربة المناضل والتعلم من النقائص.

هل تقتلته الرصاصة أم السّلعنة؟

في الثامن من أكتوبر 1967، أُسر تشي جيفارا عقب مواجهة مع القوات البوليفية في منطقة كيبرا دايل يورو، بعد أن أُصيب خلال الاشتباك. وفي اليوم التالي، أُعدم في لا هيغيرا بأمر من القيادة العسكرية البوليفية. وتؤكد وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية أن القوات التي أسرته تلقت أمرًا بقتله، كما توثّق دور الولايات المتحدة في تدريب القوات البوليفية ومساندتها في مواجهة الحركة المسلحة.

كانت عملية الإعدام محاولةً لوضع حدّ لمسار ثوري بات يشكّل مصدر قلق للسلطات البوليفية وحلفائها. لكنها لم تنه حضور جيفارا في التاريخ بل أسهم مقتله في تعزيز صورته بوصفه رمزًا للتضحية الثورية ومقاومة الهيمنة فالرصاصُ يمكن أن يوقف قلبًا لكنهُ غيرُ قادر البتّة على إيقاف شرارة الثورة، ان ما يقتل حقًّا هو محاولات الطمس والتسليع والإفراغ من المعنى الذي سعى له النظام منذُ وفاة تشي وإلى اليوم.

تحولت الصورة التي التقطها المصوّر الكوبي ألبرتو كوردا المعروفة باسم «المقاتل البطولي “(Guerrillero Heroico)” بعد مقتل جيفارا سنة 1967 إلى أكثر الصور السياسية استنساخًا وتداولًا في العالم.

انتقلت الصورة من الصحف والملصقات السياسية إلى جدران المدن ومدرّجات كرة القدم، ثم إلى الملابس والأكواب والإعلانات وسائر المنتجات التجارية. وهكذا انفصلت، في كثير من استعمالاتها، عن السياق التاريخي الذي أنتجها، لتصبح علامة بصرية يمكن استهلاكها بمعزل عن معرفة صاحبها أو فهم مشروعه. فالملايين يعرفون وجه تشي، لكن كم منهم قرأ مذكّراته أو اطّلع على كتاباته السياسية؟ وكم منهم يعرف تفاصيل تجربته الكوبية والكونغولية والبوليفية، أو يحاول فهم الأسئلة التي طرحها بشأن الفقر والاستغلال والعدالة الاجتماعية؟ وكم منهم يتعامل مع صورته بوصفها مدخلًا إلى التفكير في العالم، لا مجرد إشارة جاهزة إلى التمرّد؟

إن المشكلة ليست في الصورة ذاتها، ولا في مجرد تداولها، بل في انفصالها عن مضمونها. فالصورة التي نشأت في سياق ثوري يمكن أن تتحول، داخل السوق، إلى منتج لا يختلف في طريقة بيعه وتسويقه عن سائر المنتجات. ويستطيع النظام الاقتصادي الذي يعارضه الرمز أن يستوعب صورته، ويحوّلها إلى مصدر للربح، من دون أن يضطر إلى تبنّي الأفكار التي حملها صاحبها.

بهذا المعنى، تنتجُ الرأسمالية نسخة منزوعـة المضمون منه، عبر تحويل الأفكار إلى علامات قابلة للاستهلاك، وفصلها عن الأسئلة الاجتماعية والسياسية التي منحتها معناها حتى تصيّرهُ وجهاً مألوفًا بلا تاريخ، وشعارًا بلا مشروع، وتمردًا يتحول إلى موضة لا تتطلب من صاحبها تغييرًا في أفكاره أو ممارساته. وهنا تصبح السلعنة شكلًا من أشكال تفريغ الرموز من محتواها السياسي يُحتفظ بمظهرها ويُستبعد مبادئها وممارساتها.

لكن لا ينبغي أيضًا افتراض أنّ كل استعمال تجاري للصورة يلغي بالضرورة دلالتها السياسية الرّاديكالية، فالمعاني تختلف باختلاف السياقات، وقد تظل الصورة مدخلًا إلى الاهتمام بالتاريخ أو التعبير عن موقف احتجاجي.

رفاقه ورفيقاته في العالم: كيف نحفظ العهد؟

كيف نعيد إلى رمزية جيفارا معناها السياسي والاجتماعي؟

إن الوفاء لأي تجربة تحررية يقتضي الجمع بين التمسك بالقيم الثوريّة والنقد اللازم للتجربة والوقوف على نقائصها وليس بتقديس الشخصية، ولا بتحويل حياتها إلى سيرة خالية من الأخطاء، ولا بالاكتفاء بتعليق الصور على الجدران وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. الحريّ بنا أن نُعيد فتح الأسئلة التي طرحها مشروعه كيف نثورُ وكيف ننتصرُ للكادحين؟ وما الشروط التي تجعل التضامن بين المقهورين ممارسةً فعلية لا مجرد شعار؟

إذا كانت تجربة جيفارا تحمل دروسًا تتجاوز حدود زمانها ومكانها، فإن أوّلها أنّ التغيير الحقيقي لا يتحقق بمجرد إعلان النوايا، بل يتطلب المراكمة والعمل والتّنظيم والالتزام. فالأحداث التاريخية الكبرى لا تنشأ عادة من فعل منفرد، وإنّما من قدرة القوى الثوريّة على بناء أدوات جماعية للتغيير فعّالة تربطُ رؤيتها للتحرّر بأساليب نضالية تختلف حسب السياقات.

لقد أثبت انتصار الثورة الكوبيّة أنّ الأنظمة السياسية ليست عصيّة على إرادة الثوار، كما أثبت أنّه لا يوجدُ وصفةٌ واحدة للثورات والإطاحة بالأنظمة الاستبدادية. فالتجارب الثورية لا تُنقل آليًا من بلد إلى آخر، وهذا ما تكشفه تجربة جيفارا في بوليفيا. فقد واجهت حركته عزلة متزايدة، وضعفًا في التّجنيد المحليّ، وتوترًا مع الحزب الشيوعي البوليفي، فضلًا عن صعوبات تنظيمية واستراتيجية أخرى. كما أنّ المجموعة المسلّحة لم تتمكّن من بناء قاعدة شعبية واسعة تساندها ولم تتمكن من إقامة روابط سياسية واجتماعية متينة مع الفئات التي أرادت الدفاع عنها، فالرغبة في تحرير شعب لا تعوّض معرفة واقعه، لا بدّ من فهم طبيعة المجتمع، والإنصات إلى حاجات الناس وتطلعاتهم، وبناء تنظيم يتيح لهم المشاركة الفعلية في تحديد أهدافهم ووسائل نضالهم. فالطبقات والفئات الاجتماعية يجب إلى أن تكون في قلب الفعل السياسي لتنظيم نضالها وصياغة مشروعها. وحين تنفصل الحركة السياسية عن المجتمع الذي تزعم تمثيله، يمكن أن تتحول، حتى مع نبل أهدافها المعلنة، إلى مشروع مفروض من الخارج بدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة جماعية متجذرة.

وإذا أردنا أن نستخلص من تجربة جيفارا ما يمكن أن يظل حيًا، فإن الأمر يتعلق بالتضامن مع المقهورين، ورفض اللامساواة، وربط الأفكار بالممارسة، والاستعداد لمراجعة الخيارات عندما تكشف التجربة حدودها. كما يتعلق بالإيمان بأن التغيير لا يصنعه الأفراد المنعزلون، بل العمل الجماعي والتنظيم والمعرفة والقدرة على بناء بدائل اجتماعية وسياسية قاب

إلى الأعلى
×