
ترددت في السنوات الأخيرة مقولات كثيرة تزعم أن الطبقة العاملة قد فقدت زخمها النضالي، وأن العمال توقفوا عن الكفاح، أو أن العمل النقابي قد وهنت قوته وبات يمر بأزمة لا رجعة فيها. ويميل أصحاب هذه الآراء إلى تصوير كل نزاع منفرد على أنه مجرد استثناء، واعتبار كل هزيمة دليلاً قاطعاً على أنه “لم يعد بالإمكان فعل شيء”. ومع ذلك، يكفي إمعان النظر فيما شهدناه خلال العام الماضي لندرك أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.
فمن قطاع المعادن إلى التعليم ومن الصحة إلى قطاع الفنادق والمطاعم، مروراً بصناعات كبرى مثل “إيرباص”، خرجت قطاعات متنوعة من الطبقة العاملة إلى الشوارع، ودعت إلى الإضراب، وشغلت الحيز العام، ونظمت خطوط الاعتصام، وأجبرت أرباب العمل والسلطات العامة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وهذا يبرهن على أننا لسنا بصدد طبقة عاملة اندثرت، بل طبقة عاملة -رغم عقود من التراجع وتزايد الهشاشة وإضعاف منظماتها- لا تزال تحتفظ بقدرتها على النضال متى توفرت لها الظروف والتنظيم والوحدة اللازمة. ولعل هذا هو الاستنتاج الأول الذي ينبغي استخلاصه من ذلك.
فالعام المنصرم شهد نزاعات اتسمت بتنوع كبير في طبيعتها. ففي قطاع الصناعات المعدنية في قادس (Cadix)، دُعي عشرات الآلاف من العمال إلى التحرك في يونيو 2025 للمطالبة بتحسين اتفاقيتهم الجماعية؛ وقد استمر الإضراب المفتوح خمسة أيام، وتخللته مظاهرات وتحركات واسعة النطاق في مواقع مختلفة من المقاطعة. أما في قطاع الصناعات المعدنية في لا كورونيا (La Corogne)، فقد أثبت العمال مجدداً قدرة القطاع المنظَّم على انتزاع مكاسب من أرباب العمل؛ فبعد ثمانية أيام من الإضراب والاعتصامات والتحركات، تم التوصل إلى اتفاق مبدئي ينص -من بين تدابير أخرى- على زيادة تراكمية في الأجور بنسبة 15%، وتقليص ساعات العمل، وزيادة أيام الإجازات المدفوعة الأجر، وتحسين مختلف العلاوات والتعويضات.
في شركة “إيرباص” (Airbus)، وجد آلاف العمال أنفسهم أيضاً في خضم نزاع عمالي كبير؛ ففي أغسطس 2026، دُعي 14 ألف موظف في المصانع الإسبانية الستة التابعة للشركة إلى إضراب مفتوح، وذلك عقب توقفات عن العمل بدأت في شهر يوليو ورفض غالبية الموظفين للاتفاق المبدئي الذي كان قد أُبرم سابقاً. وقد تمحورت مطالبهم بشكل خاص حول استعادة القدرة الشرائية، وربط الأجور بمؤشر أسعار الاستهلاك (IPC)، وتحسين المزايا المالية الإضافية، وإلغاء نظام السلم المزدوج للأجور. ومن ناحية أخرى، شهد قطاع التعليم العام في منطقة فالنسيا (Valence) واحداً من أطول النزاعات وأكثرها بروزاً في الآونة الأخيرة؛ إذ استمر الإضراب المفتوح -الذي انطلق في 11 مايو- لعدة أسابيع، وتخللته مظاهرات حاشدة تلاها إقامة مخيم للمعلمين في مدينة فالنسيا. ولم تقتصر المطالب على الأجور فحسب، بل شملت أيضاً خفض معدلات الإشراف، وتخفيف الأعباء الإدارية، وزيادة الموارد، وتحسين ظروف ممارسة مهنة التدريس. وفي قطاع الصحة، شهدنا أيضاً تحركات واسعة النطاق على المستوى الوطني؛ فقد خرج فنيو الصحة، على سبيل المثال، إلى الشوارع للمطالبة بإعادة الاعتبار لوضعهم المهني. وتُضاف إلى هذه النضالات تحركات العاملين في قطاع الفنادق والمطاعم في منطقة غاليسيا (Galice)؛ إذ سلطوا الضوء خلال فصل الصيف على مشكلات معروفة، مثل تدني الأجور، وانعدام الاستقرار الوظيفي، وساعات العمل الطويلة للغاية. وفي مدينة لا كورونيا، دعت نقابات (UGT) و(CCOO) و(CIG) إلى الإضراب للتنديد -من بين أمور أخرى- بتجميد الأجور وسعي أرباب العمل إلى تعديل الحقوق المتعلقة بالإجازات المرضية.
إنها صراعات مختلفة تدور رحاها في مناطق متباينة، لكنها تشترك جميعاً في عناصر يتعين علينا تحليلها. وتُظهر هذه الصراعات أن موازين القوى تتغير عندما تبدأ الطبقة العاملة في التحرك الجماعي وتتوقف عن النظر إلى مشكلاتها من منظور فردي؛ فالاستياء وحده لا يكفي، إذ تظل وحدة طبقتنا وتنظيمها أداتنا الرئيسية. وبعبارة أخرى، تكتسب المفاوضات قوةً أكبر عندما تستند إلى طبقة عاملة منظمة وعازمة على الدفاع عن مطالبها.
وهكذا، فإن أحد أهم الدروس المستفادة من العام المنصرم هو أهمية الوحدة النقابية؛ إذ يُظهر النزاع العمالي في قطاع المعادن بمدينة “لا كورونيا” كيف يمكن للتحرك المتواصل أن يغير مسار المفاوضات. كما يكشف النزاع عن وجود خلافات بين المنظمات النقابية -وهي خلافات لن تزول بقرار إداري- إلا أنه يثبت أيضاً أنه عندما يتبنى العمال مطلباً مشتركاً، فإن الانقسام النقابي لا يخدم سوى الطرف المقابل. وفي قطاع التعليم بمدينة “فالنسيا”، وقفنا أيضاً على الفرص والتحديات المرتبطة بهذه المسألة؛ فقد أدى النزاع إلى حراك واسع ومشاركة منظمات متعددة، لكنه شهد أيضاً تباينات في المواقف بين النقابات أثناء تطوره. إن الوحدة لا تعني التماثل التام، بل تنطوي على أمر أبسط بكثير: ألا وهو إعطاء الأولوية لما يجمع العمال وبناء التحرك على هذا الأساس.
ثمة قاسم مشترك آخر بين العديد من هذه التحركات الاحتجاجية، يتمثل في أن المطالب تتجاوز مجرد مسألة الأجور. فعمال قطاع المعادن يطالبون بزيادة الأجور، ولكن أيضاً بتقليص ساعات العمل، والحصول على تعويضات إضافية وإجازات، وضمان الاستقرار وتحسين ظروف العمل. ولا يقتصر نضال المعلمين على المطالبة بزيادة الرواتب؛ فهم ينددون بضعف معدلات التأطير التربوي، وبالبيروقراطية ونقص الموارد، مما يحوّل معركتهم هذه إلى نضال لا يقتصر على الجانب المهني فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الاجتماعي ويشرك كافة الفئات الشعبية. أما العاملون في قطاع الفنادق والمطاعم، فينددون بساعات العمل الطويلة جداً وبظروف العمل غير المستقرة؛ إذ تندرج مطالب تقليص ساعات العمل،
وتنظيم الجداول الزمنية، وإلغاء ساعات العمل الإضافية المجحفة، والحق في الانفصال عن العمل (عدم الاتصال خارج أوقات الدوام)، والتوفيق بين الحياة المهنية والشخصية، وضمان الاستقرار الوظيفي، ضمن هذا النضال المشترك. إننا لا نسعى لمجرد كسب المزيد من المال لتحمّل ظروف عمل تزداد تدهوراً باستمرار؛ بل نريد أجوراً تحفظ كرامتنا وساعات عمل معقولة، ونريد الاستقرار والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية والحفاظ على صحتنا في العمل، كما نريد استعادة الوقت والثروة التي يولدها عملنا لصالح العمال أنفسهم.
ولكن للأسف، نعلم أيضاً أن المكتسبات ليست مضمونة بشكل دائم ولا رجعة فيه؛ لذا سيكون من الخطأ اختزال هذه الحصيلة في مجرد سلسلة من الانتصارات. ففي قطاع التعليم في فالنسيا، وبعد أسابيع من الإضراب، عُلّق الحراك مؤقتاً عقب عملية تشاور شارك فيها أكثر من 30 ألف معلم، مع الإبقاء في الوقت ذاته على أشكال أخرى من الاحتجاج وعلى إمكانية استئناف التوقف عن العمل. وهنا تكمن بالتحديد عبرة أخرى لطبقتنا؛ إذ لا ينبغي تقييم النضال استناداً إلى نتائجه المباشرة فحسب. فكل إضراب يشكل تجربة، ويتيح إعداد رفاق جدد للنضال وبناء روابط مع عمال كانوا -حتى ذلك الحين- بمنأى عن الحراك. والأهم من ذلك، أن كل نضال يمكن أن يكون نقطة انطلاق للنضال الذي يليه.
لقد شهدنا أمثلة على التضامن الذي ينبغي علينا المطالبة به وتعزيزه، إذ أن التضامن الطبقي يحوّل النضال الفئوي المحدود إلى معركة جماعية. فقد حظي عمال قطاع المعادن في قادس بدعم من قطاعات أخرى، وفي فالنسيا، حشدت التحركات في قطاع التعليم كلاً من العائلات والطلاب. وفي سياق نزاعات عديدة، ساهم حضور مجموعات أخرى في كسر حالة العزلة التي يسعى أرباب العمل إلى فرضها على كل تحرك نضالي. ومن الضروري أن ندرك أن ما يدافع عنه العامل اليوم، قد نجد أنفسنا جميعاً مضطرين للدفاع عنه غداً؛ فظروف العمل الهشة في قطاع الفنادق والمطاعم لا تقتصر على النُدُل، ونقص الكوادر الصحية لا يمس المهنيين في هذا القطاع فحسب، وتدهور التعليم لا يعني المعلمين وحدهم، كما أن تراجع القدرة الشرائية في قطاع المعادن لا يؤثر فقط على العاملين في هذه الصناعة.
إذا كان العام المنصرم قد أثبت شيئاً، فهو أن الطبقة العاملة المنظمة – رغم الصعوبات وما يزال أمامها من طريق طويل – تحتفظ بالقوة والإمكانات اللازمة لانتزاع انتصارات جديدة لصالح طبقتنا. فقد نجح عمال قطاع المعادن في “لا كورونيا” في الحصول على اتفاقية جماعية تتضمن مكاسب هامة بعد إضراب استمر ثمانية أيام. وأثبت المعلمون في “فالنسيا” أن النزاع العمالي قد يمتد لأسابيع ويحشد عشرات الآلاف من العاملين. كما سلط موظفو شركة “إيرباص” الضوء مجدداً على قدرة قطاع الصناعات الكبرى على التنظيم والنضال. وأظهر العاملون في قطاع الصحة إمكانية التصدي للإصلاحات التي تمس ظروف عملهم بشكل مباشر. وأثبت العاملون في قطاع الفنادق والمطاعم أنه حتى في القطاعات التي تتسم بعدم الاستقرار وهشاشة الوظائف، يظل التنظيم والوقوف صفاً واحداً أمراً ممكناً. وحيثما طالت يد القمع العمال – كما حدث مع عمال المعادن في خليج قادس – رأينا أيضاً كيف يمكن للتضامن أن يكسر العزلة ويحول المشكلة الفردية إلى قضية جماعية.
لا تتمثل مهمتنا الراهنة في إضفاء طابع مثالي على هذه النضالات، بل في دراستها بغية تزويدها بتوجه سياسي عام وواعٍ — وهو ما تفتقر إليه اليوم — مما بات أمراً لا غنى عنه في حقبة يسعى فيها اليمين المتطرف والفاشية إلى القضاء على كافة مكتسباتنا وحقوقنا. ويتطلب الأمر تحليل ما نجح منها، والأخطاء المرتكبة، ومدى جدوى تكتيك معين أو عدمه، وكيفية تشكّل الوحدة، والدور الذي لعبته الجمعيات العمالية، وكيفية النجاح في حشد عمال كانوا في البداية غير منخرطين في الحراك، فضلاً عن تبيّن ما حدث عند ظهور انقسامات؛ إذ يتعين على الحركة العمالية استعادة الثقة بقوتها الذاتية. ورغم أن نضالات العام المنصرم لا تتيح لنا الجزم بأننا نشهد انتعاشاً شاملاً للحركة العمالية — إذ سيكون من السابق لأوانه قول ذلك — إلا أنها تسمح لنا بتأكيد أمر أكثر أهمية بكثير: ألا وهو أن القدرة على النضال لا تزال قائمة. وتكمن الرهانات الآن في الحيلولة دون بقاء هذه التجارب معزولة، وفي ضمان أن يمهّد كل صراع الطريق للصراع الذي يليه. إن يوم العمل، والإجازات المدفوعة الأجر، والاتفاقيات الجماعية، والخدمات العامة، وغيرها الكثير من الحقوق التي نعتبرها اليوم أموراً بديهية ومسلّماً بها، قد انتُزعت بفضل سنوات من التنظيم والتضحيات والنضال. ولهذا السبب، وفي مواجهة التشاؤم والاستسلام للأمر الواقع، علينا أن نؤكد بوضوح وقوة أن الطبقة العاملة لا تزال تحتفظ بقوتها؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في تنظيمها وتوحيد صفوفها وتحريكها.
صحيفة “أكتوبر”، العدد 199، أكتوبر 2026