بقلم زياد بن عبد الجليل
الأحد 18 أكتوبر، الساعة الثامنة ليلا، القناة الثانية الفرنسية: “أولاءك الذين أضمروا إسقاط الجمهورية سيحاسبون (…) بكل حزم”. كان ذلك وعيد ماكرون في خطابه حول الأحداث التي عرفتها فرنسا على هامش مظاهرات السبت 17 أكتوبر. ثم، على نفس القناة العمومية، حصة أخبار مصورة خصصت لتغطية النهب في شوارع باريس يتخللها تقرير مصور من 10 دق نرى فيه: تجمهر المتظاهرين سلميا في ساحة الجمهورية في باريس فانقلاب الأحوال بعد ثواني إلى مواجهات بين قوات حفظ النظام المنضبطة وملثمين يرشقونها بالحجارة ويحرقون كل ما في الساحة، فتصريح لميلونشون – الذي يتظاهر في نفس الوقت في شارع هادئ من شوارع باريس رفقة أنصاره الذين يهتفون باسمه رئيسا – يعتبر فيه أن المظاهرات تاريخية وقد تفوق في زخمها مظاهرات ماي 68، فعودة إلى المواجهات ثم آثار النهب ليلا في بعض شوارع باريس. الإثنين 19 أكتوبر الحكومة تحمل فرنسا الأبية مسؤولية العنف واليمين يطالب بحلها. الجمعة 23 أكتوبر عشية مظاهرات 24 أكتوبر المرتقبة: إرهابي من اليمين المتطرف يقتل شخصا ويجرح خمسة آخرين، كلهم من أصول مهاجرة. ماذا حدث في فرنسا وأين تتجه الأوضاع فيها؟
17 أكتوبر، توسّع المظاهرات الشعبية في فرنسا
عرفت فرنسا مظاهرات عارمة يوم 17 أكتوبر خرج فيها حوالي 800 ألف متظاهر في كل البلاد 200 ألفا منهم في باريس حسب المنظمين. جاءت المسيرات بعد تداول دعوات منذ 7 سبتمبر على الشبكة الاجتماعية، بعضها عن مجموعات قريبة حركة “السترات الصفراء”، للتظاهر في 17 أكتوبر احتجاجا على غلاء الأسعار. كان للحركة التلمذية التي انطلقت بشكل مستقل منتصف سبتمبر وتواصلت إلى منتصف أكتوبر الفضل في تعبيد الطريق لنجاح مسيرات 17 أكتوبر التي انخرطت فيها الكونفيدرالية العامة للشغل ونقابات الطلبة. عكست الدعوة للتظاهر تأزم الوضع الاجتماعي والاقتصادي في فرنسا التي تدفع فيها الطبقات الشعبية فاتورة ميزانيات التقشف وضرب الخدمات العمومية وفاتورة الحرب في أوكرانيا وفي الخليج العربي والإعداد للحرب الشاملة وفاتورة ديون فرنسا المتراكمة لدى المقرضين خاصة مع تعاظم شكوك المقرضين في الدولة الفرنسية.
لم يكن للمظاهرات في باريس والمدن الكبرى شعارات مركزية موحدة، بل تلونت وتنوعت من مطالب جزئية وقطاعية وفئوية إلى شعارات سياسية عامة ترفعها طليعة من المتظاهرين، وكيف لا يكون ذلك وقد شارك فيها طيف واسع وغير متجانس: التلاميذ، الطلبة، نقابات، أحزاب سياسية يسارية، موظفون، أصحاب مهن حرة، فلاحون، مناضلو الحركات البيئية والنسوية والدفاع عن المهاجرين إلخ.. نجح المنظمون في الأمتار الأخيرة على التوافق على مسيرات موحدة في باريس وعدد من المدن الكبرى، بينما خرجت مسيرات متفرقة في المدن المتوسطة والصغرى.
تؤشر مسيرات 17 أكتوبر الحاشدة، وخاصة المسيرة الباريسية، على بروز الوعي بالحاجة إلى رصّ الصفوف ضد سلطة قمعية وضد سياساتها المعادية للجماهير الشعبية، لذلك فإن حشد حوالي 800 ألف متظاهر (رغم أنه ليس بالعدد الكبير في تاريخ مظاهرات النضال الطبقي في فرنسا) يعتبر نجاحا بالنظر إلى تراجع الحركة الاجتماعية بعد زخم المظاهرات ضد تخريب منظومة التقاعد. لكنها تشير أيضا إلى أن الأوضاع في فرنسا لم تنضج بعد لتنصهر كل المطالب القطاعية في شعارات مركزية تستهدف السياسات العامة للسلطة: برنامج البورجوازية. ورغم ذلك فقد كانت مظاهرات ذلك اليوم في مرمى البورجوازية وأجهزتها القمعية والإعلامية، التي يعرف نظامها أحد أخطر أزماته السياسية.
السلطة تعبث بالحريات العامة وتقايض الجماهير: الحريات مقابل “الهدوء”
الساعة الثانية بعد الزوال: أغلقت الشرطة كل منافذ ساحة الجمهورية في باريس، إحدى أكبر ميادين العاصمة الفرنسية، ونقطة بداية المسيرة في العاصمة مانعة القادمين من الالتحاق بالساحة الحافلة المتظاهرين. ثم قامت قوات الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع مفرقة المتظاهرين في الشوارع المتاخمة ومسببة حالة من الذعر بينهم قبل أن يلتحق الجزء الأكبر منهم بالمسيرة الحاشدة التي واصلت طريقها سلميا نحو نقطتها الأخيرة المقررة. لقد تعمدت الشرطة في باريس وعدد من المدن الأخرى خلق الظروف المواتية لانتشار الهلع بتفريقها وملاحقة المتظاهرين في الشوارع وقمعهم وبتهيئة الأوضاع لحدوث عمليات خلع ونهب للمحلات التجارية في بعض شوارع وسط باريس ومرسيليا، أحداث تطورت حتى لحرق مقر مدينة Limoges ومحاولة حرق مقر بلدية مرسيليا. لقد صرح رئيس بلدية مرسيليا أن الشرطة لم تحرك ساكنا حين اقتحم ملثمون مقر البلدية محاولين إحراقها بينما كانت تنهال فرق حفظ النظام على المتظاهرين بالهراوات على بعد مئات الأمتار. وصرحت رئيسة جمعية أصحاب المحلات التجارية في مرسيليا أن الشرطة، على غير العادة، كانت غائبة تماما عن شوارع وسط المدينة تاركة المحلات بدون الحماية المعتادة خلال المظاهرات. كما قدم العديد من التجار في باريس شهادات عن تأخر قدوم الشرطة بعد إصدارهم لنداءات استغاثة.
يبدو أن السلطة كانت في حاجة لصور نهب وخلع المحلات التجارية للتعمية على نجاح المسيرات التي كانت في مجملها حاشدة وسلمية، ولتنطلق في حملة إعلامية ممنهجة لشيطنة الاحتجاجات. أعطى خطاب ماكرون ليلة الأحد 18 أكتوبر ليعطي إشارة الانطلاق لاستثمار صور العنف والشغب سياسيا: شجب دعوات التظاهر والحث على الهدوء وعدم الخروج في المسيرات بتعلة قرب الانتخابات الرئاسية، دعوة السلطات الأمنية الجهوية لعدم الترخيص للمسيرات متى رأت ذلك، في مخالفة صريحة للدستور الفرنسي الذي يضمن حرية التظاهر، دعوة النقابات والأحزاب السياسية للقاء رئيس الحكومة لتبيان موقفهم من الأحداث في مناورة لطمس مطالب الجماهير الشعبية ووضع المسألة الأمنية في صدارة النقاش والإيهام بالسيطرة على المشهد السياسي. كانت تصريحات الرئيس الفرنسي نقطة البداية لتتالي الإجراءات العابثة بالحريات العامة التي اتخذتها حكومته، حيث فرض حظر التجول في عدد من الأحياء في باريس وفي المدن الكبرى، كما فرض حظر للتجول في بعض الأحياء على القصر فقط، وأصدر ووزير العدل، الذي يتفاخر بالاحتفاظ بـ2300 موقوف بعد المظاهرات، مذكرة “تحث” القضاء على تسليط أقصى العقوبات بالموقوفين المشاركين في النهب، وتحثهم على الحكم عليهم بحرمانهم من حقوقهم السياسية وخاصة حق الانتخاب بل منعهم من استعمال وسائط التواصل الاجتماعي. ثم عاد ماكرون ليكرر يوم الخميس 22 أكتوبر وبوضوح أن “المرغوب فيه اليوم هو عدم التظاهر في الأيام المقبلة” تفاعلا مع دعوات التظاهر يوم السبت 24 أكتوبر. وبالفعل قامت السلطات الأمنية الجهوية بالتضييق على المظاهرات المبرمجة يوم السبت، خاصة في ليون ونيس وباريس. إن السلطة تعرف أن المتظاهرين سينزلون إلى الشارع السبت المقبل، وبالتهديد بالمنع فإنها من ناحية تقايض الجماهير، الحريات أو الهدوء، وتهيئ الظروف من ناحية أخرى لانفلات الأوضاع بما يخدم تكتيكها لشيطنة الاحتجاجات تمهيدا لعزلها وتصفيتها. إن المؤكد اليوم، بعد حوالي شهر من تتالي الاحتجاجات الشعبية في فرنسا أن السلطة أصبحت تطبق عمليا سياسات اليمين المتطرف من قمع للمحتجين واستهدافهم في سلامتهم الجسدية ومن ضرب وعربدة وعبث بالحريات العامة في وضح النهار.
أفق تطور الأوضاع في فرنسا: الإضراب العام أو خسارة المعركة إلى حين
إن المسيرات السبت 17 أكتوبر والسبت 24 أكتوبر مهمة لنفض الغبار عن الشوارع والمراكمة النضالية بعد سنوات من ركود الحركة، ولتحفيز انبثاق جبهة واسعة ضد النظام والفاشية. لكن التظاهر في عطلة نهاية الأسبوع قد يزعج راحة البورجوازيين لكنه لن يكسر البتة حلقة سرقتهم فائض القيمة خلال أسبوع العمل. هذا وقد كانت النقابات قد دعت منذ أسابيع إلى إضراب عام وطني يوم 5 نوفمبر حول مطالب نقابية تتعلق بالأجور. إن تطور الأوضاع اليوم يتطلب تحويل هذا الإضراب العام بيوم إلى إضراب عام مفتوح للمطالبة برفع الأجور، تجميد الأسعار، التراجع عن تخريب منظومات التقاعد والحماية الصحية والاجتماعية، ضخ الأموال في الخدمات العمومية ورفض الحرب: أي رفض كل سياسات البورجوازية. إن نجاح هذا الإضراب العام المفتوح وتجذره قد يحولانه إلى إضراب سياسي ويحول الأوضاع في فرنسا إلى حالة ما قبل ثورية تتطلب صياغة تكتيكات مباشرة بحسم مسألة السلطة السياسية. دون ذلك خسارة جولة أخرى من الصراع الطبقي إلى حين، والاقتصار على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في انتخابات رئاسية سيكون للبورجوازية سبق في فرض شروطها ومحاور نقاشها العامة من زاوية نظرها الرجعية.
وتلك مسألة أخرى.
صوت الشعب صوت الحقيقة
