بقلم رحمة لسود
إنّ أصوات الحناجر المطالبة بالعدالة الاجتماعية والعيش الكريم تقضّ مضاجع القارّة العجوز، وتكسر صمت شوارعها على وقع الغضب الشعبي في مواجهة سياسات التقشّف والاستغلال. فمن خلف واجهة الرفاه الأوروبي، حيث تتراكم الثروات وتتركّز القوة الاقتصادية، تتكشّف تناقضات اجتماعية عميقة يدفع ثمنها العمال والشباب والطلاب والفئات الشعبية. وبين أزمة السكن، وتآكل القدرة الشرائية، وهشاشة العمل، وتراجع الخدمات العمومية، يجد جيل كامل نفسه أمام مستقبل يتّسع فيه البون بين الوعود التي تلقّاها والواقع الذي يعيشه.
لكنّ السؤال المُلح الذي يطرحه هذا الخريف يتجاوز تعداد الاحتجاجات أو قياس مدى اتساعها: هل نحن أمام موجة غضب عابرة، أم أمام مقدمات تحوّل في وعي الشباب الأوروبي بموقعه داخل المجتمع الرأسمالي؟
تكشف احتجاجات خريف 2026 عن تصدّعات العلاقة بين المجتمع والمؤسسات، وعن المسافة التي تقطعها المطالب من الشارع إلى السياسة. ففي بلدان أوروبية مختلفة، امتدّت الأزمة من ارتفاع الأسعار ونقص المدرّسين وصعوبة الحصول على مسكن إلى أزمة ثقة في قدرة المؤسسات على ضمان الحقوق وتكافؤ الفرص.
في فرنسا، انطلقت التحركات من المدارس، حيث أثار نقص المدرّسين وتدهور البنية التحتية التعليمية غضب التلاميذ. ووفق صحيفة «لوموند»، طالت الاحتجاجات 180 مؤسسة تعليمية يوم 28 سبتمبر، قبل أن تتسع رقعتها. وبين 28 سبتمبر و5 أكتوبر، سجّلت السلطات 6059 عملية توقيف، وفق ما نقلته الصحيفة، فيما تصاعد الاعتراض على التدخل الأمني بعد إصابة عدد من التلاميذ. وهكذا تجاوزت الاحتجاجات مسألة الموارد المدرسية لتطرح سؤالًا سياسيًا حول كيفية تعامل الدولة مع جيل يطالب بحقوقه. وصارت المعاهد مرآة لتناقضات مجتمع يعجز عن ضمان شروط تعليم متكافئة، بينما يحشد موارده حين يتعلق الأمر بحماية النظام القائم.
أما في إسبانيا، فقد شهدت مدريد، في أواخر سبتمبر ومطلع أكتوبر، تحركات واسعة للمطالبة بخفض الإيجارات وحماية المستأجرين، أعقبتها إقامة خيام في ساحة بويرتا ديل سول. وتجاوزت المطالب الاعتراض على ارتفاع الأسعار إلى مساءلة تحويل المسكن، وهو حاجة اجتماعية أساسية، إلى أصل استثماري تتحدد قيمته بما يدرّه من أرباح. وحين يصبح العامل عاجزًا عن تأمين مسكن رغم عمله، تتجاوز المسألة قدرته الفردية على التدبير لتكشف نظامًا يخضع فيه الحق في السكن لمنطق السوق والقدرة على الدفع.
أما في ألبانيا، فقد اتخذ الغضب منحى سياسيًا أكثر صراحة. ففي 16 أكتوبر، خرج آلاف الشباب في تيرانا ضمن تحركات طلابية طالبت باستقالة رئيس الوزراء، وتداخلت فيها اتهامات بالفساد ومطالب بتحسين التعليم والحماية الاجتماعية، إلى جانب الاعتراض على مشروع سياحي فاخر.
وعلى اختلاف السياقات، اتجهت المطالب نحو مساءلة الحكومات والسياسات التي تحدد شروط العيش وتوزيع الموارد، متجاوزة حدود إصلاح الخدمات العمومية.
ولا تنحصر هذه الموجة في هذه البلدان الثلاثة، بل تطال إيطاليا وبلجيكا والبرتغال، حيث تداخلت المطالب المتعلقة بالأجور والصحة والتعليم والسكن مع الاعتراض على التقشّف وتقليص الحماية الاجتماعية. وفي إيطاليا تحديدًا، أظهرت الاضطرابات التي شهدتها ميلانو حجم التوتر المحيط بالاحتجاجات؛ فقد أفادت وكالة «أنسا» بنقل 271 شخصًا إلى مقر الشرطة، بينهم 220 قاصرًا، مع الإشارة إلى اعتقال 32 شخصًا. وتظلّ قراءة هذه التحركات مرتبطة بمطالبها الاجتماعية والسياسية، وبالسياقات التي دفعت المشاركين إلى الشارع، إلى جانب ما رافقها من مواجهات.
هنا تتضح الصلة بين الأزمات التي تبدو منفصلة: نقص الموارد في المدارس، وصعوبة الحصول على مسكن، وتآكل القدرة الشرائية، وتقليص الحماية الاجتماعية. فالمشكلة تتصل بكيفية توزيع الموارد والجهات التي تمتلك سلطة تحديد الأولويات.
وفي قلب هذه التناقضات يقف الشباب، وهم يدخلون الحياة الاجتماعية محمّلين بوعود التعليم والترقّي والاستقلال الاقتصادي والعيش الكريم، ليصطدموا بواقع يجعل العمل المستقر والسكن اللائق وتأمين المستقبل أهدافًا بعيدة المنال. ومن هنا تكتسب احتجاجات جيل زد دلالتها؛ إذ تعبّر عن تجربة اجتماعية مشتركة تتجاوز حدود المطالب المباشرة، وتفتح أسئلة أوسع حول المستقبل والسلطة والعدالة الاجتماعية.
لا تكمن أهمية فئة الشباب في استعدادها للتمرّد فحسب، بل في موقعها داخل التحولات الاجتماعية، . فقد رصدت تقارير حديثة اتساع التعبئة الشبابية وتنوّع أشكال تنظيمها، من المبادرات الرقمية إلى التجمعات الطلابية واللجان القاعدية. اذ تتيح الشبكات الرقمية سرعة تداول الدعوات وتوسيع دوائر التضامن، فيما تمنح التحركات الميدانية هذه التعبئة حضورًا ملموسًا في الفضاء العام. ويبقى التحدي في وصل هذه الأشكال بعضها ببعض، وتحويل الغضب المتفرق إلى قوة جماعية قادرة على الاستمرار.
وتستدعي هذه اللحظة مقارنة تاريخية مع انتفاضة مايو 1968 في فرنسا، حين بدأت الحركة في الجامعات، ثم اتسعت لتلتقي بإضرابات عمالية شملت قطاعات واسعة، وبلغ عدد المضربين خلالها ملايين العمال. وقد كشفت تلك التجربة عن القوة التي يكتسبها الاحتجاج حين يتجاوز حدود الفئة التي أطلقته، ويلتقي بمصالح اجتماعية أوسع، وتتحول المطالب المتفرقة إلى مواجهة مع بنية السلطة وعلاقات العمل. أما اليوم، فتمنح أدوات الاتصال الجديدة الشباب قدرة أكبر على التعبئة السريعة، لكنّ اتساع الاحتجاج وانتشاره لا يضمنان وحدهما بناء قوة سياسية مستدامة. فذلك يقتضي بالضرورة وصل الحركات الشبابية بالعمال والنقابات والفئات الشعبية، وتطوير أشكال من التنظيم تستطيع توحيد المطالب وصياغة أفق مشترك للتغيير.
قد تنتهي الاحتجاجات إلى تنازلات جزئية، أو تنحصر تحت ضغط القمع والإرهاق، وقد تفتح الطريق أمام تحولات أعمق إذا وجدت ما يحوّل طاقتها الاحتجاجية إلى قوة منظمة. فالتاريخ لا تغيره الأيادي المرتعشة بل تصنعه الشعوب حين تفهم أسباب وجعها، وتنظّم قواها، وتحول غضبها إلى فعل جماعي قادر على تغيير موازين القوى. عندها فقط قد يصبح خريف الاحتجاجات بداية ربيع اجتماعي وسياسي؛ ربيع تتحدد ملامحه بقدرة الشباب والعمال والفئات الشعبية على تحويل مطالبهم المشتركة إلى مشروع للتغيير.
صوت الشعب صوت الحقيقة
